انقلاب لم يحدث لماذا واجه كير ستارمر تحديًا كبيرًا لقيادته في حزب العمال البريطاني

برز رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر مهتَزّاً لكنه لم يُصب بأذى جراء يوم وليلة مليئَين بالدراما، إذ طالبت شخصية بارزة في حزب العمال باستقالته بعد ظهور تكشّفات حول السفير السابق لدى واشنطن، بيتر ماندلْسون، في ملفات جيفري إبستين.

أظهرت دفعة جديدة من الوثائق الصادرة عن وزارة العدل الأميركية تفاصيل علاقة وثيقة ظلت قائمة بين ماندلْسون والمموّل المشين حتى بعد إدانة إبستين بالتحرّش الجنسي بقاصر وسجنه عام 2008. تتضمّن الوثائق رسائل وإيصالات تشير إلى احتمال حصول ماندلْسون على مدفوعات من إبستين وتمريره معلومات حسّاسة إليه خلال أزمة المال 2008–2009.

اعترف ستارمر بأنه كان على علم بالصداقة بين الرجلين عندما عيّن ماندلْسون سفيراً، لكنه أكد أن الأخير كذب بشأن مدى تلك العلاقة. أثارت القضية سخطاً واسعاً في البرلمان؛ استقال اثنان من المقربين من ستارمر، وثالث يتعرّض لضغوط للاستقالة. وفي تطور لافت، دعا زعيم حزب العمال الإسكتلندي أنس سراور رئيس الوزراء إلى التنحّي يوم الاثنين.

لماذا دعا أنس سراور ستارمر للاستقالة؟
في مؤتمر صحفي بالظهيرة، قال سراور إنه اتصل بستارمر وأبلغه أنه حان الوقت للاستقالة. وأضاف أن بينهما اختلافات واضحة في الرأي، وأن «أخطاء كثيرة» رافقت تعيين ماندلْسون. وشدّد على أن «الانشغال يجب أن يتوقّف، والقيادة في داونينغ ستريت لا بد أن تتغيّر».

ورغم وصفه لستارمر بأنه «إنسان محترم»، اعتبر سراور أن التسريبات أضرت بشدة بدعم الحكومة وألحقت ضرراً بفرص حزب العمال في انتخابات البرلمان الاسكتلندي المقبلة. أظهرت استطلاعات الرأي تقدّم الحزب القومي الاسكتلندي بفارق واضح، تليه حركة «ريفورم» اليمينية بقيادة نايجل فاراج.

تجمّع الدعم الحكومي ونهاية المحاولة
سرعان ما أبدت وزيرات ووزراء الحكومة دعمهم لستارمر، ما أنهى عملياً ما بدا محاولة عزله. كانت أنجيلا راينر من أوائل الذين أعلنوا تأييدهم، فكتبت على منصة X أنها لا تدافع عن قرار التعيين لكنها تحثّ على عدم تحويل الأزمة إلى لعبة سياسات حزبية داخلية. ودعت زملاءها للتضامن وتطبيق قيم الحزب عملياً، مؤكدة أن رئيس الوزراء يحظى بدعمها الكامل لقيادة العمل نحو التغيير.

توالت بيانات الدعم من الوزراء: دعا وزير الصحّة ويس ستريتنج إلى «منح كير فرصة»، وأعرب بات مكفادِن، وزير العمل والمعاشات، عن أمله في بقاء ستارمر، فيما قال دوغلاس ألكسندر، وزير شؤون اسكتلندا، إنه يحترم موقف سراور لكنه يدعم رئيس الوزراء.

توجّه ستارمر بعد ذلك إلى اجتماع لحزب العمال حضره أكثر من 400 نائب وعضو مجلس اللوردات، مؤكداً أنه «فاز بكل معركة دخلها» وأنه حارب لتغيير الحزب كي يعود قابلاً للفوز بالانتخابات. وأضاف أنه بعد كل ما بذل من جهد لن يتخلى عن تفويضه ومسؤوليته تجاه البلاد ولن يجرّها الى فوضى كما فعل آخرون.

يقرأ  بدء إصلاحات محطة زابوريجيا النووية في أوكرانيا مع إعلان مناطق لوقف إطلاق النار

في المقابل، تكتظ الساحة الإعلامية بتصوير صحفيين أمام مقر رئاسة الوزراء في رقم 10 داونينغ ستريت، فيما نقل متحدث باسم الحكومة أن ستارمر «ماضٍ في أداء مهمته لتطبيق التغيير في أنحاء البلاد».

