شهادة جاك سميث أمام لجنة القضاء في مجلس النواب
قدّم المدعي العام الخاص السابق جاك سميث شهادته العلنية لأول مرة حين عاد إلى مقر الكونغرس للرد على أسئلة تتعلق بتحقيقاته بشأن رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب. جلس أمام لجنة القضاء بمجلس النواب حيث تلقى مدائح من الديمقراطيين واتهامات لاذعة من الجمهوريين على حد سواء، مؤكدًا طوال الجلسة أن تحقياته كانت غير منحازة وأنه كانت هناك أسس كافية لرفع لائحتَي اتهام فيدراليتين بحق ترامب خلال الفترة الفاصلة بين فترتي رئاسته.
قال سميث أمام اللجنة: «اتخذت قراراتي من دون مراعاة الانتماء السياسي للرئيس ترامب أو نشاطاته أو معتقداته أو ترشحه في انتخابات 2024». وأضاف: «تم توجيه التهم إلى الرئيس ترامب لأن الأدلة أثبتت أنه انتهك القانون عن عمد — القوانين نفسها التي أقسم بحمايتها».
خلفية وتفويض
كان سميث، الذي عمل سابقًا مدعًٍّا في قضايا جرائم الحرب لدى المحكمة الدولية في لاهاي، قد عُيِّن مدعيًا عامًا خاصًا في 2022 بقرار من الرئيس جو بايدن. يعمل المدّعون العامّون الخاصّون بصورة مستقلة، بمعزل عن الرقابة اليومية المعتادة من قيادات وزارة العدل المعينة سياسيًا، لكن تفويض سميث تميّز بالحساسية نظراً لكونه مكلفًا بالتحقيات تجاه خصم بايدن الانتخابي في 2020، والذي ترشّح مجددًا في 2024.
داخل التحقيقات
شكّلت انتخابات 2020 محورًا أساسيًا في ملفّ سميث، كما كانت أحداث السادس من يناير 2021 عندما اقتحم آلاف من أنصار ترامب مبنى الكابيتول محاولةً معارضةً لتصديق نتائج الانتخابات. خلُص سميث إلى أن ترامب سعى عمداً لقلب النتائج، وفي أغسطس 2023 قوّمت هيئة محلفين كبرى تهمًا من أربع نقاط ضده: التآمر لخداع البلاد، وعرقلة إجراء رسمي، والتآمر لعرقلة إجراء رسمي، والتآمر ضد حرية ممارسة الحقوق بموجب الدستور الأمريكي.
في تحقيق منفصل قادته هيئة محلفين في ولاية فلوريدا في يونيو 2023، تناول الملف قرار ترامب الاحتفاظ بوثائق سرية بعد مغادرته منصبه ورفض استجابة لأمر استدعاء قضائي لإرجاعها. وُجهت إليه في ذلك التحقيق نحو 40 تهمة تتضمّن التآمر لعرقلة العدالة، والادعاء زورًا، وعدم الالتزام بمقتضيات تتعلق بالوثائق الحساسة بموجب قانون التجسس.
التداعيات والإجراءات اللاحقة
أُسقِطت القضايا الفيدرالية لاحقًا بعد إعادة انتخاب ترامب في 2024، استنادًا إلى سياسة وزارة العدل التي تمنع التحقيق أو الملاحقة بحق رؤساء شاغلين. واستقال سميث في وقتٍ قريب من تنصيب ترامب في يناير 2025. ومع ذلك، خلال جلسة الاستماع دافع سميث بقوة عن قراره بإصدار لوائح الاتهام واقترح أن قضاياه كانت لتنجح لو تغيّرت الظروف.
قال لسميث: «أودّ أن أكون واضحًا: أؤيد قراراتي كمدعٍ خاص، بما في ذلك قرار توجيه تهم إلى الرئيس ترامب». وأضاف: «طوّرت تحقيقاتنا أدلة تتجاوز الشك المعقول بأن الرئيس ترامب شارك في نشاط إجرامي. لو طُلب مني اليوم مقاضاة رئيس سابق استنادًا إلى نفس الوقائع، لفعلت ذلك بغض النظر عن انتمائه الحزبي».
وشدّد أن الأدلة ألزمته بالمضيّ قدمًا: «القانون تطلّب أن يُحاسَب، وهذا ما فعلته. وكان من شأن التراجع عن ذلك في ضوء وقائع هذه القضايا أن يكون تقاعسًا عن واجبي كملاحق جنائي». وختم بالقول إن فريقه «كان مستعدًا وقادرًا على خوض المحاكمة».
