النضال من أجل الكفاف: كشف خفايا أزمة التوظيف الناقص في الولايات المتحدة — أخبار البطالة

مدينة نيويورك، الولايات المتحدة — طوال أربعة عشر عاماً، شقّ بي سي دودج طريقه مهنيّاً في نقل قصص الآخرين بصفته مختصاً في التسويق والاتصالات ضمن قطاع المنظمات الغير ربحية في منطقة واشنطن العاصمة بالولايات المتحدة. لكن أواخر عام 2024، واجهت مسيرته المستقرة عقبة مفاجِئة.

أُقيل من عمله في إطار جولة من إعادة الهيكلة. جاء الخبر دون إنذار؛ في يوم كان لديه عمل، وفي اليوم التالي وجد نفسه جالساً في المنزل يحدّق بالأرقام محاولاً أن يقيّم كيف يستمر في سداد الرهن العقاري وتأمين لقمة العيش.

هو متزوج وشريك حياته معلم، لكن الحسابات لم تَسْتَحكِم. راتب واحد قد يغطي الاحتياجات لبعض الوقت، لكنه لا يكفي لتحقيق استقرار طويل الأمد.

بدأ فوراً بتقديم طلبات عمل جديدة. على مدى ثلاثة أشهر قدّم 350 طلب توظيف، وحصل على ست مقابلات فقط.

بعد أشهر من البحث، بدا أن شيئاً ما قد يتحرك.

تقدّم في مسار التوظيف لمنظمة غير ربحية مقرها واشنطن العاصمة إلى درجة أن جلس مقابلة مع القيادات العليا. بدا الأمر وكأنه انفراجة أخيراً.

ثم تغيّرت الأرض تحت قدميه ثانية. بينما كان دودج يُجرى مقابلات لوظيفة جديدة، كان إيلون ماسك، أغنى رجل في العالم، يقدم مشورة لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول كيفية تقليص حجم الحكومة الفدرالية، وما رافق ذلك من تقليصات في التمويل للوكالات التي تمنح عقوداً ودعماً لشريحة واسعة من المنظمات غير الحكومية على مستوى البلاد. كانت الآثار تمتدّ بتموجات، ودودج وجد نفسه في مرمى تلك التبعات.

أُلْغيَت عقود وتوقفت مصادر التمويل. اضطرت المنظمات التي تعتمد على الدعم الحكومي إلى التراجع وتقليص طموحاتها — نفس المنظمات التي كان دودج يسعى للعمل لديها.

«اتصلت بي إدارة الموارد البشرية وأبلغتني أنهم لن يوظفوا لهذا المنصب وأن جميع التوظيفات متوقفة. لم يكن بإمكاني الجدال معهم، لأنني كنت أسمع الشيء نفسه من منظمات تحدثت إليها منذ بدأت التقديم. كنا نعتمد على أموال فدرالية، والآن اختفت»، قال دودج.

عاد إلى نقطة البداية. بدأ يبحث مجدداً، لكن هذه المرة كان الظلّ القاتم للشك يخيّم على القطاع بأكمله. اضطر دودج في النهاية لقبول ما توفر — عمل بدوام جزئي في مجاله. الأجر كان أقل بكثير مما كان يتقاضاه سابقاً، لكنه قَبِل به، بحجة أن بعض الدخل أفضل من لا شيء.

يقرأ  مصر تحقق في سرقة قطعة أثرية ثانية خلال شهر

الناتج: نقصُ التوظيف الكامل أو ما يُعرف بعدم التوظيف الكامل (underemployment). يمكن أن يتجسّد هذا النقص بأشكال متعددة، غالباً عندما يسعى العمال إلى عمل بدوام كامل لكن لا يجدون سوى وظائف جزئية، أو حين تكون الوظائف المتاحة لا تستغلّ مهاراتهم وتدريبهم بالكامل. يُرتبط هذا الوضع عادةً بقطاعات مثل المطاعم أو التجزئة، لكنه يمتد أيضاً إلى مجالات ذات موارد أقل وفرص متناقصة، بما في ذلك القطاع غير الربحي، حيث تصبح الوظائف أكثر هشاشة ويصعب العثور على استقرار بدوام كامل بسبب موجة تخفيظات التمويل الحكومية في 2025.

النتيجة انخفاض الدخل للعاملين غير المكتفين وظيفياً، أحياناً إلى ما دون مستوى تكاليف المعيشة أو ما يدفعهم إلى صفوف العمال الفقراء.

