الولايات المتحدة تسعى للهيمنة الدائمة على نفط فنزويلا هل تستطيع تحقيق ذلك؟

الحكومة الأميركية تعلن هدفها: السيطرة الطويلة الأمد على مبيعات النفط الفنزويلي

أفادت إدارة الولايات المتحده بأنها تنوي فرض رقابة وتحكّم دائمين على صادرات النفط الفنزويلي. وقال وزير الطاقة كريس رايت يوم الأربعاء: «نحتاج إلى امتلاك تلك الأوراق النفوذ والسيطرة على مبيعات النفط لدفع التغييرات الضرورية في فنزويلا». جاءت تصريحاته بعد أيام من اختطاف قوات أميركية لزعيم فنزويلا نيكولاس مادورو يوم السبت، وبعد إعلان إدارة الرئيس دونالد ترامب عن اتفاق يقضي بتسليم فنزويلا ما بين 30 و50 مليون برميل من النفط الخاضع للعقوبات إلى الولايات المتحدة ليتولى الأميركيون بيعه.

الضغوط تتصاعد: فتح الأسواق أو مواجهة خيار عسكري
تترافق هذه الخطوات مع مطالب وجهتها واشنطن لمسؤولي الحكومة الفنزويلية بفتح الباب أمام شركات النفط الأميركية وإلا فالمخاطرة بتصعيد عسكري إضافي. ومن المقرّر أن يلتقي يوم الجمعة مسؤولون تنفيذيون من شركات نفط كبرى مثل إكسون موبيل، كونوكو فيليبس، وشيفرون بالرئيس لمناقشة إمكانيات الاستثمار في فنزويلا.

هل تستطيع الولايات المتحدة التحكم في صادرات نفط فنزويلا إلى ما لا نهاية؟
يقول جيف كريميل، مؤسس مجموعة Krimmel للاستشارات الطاقية في هيوستن: «بوسع الحكومة الفيدرالية الأميركية التدخّل وفرض مطالبها، والاستحواذ على الشحنات التي تريدها، وإعادة توجيه تلك البراميل كما تشاء. لا أعلم بوجود ما يمنع الحكومة الفيدرالية إن قرّرت ذلك». لكن الواقع الدولي يطرح عقبات جيوسياسية؛ فالولايات المتحدة تمتلك نفوذاً أقل ممّا كانت تملكه قبل أكثر من عقدين حينما تدخلت عسكرياً في العراق. اليوم، قوى كبرى أخرى قادرة على عرقلة مثل هذه الخطوات بطرق لم تكن ممكنة في 2003.

العوائق الكبرى: صعود قوى موازية وردود فعل ممكنة
يؤكد أنتوني أورلاندو، أستاذ المالية والقانون في جامعة كاليفورنيا بوليتكنيك بومونا: «عندما دخلنا العراق كنا في لحظة أحادية القطب كقوة عظمى وحيدة؛ ذلك العصر انتهى. الصين أصبحت قوة عظمى ويعتبرها كثير من الخبراء منافساً في المنزلة. لديها أدوات لإلحاق الضرر بالاقتصاد الأميركي وللدفع بردود عسكرية أو عبر وكلاء إذا قرّرت معارضة مثل هذه الإجراءات». الصين هي أكبر مشتري لنفط فنزويلا، وإن كانت تستورد فقط نحو 4٪ من نفطها من تلك الدولة الجنوبَأمريكية. كما يضيف أورلاندو: «المسألة تتعلق بما إذا كانت الصين تريد رسم خط دفاعي ضد الولايات المتحدة قائلة: ‹لا يمكنكم فعل هذا، لأن السماح لكم سيحفزكم على مزيد من التمدد›».

يقرأ  ألكاراز يلتقي سينر في نهائي بطولة أمريكا المفتوحة بعد التغلب على ديوكوفيتش

من وجهة نظر الدول الصغيرة، مثل فنزويلا، يمثل الضعف أمام تدخل أميركي حافزاً للتماهي أقرب مع الصين أو روسيا لمنع وقوعه، وهو ما لا يخدم المصالح الأميركية على المدى الطويل.

مقارنة بالعراق: تشابهات واختلافات جوهرية
قُورِن التدخّل الأميركي في فنزويلا بتجربة العراق 2003، حين كانت بغداد تملك احتياطيات تعدّ الثانية عالمياً بنحو 112 مليار برميل. لكن الإنتاج آنذاك كان محدوداً (حوالي 1.5 مليون برميل يومياً قبل الغزو، ارتفع إلى نحو 4.5 مليون برميل يومياً بحلول 2018). رغم أن الحكومة العراقية احتفظت بملكية النفط، فإن شركات أميركية وأجنبية حصلت في كثير من الأحيان على عقود دون مناقصة للعمل في الحقول، وكانت معظم المبيعات تتجه إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية. وفي 2021 صرّح رئيس العراق آنذاك بأن نحو 150 مليار دولار قد سهّلت سرقتها من البلاد منذ الغزو.

الفرق الأساسي، كما لاحظه ترامب بنفسه في مقابلة، أن سياسة إدارته تجاه فنزويلا أكثر صراحة فيما يخص النفط: «الفرق بين العراق وهذه المرة هو أنهم [في عهد بوش] لم يحتفظوا بالنفط. نحن سنحتفظ بالنفط». بينما في 2002 كان وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد ينفي أن تكون العملية المتعلقة بمرحلة إعادة الإعمار بعد الحرب لها علاقة بالنفط.

