اسلام آباد، باكستان — الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران لم تتوقف. الضربات مستمرة من الطرفين، لكن الدبلوماسية تتحرك الآن بوتيرة لم تُشاهد منذ اندلاع الصراع الذي هز جيران إيران وأثر في الاقتصاد العالمي لشهر كامل.
اجتماعات وزراء خارجية تركيا والسعودية ومصر وباكستان استهلت عملها على مدار يومين في اسلام آباد يوم الأحد، حيث تحولت العاصمة إلى مركز مسار دبلوماسي سريع التبلور، في ما وصفه مسؤولون بأنه أكثر جهد إقليمي منسق حتى الآن لدفع واشنطن وطهران نحو حوار مباشر.
ساعات قبل الاجتماع، أجرى رئيس وزراء باكستان شهباز شريف مكالمة هاتفية استمرت 90 دقيقة مع الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان — وهي المحادثة الثانية بينهما خلال خمسة أيام. وفقاً للمسؤولين، تركزت المحادثة على خفض التصعيد وما تسميه طهران العنصر المفقود في جميع المفاوضات السابقة: الثقة.
أخبر بيزشكيان شريف أن إيران تعرضت لهجومين أثناء محادثاتها النووية السابقة مع الولايات المتحدة، وأن التناقض بين إجراء محادثات من جهة وشن ضربات من جهة أخرى عمّق الشكوك الإيرانية حيال نوايا واشنطن. وأكد أن تدابير بناء الثقة ستكون شرطاً ضرورياً قبل أن تفكر طهران في أي حوار مباشر.
الرباعية
الاجتماع في اسلام آباد لم يكن مرتجلاً؛ بل هو تطور لآلية نوقشت أولاً خلال لقاء أوسع لدول إسلامية وعربية في الرياض في وقت سابق من الشهر. هذه الآلية تحولت الآن إلى مسار دبلوماسي رباعي، مع قيام باكستان بدور الوسيط المركزي بين إيران والولايات المتحدة.
كان من المقرر في الأصل أن يُعقد اللقاء في العاصمة التركية أنقرة، لكن تم نقله إلى اسلام آباد نتيجة لتعاظم دور باكستان في تبليغ الرسائل بين واشنطن وطهران. وفي الوقت نفسه، أعربت الصين عن دعمها لجهود الوساطة الباكستانية وحثّت إيران على الانخراط في العملية الدبلوماسية — ما يعكس انخراط القوى الكبرى خلف هذه المبادرة الإقليمية.
هل يمكنهم دفع إيران والولايات المتحدة للحوار؟
يقول دبلوماسيون إن اجتماع الدول الأربع ليس مصمماً لفرض وقف إطلاق نار بحد ذاته، بل لتوافق المواقف الإقليمية وتهيئة الأرضية لإمكانية انخراط مباشر بين واشنطن وطهران. لقد خرجت الدبلوماسية من خانة الاحتمالات النظرية: ثمة وثيقة قائمة، والعالم يترقب.
يشير مسؤولون إلى أنه إذا استمر التواصل الحالي، فقد تجرى محادثات بين وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ووزير خارجية إيران عباس عراقجي خلال أيام، وربما في باكستان. كما ذُكر نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس كأحد الشخصيات التي قد تتحدث إلى الإيرانيين، غير أن المهل الزمنية تبقى مشروطة.
أفاد دبلوماسي لقناة الجزيرة أن أي لقاء من هذا النوع سيستلزم على الأغلب إعلان واشنطن على الأقل وقفاً مؤقتاً للضربات لتلبية مطلب طهران بتدابير بناء ثقة. ومصدر باكستاني رفيع أكد للجزيرة أن مطالب واشنطن وطهران قُدمت عبر اسلام آباد، وأن دور باكستان يتوقف عند ذلك.
«نستطيع أن نُقرب الحصان إلى الماء؛ وما إذا كان يشرب أم لا فمرهون بهم.»
ماذا تريد طهران؟
من المتوقع أن تراجع الرباعية رد طهران وتنسق الرسائل إلى واشنطن. وقد أرسلت طهران ردها بالفعل على المقترح الأمريكي عبر اسلام آباد، بحسب مسؤولين مطلعين على العملية. من بين مطالب طهران إنهاء الأعمال العدائية، تعويضات عن الأضرار، ضمانات بعدم تكرار الهجمات، والاعتراف بنفوذها الاستراتيجي في مضيق هرمز.
جدول الأعمال
خلال مكالمته مع شريف، حذر الرئيس بيزشكيان من محاولات إسرائيل توسيع الصراع إلى دول أخرى في المنطقة، وأبدى قلقه من استخدام أراضٍ أجنبية لشن هجمات على إيران. وتؤكد وجهة نظر اسلام آباد أن أي حوار يجب أن يجري في إطار من الاحترام المتبادل ووقف قتل المسؤولين والمدنيين الإيرانيين.
أدانت باكستان الهجمات الإسرائيلية وأعربت عن تضامنها مع دول الخليج إزاء الضربات الإيرانية على بنيتها التحتية. وتبرز هذه التصريحات استمرار انقسام بين قوى إقليمية ونهج واشنطن العسكري، حتى في وقت تعمل فيه هذه القوى نفسها على منع تصاعد أوسع للصراع.
حدود اجتماع اسلام آباد
المحادثات في اسلام آباد لا تضم مسؤولين أمريكيين أو إيرانيين، فهي ليست تفاوضاً بل تحضيراً. الهدف هو ترسيخ الدعم الإقليمي لخفض التصعيد، وما يتطلبه ذلك من توحيد المواقف بشأن تسلسل وقف إطلاق النار وتقليل مخاطر تداخل جهود الوساطة المتنافسة.
إذا نجحت، قد تمنح هذه الجهود الغطاء السياسي الذي يحتاجه كل من واشنطن وطهران للدخول في محادثات دون أن يظهرا وكأنهما يتنازلان. يقول المسؤولون إن الـ 48 إلى 72 ساعة المقبلة ستحدد ما إذا كانت هذه الدفعة الدبلوماسية ستفضي إلى لقاء فعلي. فقد تحدثت باكستان مع إيران واستضافت قوى إقليمية ونقلت مقترحات في كلا الاتجاهين.
ما سيحدث لاحقاً لن يُقرّر في اسلام آباد وحدها، بل في واشنطن وطهران. لكن الحقيقة الراهنة واضحة: مركز الثقل في الجهد الدبلوماسي لوقف الحرب انتقل إلى عاصمة باكستان. وإذا انهارت هذه الوساطة تحت وطأة انعدام الثقة واستمرار القتال، فإن خطر تحول نزاع إقليمي إلى حرب أوسع يزداد بصورة حقيقية.