انتقادات جمهورية
سعى الجمهوريون في اللجنة إلى تصوير سميث كأداة حزبية هدفها الإطاحة بمنافسي الديمقراطيين السياسيين. جاء من أبرز المطالبين بردودٍ قاطعة النائب الجمهوري داريل عيسى من كاليفورنيا، الذي شكك في استقلالية سميث ومَثّل قضيته بانتقادات لاذعة قارن فيها عمله بعمل أنصار الرئيس نيكسون سابقًا، متهمًا إياه بأنه ذراع بايدن، فردّ سميث بكلمة واحدة: «لا».
ادّعى عيسى كذلك أن تصريحات ترامب الكاذبة بشأن خسارته في 2020 تندرج ضمن حريته بموجب التعديل الأول للحقوق الدستورية، مستفيضًا في تفسير أن للأفراد «الحق المطلق» في اعتناق رأي ما والدفاع عنه حتى لو كان غير صحيح. طرح عيسى سؤالاً جوهريًا: لماذا رأى سميث سلوكًا إجراميًا من رئيس يعتقد أنه لم يخسر، إذا كان مجرد تعبير عن رأي؟
لم يُجب سميث تفصيلًا عن ذلك في الجلسة، لكن لائحته تفيد أن ترامب تجاوز مجرد التعبير عن الرأي، إذ حاول هو وحلفاؤه تجنيد «مصوّتين زائفين» لتقديم أصوات اتحاد انتخابي مزوّرة للمصادقة، وتبرز الأدلة أن ترامب ضغط على مسؤولين منتخبين لرفض نتائج غير مُرضية.
نقطة انتقاد أخرى كانت قرار سميث بطلب «سجلات مكالمات محدودة» لهواتف تسعة نواب جمهوريين تواصلوا مع ترامب خلال ما يُزعَم من محاولات لتقويض نتائج 2020، ومن بين المستهدَفين كان رئيس مجلس النواب آنذاك كيفن مكارثي. تجدر الإشارة إلى أن سجلات المكالمات هذه لا تتضمن مضمون المكالمات نفسها. بدلاً من ذلك، تُبيّن سجلات المكالمات مكان انطلاق الاتصال، ومن استُقبلت لديه المكالمة، ومدة استمرار الربط.
جادل الجمهوريون بأن استدعاء هذه السجلات لا يقتصر على انتهاك الخصوصية فحسب، بل يعد أيضاً تعدٍّ على حكم بند «الخطاب والمداولات» في دستور الولايات المتحدة، الذي يحمي نوّاب الكونغرس من الملاحقات القانونية الناشئة عن واجباتهم التشريعية.
كما اعترضوا على سرية أوامر الاستدعاء، وهو ما برره سميث بأنه إجراء ضروري. قال سميث: «أوامر الاستدعاء التي حصلنا عليها رُفعت بموجب أوامر عدم إفشاء من قاضٍ، لأنني كنت لديّ مخاوف بالغة من احتمال حدوث عرقلة للعدالة في هذا التحقيق».
وأضاف: «وبالنسبة لدونالد ترامب تحديداً، لم نكن نحقق فقط في تهم عرقلة العدالة المتعلقة بقضية الوثائق المصنفة، بل كنت مدركاً خلال سير التحقيق لاستهداف شهود».
سميث، النائب العام الخاص السابق بوزارة العدل، اتخذ مقعده استعداداً للإدلاء بشهادته.
سميث يدافع عن عمل فريقه
بينما شَنّ الجمهوريون هجمات على سميث متهمين إياه بسلوكيات مهنية خاطئة، مدحه الديمقراطيون واعتبروه مثالاً للنزاهة. قال النائب الديمقراطي إريك سوالوِل لسميث: «أريدك أن تكون واثقاً اليوم. لا شيء يدعوك للخجل. لقد تصرّفت بالشكل الصحيح، سيدي».
ثم لام سوالوِل زملاءه الجمهوريين متّهماً إياهم بالنفاق، خاصة بعد هجوم 2021 على مبنى الكابيتول. وأضاف متوجهاً إليهم: «هؤلاء الرجال محظوظون لأنهم ليسوا تحت القسم، وإلا لاضطروا ليقولوا ماذا يظنون فعلاً عن ترامب. يسمونه فاسداً، يقولون إنه قاسٍ، يسمونه حقيراً — لقد سمعتكم تفعلون ذلك».