هل ستجني شركات النفط أرباحاً فعلية؟
يرجح محلّلون أن الاستثمارات في فنزويلا قد لا تكون مربحة بالقدر المتوقع بسبب عدم اليقين الاقتصادي المتصاعد، والحاجة إلى استثمارات ضخمة في البنية التحتية، وكون معظم الشركات الكبرى مثل إكسون وموبيل وشيفرون لديها برامج رأسمالية مخطط لها لبقية العقد. ويقول كريميل إن الشركات إما ستتحمّل ديوناً إضافية أو ستصدر أسهماً جديدة لتمويل أعمالها، أو ستحوّل إنفاق رأس المال من مناطق أخرى إلى فنزويلا—وفي كلتا الحالتين من المتوقع مواجهة مقاومة قوية من المساهمين.

يقرأ  اعتقال نيك، نجل روب راينر بعد العثور على مخرج وزوجته متوفيين

صفات الخام الفنزويلي وتعقيدات التشغيل
النفط الفنزويلي ثقيل وكثيف، ما يجعل استخراجه ومعالجته أكثر تكلفة وتعقيداً مقارنةً ببعض أنواع النفط العراقية أو الأميركية. غالباً ما يُمزج الخام الفنزويلي مع درجات أخف من النفط الأميركي لتسهيل تصنيعه. حجمه وكثافته تجعله أقرب إلى نفط كندا، الذي رغم الخلافات السياسية بين أوتاوا وواشنطن، يأتي من حليف أميركي يملك بنية تحتية أكثر تطوراً للاستخراج والمعالجة. كما أشار أورلاندو: «لا أظن أن كندا سترحب كثيراً بهذه التطورات».

الواقع القانوني والعملي: من يعمل حالياً في فنزويلا؟
شيفرون هي الشركة الأميركية الوحيدة التي لا تزال تعمل رسمياً في فنزويلا، وتسعى للحصول على توسيع لترخيصها من واشنطن بعد أن فرضت الإدارة قيوداً عليها العام الماضي، وفق تقارير رويترز. ومع ازدياد دور الولايات المتحدة في قطاع الطاقة، خصوصاً مع طفرة تقنيات التكسير الهيدروليكي، باتت البلاد أكبر منتج نفط في العالم. وفي الوقت ذاته، أدت تقليصات في برامج الطاقة البديلة وارتفاع الطلب على الطاقة من جانب صناعات مثل الذكاء الاصطناعي إلى تشجيع الجمهوريين على التعويل أكثر على توسيع قطاع النفط والغاز.

هل يمكن للعمل العسكري فتح خزان براميل إضافي بسرعة؟
حتى مع وجود فائض في العرض النفطي على المدى القصير، فإن فعلية أي عملية عسكرية في فنزويلا لن تفكّ قيد البراميل الموعودة بسرعة؛ زيادة الإنتاج تتطلب استثمارات وبنى تحتية ووقتاً. بالتالي، حتى لو نجحت واشنطن في السيطرة الإدارية على شحنات كبيرة، فالأثر العملي الفوري على الأسواق قد يظل محدوداً ما لم تكن هناك برامج استثمارية ضخمة وإصلاحات تشغيلية مستدامة.

توصيف ختامي
المعركة الحالية حول نفط فنزويلا تجمع بين عناصر القوة الاقتصادية والسياسة الخارجية والجيوسياسة — مع تبعات بعيدة المدى للاقتصاد العالمي ومخاطر تصعيد دولي إذا ما تحوّلت المحاولات الأميركية للسيطرة إلى صدامات مباشرة مع قوى كبرى. وفي ظل هذا المشهد، يبقى السؤال عمّا إذا كانت السيطرة القصيرة الأمد على الصادرات ستنتج فوائد دائمة أم ستؤدي إلى تبعات عكسية معقدة على المستويين السياسي والاقتصادي. «حتى لو كان الهدف معالجة عجز مؤقت في الإمدادات — والذي، وللتوضيح، غير قائم حالياً — فإن فينزويلا لن تمثل حلاً عملياً، لأن زيادة الإنتاج تتطلب زمناً طويلاً ونفقات باهظة»، أضاف كريمل.

يقرأ  الولايات المتحدة ترسل 200 عسكريًا إلى إسرائيل لمراقبة الالتزام بوقف إطلاق النار في غزة

مع أن فينزويلا تملك أكبر احتياطات النفط المعروفة في العالم، فإن هذا العضو في أوبك يساهم بنسبة لا تتجاوز واحداً بالمئة من الإنتاج العالمي.

حالياً، شيفرون هي الشركة الأمريكية الوحيدة العاملة في فينزويلا. كانت إكسون موبيل وكونوكو فيلبس تعملان هناك قبل أن يؤمّم هوغو تشافيز قطاع النفط في 2007، ما أدى، بعد سنوات من قلة الاستثمار وسوء إدارة المنشآت، إلى تراجع حاد في الإنتاج. في التسعينات بلغ الإنتاج ما يقارب 3.5 مليون برميل يوميّاً، لكنه انخفض لاحقاً بفعل محدودية الاستثمارات، ليصل متوسطه إلى نحو 1.1 مليون برميل يوميّاً العام الماضي.

«تدهورت البنى التحتية في فينزويلا تحت حكمَي تشافيز ومادورو. ورغم استمرار الاستخراج، فإن اعادة مستويات الإنتاج التي كانت عليها قبل عشر أو عشرين عاماً تتطلب استثمارات ضخمة»، قال أورلاندو.

أضف تعليق