وفق معهد الاقتصاد السياسي، الذي يتعقّب معدلات نقص التوظيف منذ 1978، ارتفعت نسبة غير المكتفين وظيفياً إلى 8 بالمئة من سكان الولايات المتحدة، بزيادة 0.5 نقطة مئوية عن 2024 وارتفاع قدره 1.1 نقطة مئوية عن 2023.

في الوقت نفسه، يشهد كثيرون في الولايات المتحدة ارتفاعاً في نفقاتهم.

أثّرت الرسوم الجمركية على ذوي الدخول المنخفضة إلى المتوسطة بشكل أشدّ. وجدت تحليلات مختبر ميزانية ييل أن الأسر منخفضة الدخل تنفق نسبة أعلى من دخلها بعد الضريبة على السلع الخاضعة للرسوم الجمركية مقارنة بالأسر ذات الدخل الأعلى، في حين ترتفع تكاليف ضروريات مثل الرعاية الصحية.

في وقت سابق من هذا العام، فشل قادة الكونغرس في تمديد إعانات قانون الرعاية الميسرة (Affordable Care Act). وفق تحليل من مؤسسة كايزر فاميلي، ارتفعت الأقساط بمعدّل وسطي قدره 144 بالمئة.

قالت جيليان هيشاو، محامية إفلاس أفراد في شارلوت بولاية نورث كارولاينا: «بعض الناس فقدوا وظائفهم ووجدوا أخرى بأجور أقل، لكن آخرين احتفظوا بوظائفهم بينما زادت أقساط التأمين الصحي لديهم. كما ارتفعت فواتير الكهرباء. لم تعد رواتبهم تكفي لتغطية نفقات المعيشة الأساسية».

وأضافت أنها، بسبب تزايد التكاليف وتردّي سوق العمل، تلاحظ ارتفاعاً في استفسارات الأشخاص عن تقديم طلبات إفلاس شخصية في محاولات لحماية منازلهم من الحجز.

«في يوم واحد الأسبوع الماضي، رُفعت 85 دعوى حجز على منازل في مقاطعة ميكليلنغ [حيث تقع شارلوت]. الحجز يحدث يومياً، لكن 85 في يوم واحد عدد غير اعتيادي. قبل عامين كان المتوسط اليومي يتراوح بين 10 و20، والآن أصبحت الطلبات تقترب من أرقام ثلاثية يومياً»، قالت هيشاو.

يقرأ  من هو «كارتل دي لوس سوليس» الذي تصنّفه الولايات المتحدة منظمةً إرهابيةً؟

تقلّص الخيارات

الضغوط الاقتصادية المتصاعدة أصابت العاملين في قطاعات متعددة، بما في ذلك الخدمات المالية والإدارية. محاسب مقيم في أوهايو، طلب عدم نشر اسمه، عمل خلال السنوات القليلة الماضية في سلسلة من وظائف المحاسبة والإدارة. في مارس تم الاستغناء عنه من منظمة بحثية في وسط أوهايو.

بعد أشهر من البحث وجد عملاً جديداً، لكنه ليس كمحاسب، والأجر لا يكفي لتغطية تكاليف معيشته.

«أعمل الآن كمنسق مبيعات، وهو أمر لا أريده حقاً، لكنه كان الشيء الوحيد الذي استطعت الحصول عليه في ظلّ سوء الأوضاع. لا يكفي للعيش»، قال.

سوق العمل تحت ضغط؛ بلغت موجات التسريحات أكثر من 1.1 مليون في 2025، وفق تقرير شركة تشالنجر، غراي آند كريسمس، بينما فشلت وتيرة خلق الوظائف في مواكبة ذلك، حيث أُضيفت فقط 584 ألف وظيفة. نتيجة ذلك، يقبل عدد متزايد من العمال بوظائف منخفضة الأجر أو بدوام جزئي لا تغطي متطلبات المعاشة الأساسية، بمن فيهم دودج والمحاسب.

تقول ميشيل إيفرمور، زميلة أولى في الأكاديمية الوطنية للتأمين الاجتماعي، إن عدم اليقين الاقتصادي الناجم عن الرسوم الجمركية والتطورات في مجال الذكاء الاصطناعي وضع الشركات في قطاعات واسعة عملياً في حالة توقف — إما للحفاظ على الوضع القائم أو للتقليص.

«الأشخاص الذين كانوا على الهامش يُطردون تماماً، وهذا يضع ضغوطاً على كل من لا يزال متمسّكاً بوظيفته»، قالت إيفرمور للجزيرة.