من استقال ولماذا؟
أفادت تقارير إعلامية بريطانية بأن شخصين بارزين قدما استقالتيهما، في حين يواجه ثالث ضغوطاً للاستقالة. من بين المستقيلين، أعلن مورغان مكسويني، رئيس مكتب رئيس الوزراء، استقالته مساء الأحد متحمّلاً «كامل المسؤولية» عن نصيحة تعيين ماندلْسون سفيراً عام 2025 على الرغم من المخاطر. وقال مكسويني إن قرار التعيين كان خاطئاً «وألحق أضراراً بحزبنا». «نصحت رئيس الوزراء بتعيين ذلك الشخص وأنا أتحمّل كامل المسؤولية عن ذلك.»

أُقيل بيتر ماندلِسون من منصبه في سبتمبر بعد سبعة أشهر من التعيين، إثر نشر صحيفة The Sun رسائل إلكترونية إضافية بينه وبين جيفري إبستين كشفت عمق الصداقة بينهما. وبعد إصدار الدفعة الأخيرة من وثائق إبستين في 30 يناير، قدّم ماندلسون استقالته من حزب العمال ومجلس اللوردات.

استقال تيم ألان، مدير الاتصالات في مكتب ستارمر، يوم الاثنين قائلاً إنه يترك المجال لإعادة تشكيل «فريق رقم 10» بينما يحاول ستارمر إصلاح حكومته. وكان ألان مؤسس شركة Portland Communications المتخصِّصة في إدارة السمعة، وبقي في منصبه خمسة أشهر فقط؛ ويبحث ستارمر الآن عن مدير اتصالات خامس منذ توليه السلطة في 2024. كما ترددت أنباء عن ضغوط على كريس ورمولد، سكرتير مجلس الوزراء وكبير الموظفين المدنيين في داونينغ ستريت، للاستقالة، ويقال إنه يفاوض حالياً على مغادرة المنصب الذي أمضى فيه أقل من سنة.

أوردت صحيفة الغارديان البريطانية أن بعض المقربين من ستارمر يصفونه بتعيين «كارثي».

ماذا كشفت ملفات إبستين عن ماندلسون؟
أظهرت الدفعة الأخيرة من الوثائق أن ماندلسون حافظ على علاقته مع إبستين بعد إدانات الأخير عام 2008. كما ألمحت الوثائق إلى أن ماندلسون تلقى مدفوعات من الممول الراحل وربما شارك معلومات حساسة للسوق كانت ذات منفعة مالية لإبستين. وتدلُّ التسريبات إلى أن تبادل معلومات حساسة من قِبل ماندلسون جرى في 2009 أثناء شغله منصب وزير الأعمال في المملكة المتحدة. وقد أطلقت الشرطة البريطانية تحقيقاً جنائياً بشأن سوء السلوك في الوظيفة العامة المرتبط بعلاقة ماندلسون بإبستين (التحيقيق لا يزال جارياً).

يقرأ  عشّاق الألعاب في الهند يلجأون إلى مواقعٍ غير قانونية بعد حظر القمار

في إحدى الرسائل الإلكترونية التي ظهرت في الدفعة الأحدث من وثائق وزارة العدل الأميركية، طلب ماندلسون من إبستين أن «يقاتل من أجل الإفراج المبكر» قبل صدور الحكم عليه عام 2008. وقال ماندلسون لإبستين: «أكنُّ لك كل الاحترام، ولا أزال بالكاد أستوعب محاكمتك. لا يمكن أن يحدث شيء مماثل في بريطانيا. عليك أن تكون شديد الصمود، وأن تسعى للإفراج المبكر، وأن تتناول الأمر بمزيد من الفلسفة قدر الإمكان.»

ما مدى الضرر الذي لحق بستارمر؟
قدّم ستارمر اعتذاراً علنياً لتعيينه ماندلسون سفيراً لدى واشنطن رغم علمه ببعض صلاته — وإن لم يكن بمدى تلك الصلات، كما قال — مع الممول المشين السمعة. وتعهد قائلاً: «لم نكن نعلم عمق وغموض تلك العلاقة.» وأضاف مبدياً أسفه لضحايا إبستين: «أنا آسف — آسف لما لقيتموه، آسف لأن كثيرين من ذوي السلطة قد خذلوكم، آسف لأنني صدقت أكاذيب ماندلسون وعينته.» لكن الخبراء يرون أن هذا الاعتذار لم يحرره تماماً من التداعيات.

قال تيم بيل، أستاذ السياسة في جامعة كوين ماري بلندن، إن الفضيحة أضرت بستارمر بشدة: «رئيس وزراء أكثر شعبية ربما كان وُفق لتحمّل الصدمة، لكنه كان يواجه قدرًا كبيرًا من العداء الشعبي قبل انفجار هذه الأزمة.» وأضاف أن ستارمر رغم أنه تمكن حتى الآن من الاحتفاظ بحكومته، فقد فقد ثقة الناخبين بالكامل — وثقة من الصعب استعادتها. ولدى كثيرين استياء من قرار تعيين ماندلسون مع العلم بأنه ظل متمسكاً بصداقة إبستين بعد الإدانات.

