المختفون قسريًا في غزة — لا يجوز نسيانهم الصراع الإسرائيلي الفلسطيني

مرّت ثلاثُ أشهرٍ منذ أن دخل «وقف إطلاق النار» حيّز التنفيذ في غزة. خلال هذه الفترة، رفضت اسرائيل الالتزام بتعهداتها بموجب الاتفاق، واستمرّت في حظر دخول كمياتِ المساعدات المتفق عليها إلى القطاع. الغذاءُ والأدويةُ والملاجئُ المؤقتة لا تصلنا بالكميات الكافية. معبر رفح لا يزال مغلقاً، والمرضىُ الذين يحتاجون إلى إخلاءٍ طبي عاجل لا يستطيعون المغادرة.

ورغم الاتفاق، واصلت القواتُ الإسرائيلية قصفَ أحيائنا، ما أوقع أكثر من 400 قتيل منذ العاشر من أكتوبر. وما زال الجيش يهدم منازل فلسطينية تتجاوز ما يُسمى بالخطّ الأصفر، ويترك أحياءً بأكملها منكوبة ومحطمة.

في الوقت نفسه تجري وساطاتٌ لدفع وقف النار إلى مرحلته الثانية، التي يفترض أن تنسحب فيها القوات وتبدأ عمليات إعادة الإعمار. وبينما توحي هذه الجهود ببصيصٍ من الأمل لتحسّن الوضع في غزة، ثمة قضيةٌ أساسية تُهمل: مصير الفلسطينيين الذين ما زالوا قيد الأسر لدى الاحتلال.

بعد أن أفرجت إسرائيل عن جميع رهائنها، ما عدا جثمانٍ واحد، لم يعد الحديث يدور عن المعاناة المستمرة للفلسطينيين الذين اختفتهم قوات الاحتلال قسراً من غزة. هناك ما لا يقلّ عن ١٨٠٠ فلسطيني من غزة ما زالوا محتجزين؛ وذلك بالإضافة إلى أكثر من ٨٠٠٠ آخرين اختطفوا من الضفة الغربية والقدس الشرقية.

أخي واحدٌ من هؤلاء الـ١٨٠٠.

خالد رجل في الرابعة والثلاثين من عمره، أبٌ لثلاثة أطفال: ديالا (ثمانُ سنوات)، حمدان (عشر سنوات) وعبير (إحدى عشرة سنة). كانوا محور حياته قبل اختفائه.

اختفى خالد في الثالث من ديسمبر ٢٠٢٣. كنا — سبعة عشر فرداً من العائلة — قد خرجنا مسرعين من منزلنا في حي الشجاعية جراء الهجمات الإسرائيلية، ولجأنا إلى مبنى المديرية الغربية للتربية في مدينة غزة قرب ملعب اليرموك.

يقرأ  رودريغيز: لا عميل أجنبي يقود فنزويلاودور الولايات المتحدة لا يزال غامضًا

في الليل استيقظت على صوت عرباتٍ ومدرعاتٍ عسكرية تدخُل المكان. أدركتُ فجأةً أن أخي، الذي كان نائماً بجانبي، لم يعد هناك.

ساعاتٌ لاحقة اجتاحت قوات الاحتلال المبنى وفصلت النساءَ والأطفال عن الفتيان والرجال الأكبر سناً بقوة. أطلقوا سراحَنا في النهاية، والتقينا خمسة عشر منا في مستشفى الشفاء؛ لكن خالد ووالدنا كانا مفقودين.

بعد خمسة عشر يوماً علمنا أن والدنا أُفرِج عنه وأُرسِل إلى رفح. تواصلنا معه، وأخبرنا أنه يظنّ أن خالد قد أُعتقل خلال الاقتحام لا أن يكون قد قُتل.

بعد نحو عام، بينما كنا نلجأ إلى بيت أختي في الشجاعية، تلقيتُ اتصالاً من موظف في الصليب الأحمر يسأل إذا كان خالد أخي. تجمد قلبي. سألتُ عن أي خبر عنه؛ هل هو حي؟ أخبروني أن أخي حي، وهو محتجز في سجن عوفر الشهير.

