يؤكد خبير المياه جاد إسحاق للجزيرة أن الفلسطينيين مضطرون سنوياً لشراء نحو 100 مليون متر مكعب من الماء (حوالي 26 مليار غالون) من إسرائيل، بينما تُصادر ينابيعهم الطبيعية كوسيلة للضغط والتهجير.
في شرق الضفة الغربية المحتلة، يتدفق نبع العوجا منذ قرون، وكان وما يزال من أكبر وأقدم أحواض المياه في فلسطين. غير أن العائلات الفلسطينية التي اعتمدت عليه عبر الأجيال تؤكد أن المستوطنين ينهبون فعلياً المياه، ما خلق أزمة يصفها خبراء بأنها «فصل عنصري مائي».
تقع الآن بؤرة استيطانية بين أهل قرى العوجا ومصدر مياههم؛ السكان يروون أن المستوطنين قاموا بتسييج المنطقة وتركيب مضخات تسحب الماء مباشرة من الحوض الجوفي، فاترة أنابيب الفلسطينيين وتجف من الماء.
«المستوطنون منعونا»، قال سلامة الكعابنة، المختر لعشيرة الكعابنة، لـالجزيرة العربية. «هناك موتور يسحب الماء من نفس الحوض… على عمق يقدر بنحو 800 متراً أعمق من فتحة النبع».
اختلال منهجي
في مقابلة مع الجزيرة، كشف جاد إسحاق — مدير معهد أريج — عن موازين عدم المساواة التي أحدثها سيطرة الاحتلال العسكري على الموارد المائية. «المستوطن الإسرائيلي يستهلك تقريباً سبع مرات كمية الماء التي يحصل عليها المواطن الفلسطيني»، قال إسحاق، موضحاً أن حصة الفرد الفلسطيني لا تتجاوز في المتوسط 80 لتراً في اليوم (حوالي 21 غالوناً)، وفي بعض المناطق المهمشة تنخفض الحصة إلى أقل من 15 لتراً يومياً (حوالي 4 غالونات) — أي أقل بكثير من التوصية العالمية الدنيا البالغة 100 لتر يومياً.
ولا يخفى هذا التباين من الجو: لقطات لطائرات من دون طيار حصلت عليها وكالة رويترز تظهر صوبات فلسطينية يابسة بجوار مساحات خضراء مورقة للمستوطنات التي تزدهر بفضل المياه المستولى عليها.
فخ أوسلو
مع نهب أو إغلاق الينابيع الطبيعية، وقع الفلسطينيون فيما يسميه إسحاق «فخّاً» أقرته اتفاقيات أوسلو. «إسرائيل رفضت التفاوض بشأن حقوق الفلسطينيين المائية… واستبدلت المسألة بطلب أن يقدم الفلسطينيون احتياجاتهم للطرف الإسرائيلي، الذي يعيد بيعها لهم»، شرح.
أشار إسحاق إلى أن السلطة الفلسطينية باتت مضطرة لشراء أكثر من 100 مليون متر مكعب من الماء سنوياً بسعر السوق من شركات إسرائيلية — أي أنها تشتري فعلياً مواردها الطبيعية مرة أخرى. وأضاف أن الجيش، بقرارات عسكرية، استحوذ «سيطرة كاملة» على مصادر المياه، مع تحركات حديثة لإنشاء ما وصفه بجدار قرمزي في شمال غور الأردن لزيادة عزل التجمعات الفلسطينية عن أراضيها الزراعية.
تهجير بطيء
تحذر منظمات حقوقية من أن هذا العطش المُصنّع هو استراتيجية مقصودة لدفع الفلسطينيين إلى مغادرة منازلهم. وبتقديرات أعدها معهد أريج للجزيرة، تعرّضت أكثر من 56 ينبوعاً في الضفة لهجمات أو مصادرات متكررة من قبل المستوطنين. قال إسحاق: «مصادرة الينابيع… تشير بوضوح إلى تحول من مجرد السيطرة على الموارد إلى استخدام الماء كأداة ضغط مباشرة على السكان». وأضاف: «تُدفع عائلات كثيرة نحو الهجرة الداخلية أو الخارجية بسبب فقدان وسائل العيش، وهذا يشكل تهجيراً بطيئاً للمجتمعات الريفية الفلسطينية».
عدنا إلى الابار
يبدو أن استيلاء المستوطنين على مصادر المياه يحظى بتشجيع رسمي؛ في مقطع منتشر على شبكات التواصل، يُشاد وزير المالية الإسرائيلي بتصرفات المستوطنين ويمتدح سيطرتهم الميدانية على الينابيع، قائلاً إنه يسرّه «العودة إلى آبار المياه واستعادة السيطرة على تلك المناطق».
بينما يصفق المسؤولون، تتعرض البنى التحتية الفلسطينية للتفكيك: تمنع إسرائيل الفلسطينيين من بناء سدود لحجز مياه الأمطار وتفرض قيوداً على الأعمال في المناطق المصنفة (ج)، كما أعزلَ جدار الفصل فقط 31 ينبوعاً ارتوازيّاً فلسطينياً عن أصحابها.