دعاه سوالوِل إلى تذكّر مكان وجوده أثناء اندلاع الهجوم على الكابيتول وما شعر به وهو يشاهد أنصار ترامب يقتحمون المبنى بينما الفرَّ أعضاء الكونغرس. أجاب سميث: «كنت مذهولاً. كنت في أوروبا ومتابعتي لم تَكُن بالحدة نفسها، بصراحة لم أكن مطلّعاً بشكل كافٍ على الأحداث التي سبقت ذلك. لم أرَ مثل هذا يحدث في بلدنا من قبل».
ونفى سميث أيضاً أن يكون قد تعرّض لأي ضغط من إدارة بايدن لانتزاع نتيجة معينة. قال: «أُتيح لي الاستقلالية لإجراء تحقيقاتي» — أُعطيت هنا العمل مستقلا، بحسب تصريحه.
منذ تعيينه كمُدّعٍ خاص، أصبح سميث هدف انتقادات متكررة من التيار المحافظ. هذا الأسبوع وصفه ترامب نفسه بلغة حادة ووصفه بأنه «ابن… مريض» وقاد مجموعة من «المدعين الاختياريين المتطرفين اليساريين». خلال العام الماضي أزالت إدارة ترامب إلى حد كبير موظفين اتحاديين مهنيين وحياديين كانوا مشاركين في التحقيقين الفيدراليين اللذين قادهما سميث وأنهت خدمتهم.
واستخدم سميث جلسة اللجنة ليتهم تلك القرارات، معتبراً أن ترامب يسعى للانتقام من موظفين حكوميين خدموا رؤساء من كلا الحزبين. قال: «أفتخر بعمل فريقي، وأقدّر الفرصة للوقوف هنا لتصحيح السرديات الزائفة والمضللة حول عملنا».
وأضاف: «سعى الرئيس ترامب للانتقام من مدعين مهنيين، وعملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي، وموظفي الدعم لمجرد أنهم عملوا على هذه القضايا. تشويه سمعة هؤلاء والبحث عن الانتقام منهم خطأ. هؤلاء الخدام العموميون المخلصون هم من أفضلنا».
رد الرئيس على شهادة سميث
توجَّه ترامب، الذي بدا أنه يتابع الشهادة مباشرة، إلى منصته على «ترث سوشيال» لينوه عن الجمهوريين لإدانة عمل سميث. نشر رسالة قال فيها إن «جاك سميث المجنون يتعرّض للتمزيق أمام الكونغرس. انتهى الأمر عندما تم تناول إخفاقاته الماضية ومحاكماته غير العادلة. دمّر حياة كثيرة تحت ستار الشرعية. جاك سميث حيوان مريض لا ينبغي أن يُسمح له بممارسة القانون».
واقترح ترامب أن يُعرض سميث لعواقب مهنية أو حتى لملاحقة قضائية، وهي لهجة اعتاد ترامب استخدامها عبر منصاته للضغط على وزارة العدل لاتخاذ إجراءات ضد خصومه. كتب أيضاً: «لو كان جمهورياً لُسحب ترخيصه وربما أسوأ من ذلك! آمل أن يُراجع النائب العام ما فعله».
ووصف ترامب الأمر بأنه «خدعة ديمقراطية» وأن على الديمقراطيين أن يدفعوا ثمناً باهظاً لما ألحقوه بالبلد.
استُدعي سميث من قِبل لجنة القضاء في مجلس النواب في أوائل ديسمبر، وشهد لاحقاً في جلسة مغلقة رغم احتجاجه على أن الجلسات يجب أن تكون علنية. هو حالياً تحت أمر كتم يمنعه من الإفصاح عن ادلة تتعلق بقضية الوثائق المصنفة، مع إعلان قاضية المحكمة الجزئية آيلين كانون أنها ستسمح برفع الحظر عن تقريره اعتباراً من 24 فبراير، وهو قرار طعنت عليه إدارة ترامب.
في ملاحظاته المعدّة، ناشد سميث الحاضرين بالدفاع عن حكم القانون بغضّ النظر عن الحزب الذي قد يسعى إلى تقويضه. قال: «بعد قرابة ثلاثين سنة من الخدمة العامة، بما في ذلك في سياقات دولية، رأيت كيف يمكن أن يتآكل حكم القانون. خوفي أن حكم القانون عمل في بلدنا طويلاً حتى بات كثيرون منا يعتبرونه أمراً مفروغاً منه. حكم القانون لا يعمل من تلقاء نفسه؛ إنه يعتمد على التزامنا الجماعي بتطبيقه».