عندما أُعلن وقف إطلاق النار في يناير ٢٠٢٥، عادت الآمال. التقيْنا مجدداً بوالدنا الذي تمكن من القدوم إلى الشمال.

كنا نتوقع أن يظهر اسم خالد في قوائم الأسرى الفلسطينيين التي ستفرج عنها إسرائيل في تبادلات الرهائن المتعددة. أنا وأخي الصغير محمد كنّا نبحث بقلبٍ متوتّر في الأسماء؛ لم يظهر اسم خالد في أيِّ قائمة. فيما بعد سمعنا من أسرىٍ محرّرين أن خالد محتجز في سجن نفحة.

وعند الإعلان عن وقف النار في أكتوبر، بحثنا مرةً أخرى في القوائم. أُفرج عن ١٧١٨ مدنياً مخطوفين من غزة، إلى جانب ٢٥٠ فلسطينياً يقضون أحكاماً طويلة أو مؤبدات ظلماً. لم يكن خالد من بينهم.

كسرني ذلك بطريقةٍ لا أستطيع وصفها. لا أجد كلماتٍ تعبّر عن عمق خيبة أملي في عالمٍ ظالمٍ إلى هذا الحد.

في بعض الأيام يصبح الحنين إلى أخي أثقل مما أطيق. أفكّر فيه طيلة الوقت: أين هو؟ ماذا يمرّ به؟ تبدو المسافة بيننا لا تُحتمل. ثمة لحظات أتمنى فيها رؤية وجهه لبرهةٍ فقط، لأتأكّد أنه ما زال هناك.

يقرأ  دانيال شابو من موزمبيق:صوغ السلام «على طاولة التفاوض»أخبار سياسية

استقرّ هذا الغياب في حياتي بصمتٍ مرهق. يرافقني أينما ذهبت، يشكّل أيامي ويسدُّ الفراغات التي كان يملؤها.

عندما أنظر إلى ديالا وحمدان وعبير لا أستطيع أن أقاوم دموعي. قبل ثمانية أشهر قُتلت والدتهن، نادية، عندما استهدف الجيش المقهى الذي كانت تعمل فيه؛ قُتِلَت معه ٣٨ شخصاً آخرين في مجزرةٍ افجعتنا جميعاً.

الآن يعيش الثلاثة بلا والد ولا أم.

أشتاق أن أرى وجه خالد خالياً من الخوف والعنف. أحلم بأن أضحك معه، وأن أحتضنه، وأن نمضي وقتاً معاً كعائلةٍ متماسكة.

أنا واحدٌ من آلاف الفلسطينيين الذين يعيشون سجناً من القلق والخوف على أحبائهم المحتجزين في غياهب سجون الاحتلال. سمعنا جميعاً قصص التعذيب والإساءات من الأسرى المحرّرين؛ رأينا أجساداً نحفت وتجاعيدَ على بشرةٍٍ متلاطمةٍ بالكدمات.

احتفلت إسرائيل بعودة جميع اسراها — أحياءً أو أموات — باعتبار ذلك نصراً دبلوماسياً ونهايةً لقصةٍ من جانبهم. أمّا نحن الفلسطينيون فلا نعرف الختام؛ لا احتفالات لدينا. أحباؤنا ما زالوا رهنَ الأسر.

إلى الذين يجلسون على طاولة التفاوض: نطالبكم بإنعاش قضية الأسرى الفلسطينيين فوراً. هذه ليست مسألة يمكن تأجيلها؛ إنها واجبٌ أخلاقي وضرورة إنسانية عاجلة. الأسرى الفلسطينيون ليسوا ملفاً يوضع في الرفّ؛ هم بشر يستحقون الكرامة والعدالة، وحياتهم في خطرٍ داهم.

إلى خالد: غيابك يؤلِمنا، واشتياقنا إليك لا يهدأ. لن نرْتاح حتى تعود إلينا. سننتظرك يا خالد، مهما طال الزمن.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي كاتبها ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

أضف تعليق