هل ما زال يمكن الطعن في قيادة ستارمر؟
على الرغم من أنّ ستارمر نجح في البقاء حتى ليلة الاثنين، فإن موقعه يظل هشاً مع تراجع معدلات الموافقة عليه، بحسب خبراء. يتوقع أن يخسر حزب العمال مقاعد مهمة في انتخابات إقليمية اسكتلندية مقررة في مايو، كما أن هناك انتخابات فرعية في البرلمان مقررة في 26 فبراير. وقال بيل إن الخطر الفوري يكمن في تكبد حزب العمال خسائر كارثية في الانتخابات الفرعية ثم في انتخابات مايو، ما سيعيد إشعال المطالبة باستقالة ستارمر، وإذا لم يستقل فستظهر محاولات للتحدي من زملائه.

من بين أبرز المرشحين لخلافة ستارمر أنجيلا رينر، نائبة رئيس الوزراء السابقة التي استقالت من الحكومة العام الماضي على خلفية فضيحة ضريبية. وظهرت في يناير لفترة وجيزة صفحة على الإنترنت تروّج لترشيح رينر بعنوان angelaforleader.co.uk، ونفت رينر أي علاقة بالموقع. ومن المرشحين أيضاً وزيـر الصحة ويس ستريتينغ، الذي وُجهت إليه اتهامات بصلات سابقة مع ماندلسون؛ وفي محاولة للتباعد نشر هذا الأسبوع محادثات خاصة جمعته بماندلسون تنتقد خطة الحكومة للنمو. وبرز اسم شابانا محمود، وزيرة الداخلية، كخيار محتمل آخر، بعدما اكتسبت شعبية بين عناصر يمينية داخل حزب العمال بسبب تشددها في قضايا الحدود والهجرة غير النظامية.

يقرأ  تجاوزت حصيلة القتلى 900 إثر فيضانات مدمرة في إندونيسيا

قضايا أخرى واجهها حزب العمال في عهد ستارمر
فاز حزب العمال بالسلطة في يوليو 2024، منهياً ما يقرب من 14 عاماً من حكم المحافظين، لكن واجه رئيس الوزراء منذ ذلك الحين صعوبات متراكمة في داونينغ ستريت. في انتخابات 2024 نال حزب Reform UK، اليميني الشعبوي المعادي للهجرة بقيادة نايجل فاراج، خمسة مقاعد فقط من أصل 650، لكنه صعد سريعاً ليصبح من بين الأحزاب صاحبة نتائج جيدة في استطلاعات الرأي البريطانية. في تموز، اظهرت نتائج استطلاع أجرته شركة يوغوف تفوق حزب «ريفورم» في التوقّعات، حيث رجّح الاستطلاع أن الحزب قد يفوز بما يصل إلى 271 مقعدًا لو جرت الانتخابات حينها.

في خطابه يوم الإثنين، وصف كير ستارمر التحدّي الناجم عن صعود حزب «ريفورم» — الذي استقطب في الأسابيع الأخيرة عددًا من المنشقين البارزين عن صفوف حزب المحافظين — بأنه «معركة من أجل بقائنا».

يواجه ستارمر أيضًا ضغوطًا داخلية لوقف الهجرة غير الموثَّقة إلى المملكة المتحدة. فقد حاول أكثر من 32 ألف شخص عبور قناة المانش من فرنسا في قوارب صغيرة العام الماضي؛ وتُعدُّ هذه العبورـات خطرة وقد أدّت إلى وقوع عدد كبير من الوفيات.

حمّلت لندن وباريس كلًّا منهما الأخرى مسؤولية تزايد أعداد العابرين، ما أدّى إلى توقيع اتفاق «واحد مقابل واحد» بين البلدين العام الماضي ينصّ على إعادة مهاجر واحد إلى فرنسا مقابل كل لاجئ تقبله المملكة المتحدة. غير أن التطبيق حقق نجاحًا محدودًا، إذ لم تُعاد سوى عيّنة ضئيلة من المهاجرين.

وبحسب يوغوف، فقد انخفضت شعبية ستارمر بمقدار عشرين نقطة مئوية بين يوليو 2024 ويناير من هذا العام.

قال بيل إن «حزب ريفورم أوضح أنه أرعب بعض العناصر داخل حزب العمال»، مضيفًا مع ذلك أن ريفورم يلتهم قاعدة المحافظين أكثر من أي حزب آخر. «وربما على حزب العمال أن يقلق أكثر بشأن حزب الخضر والحزب الليبرالي الديمقراطي في هذه المرحلة.»

«انهيار احتكار الحزبين اللذين سيطرا على الحياة السياسية البريطانية لقرن لم يعد مجرد طموح لدى الأحزاب المتمردة، بل اصبح واقعًا مستمرًا»، كما اختتم بيل.

أضف تعليق