في يناير، بلغ أحد المقاييس الرئيسة للبطالة الجزئية — عدد العاملين بدوام جزئي لأسباب اقتصادية، مثل عدم القدرة على العثور على عمل بدوام كامل أو تقليص ساعات العمل — 4.9 مليون. وكان ذلك انخفاضاً قدره 453,000 عن الشهر السابق، لكنه ارتفاع بنحو 410,000 عن نفس الفترة من العام الماضي، وفق تقرير الوظائف الصادر عن مكتب إحصاءات العمل في يناير.

قفزت البطالة طويلة الأجل بمقدار 386,000 عن مثل هذا الوقت من العام الماضي إلى 1.8 مليون، رغم بقائها دون تغيير مقارنة بالشهر السابق.

وقد تضرر قطاع المنظمات غير الربحية بشدة خلال العام الماضي، حيث خسر 28,729 وظيفة في 2025، وهو ارتفاع حاد عن خسارة 5,640 وظيفة في العام السابق، بحسب بيانات شركة Challenger, Gray & Christmas.

كحال المحاسب في أوهايو، يبحث دودج عن فرص جديدة منذ أن فقد وظيفته بدوام كامل قبل عام ونصف. تقدّم إلى 460 وظيفة ولم يحظ سوى بعدد قليل من المقابلاّت.

يقرأ  استقطب عملاء ذوي نية شرائية عاليةمن خلال قاعدة بيانات توليد العملاء المحتملين لصناعة التعلم الإلكتروني

العمل في عطلات نهاية الأسبوع وغسل الأطباق

السوق يزداد ضيقه. خفَض أصحاب العمل الأمريكيون أكثر من 108,000 وظيفة في يناير، بينما أعلن أصحاب العمل عن نوايا لتوظيف 5,300 دور جديد خلال الشهر، وهو أدنى مستوى مسجّل منذ أن بدأت شركة Challenger, Gray & Christmas تتعقب هذه البيانات في 2009.

«أصحاب العمل لا يريدون القيام باستثمارات كبيرة الآن، بما في ذلك رفع رواتب العمال»، تضيف إيفرمور، التي شغلت منصب مستشارة سياسات في وزارة العمل الأميركية خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن.

في ديسمبر بقي معدل دوران سوق العمل راكداً. في ظل عدم اليقين الاقتصادي وتباطؤ نمو فرص العمل الجديدة، يتمسك كثير من الأميركيين بوظائفهم الحالية. تراجع عدد الوظائف الشاغرة إلى 6.5 مليون، انخفاضاً بمقدار 386,000 عن الشهر السابق، وفق مسح الشواغر والدوران الوظيفي (JOLTS) لمكتب إحصاءات العمل.

ظل كل من التوظيف والانفكاك عن العمل، الذي يشمل التسريحات والفصل، دون تغيير. وقد تكرر هذا النمط أيضاً في تقرير نوفمبر، الذي أظهر حركة طفيفة في معدلات التوظيف وعدد العاملين الذين يتركون وظائفهم.

مجملاً، يعني هذا أن العثور على دور جديد، سواء بدوام جزئي لتعزيز الدخل الحالي أو بدوام كامل لاستبداله، يزداد صعوبة بالنسبة لمن يعانون من بطالة جزئية أو عمل غير كافٍ، مثل المحاسب.

«أعمل أيضاً في عطلات نهاية الأسبوع في مقهى لصديق، أغسل الأطباق، وما زلت أتقدّم بطلبات وأجري مقابلات لفرص أخرى. لكنها نفس القصة: لا عروض. وفي الوقت نفسه، أفكّر إن كنت أغيّر المهنة أم أعود إلى الدراسة، مع أني أحمل درجة الماجستير»، قال.

هذا الشعور المشترك بالضغط أوجد أيضاً نوعاً من التضامن غير المتوقع بين من يكافحون للتماسك، رغم أن الآفاق تبقى قاتمة.

يجد دودج بعض المواساة في التصفح الليلي على ريديت، حيث يروي غُرباء نسخاً من نفس رحلة البحث المتعثرة.

«أقضي وقتاً طويلاً في التمرير المتشائم، أشعر بالاكتئاب من حالة السياسة والاقتصاد العالمي، وأجد بعض العزاء في أنني لست الوحيد الذي يكافح لإيجاد عمل مناسب بعد 12 أو 13 أو 14 أو حتى 15 شهراً».

حتى الآن، يكفيه إدراك وجود آخرين عالقين في المكان نفسه، يواجهون نفس الجدران، ليواصل التقديم والانتظار لرد قد لا يأتِ.

أضف تعليق