بصيص أمل مع عودة الأنوار إلى عدن الممزقة بالحرب — الصراع

الأضواء في عدن مشتعلة — على الأقل لأكثر ساعات النهار.

هذا التفصيل الظاهر للوهلة العادية يحمل ثقلًا كبيرًا لسكان المدينة الساحلية الجنوبية التي عانت لسنوات من انقطاعات كهربائية طويلة، ويبدو كدليل على أن شيئًا ما تغيّر.

كان ذلك واضحًا بما يكفي ليسالم طاهر، القادم من العاصمة صنعاء، ليلاحظه في زيارته الأخيرة لعدن. وصل في 25 يناير، بعد أسابيع قليلة من استعادة الحكومة حضورها في المدينة، وكان يتساءل ماذا سيجد بعد سقوط المجلس الانتقالي الجنوبي. خفت مخاوفه مع مرور الوقت؛ بدت الشوارع طبيعية والناس يمارسون أعمالهم كالمعتاد، وما لفت نظره أكثر كان توفر الكهرباء — علامة أمل في بلد أنهكه الصراع لأكثر من عقد، حيث باتت خدمات بسيطة في بلدان أخرى تُحسب من نعيم.

يعود الفضل جزئيًا إلى منحة وقود بملايين الدولارات قدمتها السعودية لتغذية محطات الكهرباء، في محاولة لعرض قدرة الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا على تحسين حياة الناس. وقال بديع سلطان، صحفي مستقل مقيم في عدن، إن “التغيير الإيجابي” في الخدمات محسوس للسكان وإن المدينة دخلت مرحلة جديدة تمامًا. وأكد أن الخدمة استقرت إلى حد كبير: نحو 20 ساعة متصلة يوميًا، وهو أمر كان يبدو حلماً بعيد المنال قبل شهرين فقط.

لكن سلطان شدّد على أن التقدّم لا يُعزى للحكومة وحدها؛ لفت الانتباه إلى دور فلاح الشهراني، الذي وصل إلى عدن أوائل هذا العام مع وفد رفيع من قيادة القوات المشتركة للتحالف لمتابعة الترتيبات الأمنية والعسكرية عقب انهيار التواجد العسكري للمجلس. بصفته مستشارًا لقائد القوات، عمل مع قيادات محلية وعسكرية على إعادة تموضع المعسكرات خارج المدينة ولعب دورًا حيويًا في إدارة مرحلة حسّاسة — إلى حد وصف سلطان الذي قال إن الشهراني يصير الحاكم الفعلي لعدن الآن.

توتر سعودي‑إماراتي

في أواخر ديسمبر بدا التوتر بين السعودية والإمارات حول اليمن علنيًا، ما دفع الرياض لاتباع خطاب أكثر تشددًا وشن عمليات تهدف إلى رد نفوذ المجلس الانتقالي المدعوم إماراتيًا، بعد تجاوزه “الخط الأحمر” السعودي بمحاولته السيطرة على مناطق شرقية حدودية. وفي 30 ديسمبر أعلنت الإمارات انسحابها من اليمن “من تلقاء نفسها” بعد طلب الحكومة اليمنية ذلك، مع الإشارة إلى أن الإمارات كانت تزوّد الانتقالي بالسلاح والتمويل منذ تأسيسه عام 2017.

يقرأ  عائلات الرُهَناء تتوسّل إلى إسرائيل للموافقة على صفقة أقرّتها حماس

وفي مؤتمر صحفي في وارسو قال وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان إنه إذا كانت الإمارات قد غادرت الملف اليمني فعلاً، فإن المملكة ستتولى المسؤولية. بعض قادة المجلس سافروا إلى الرياض بعد الضربات السعودية وأعلنوا حلّ المجلس، لكن قادة آخرين رفضوا ذلك وما زالوا يحاولون حشد الدعم في الجنوب.

إحباط جماعي

قال صالح قاسم، من حي الشيخ عثمان في عدن، إن “العهد السعودي” قد بدأ في المدينة. وأضاف أن عدن تتعافى اليوم، وقد تكون بوابة لانتعاش اليمن، لكنه أقر بأن المشهد قاتم لمن يناصرون الاستقلال الجنوبي. يسعى الانتقالي وأنصاره إلى استعادة دولة جنوب اليمن السابقة (1967–1990)، ويشعرون بأن الجنوب مُغيّب منذ الوحدة؛ استغلّوا ظروف سيطرة الحوثيين على صنعاء وشمال غرب البلاد عامي 2014–2015 للتمدد فعليًا في عدن وجنوب البلاد، ومع دعم الإمارات بدا حلم الدولة المستقلة أقرب، قبل أن تعقبه هجمة مضادة بدعم سعودي حكومي أنهت ذلك الحلم على الأقل في الأمد القريب.

“هذه أسوأ لحظة للانفصاليين”، قال قاسم مشيرًا إلى خسارتهم الأرض والسلاح والمقاتلين ورصد إحباطًا جماعيًا بين من يطالبون بالاستقلال. وأضاف أنه يتمنى الانفصال عبر الحوار لا بالقوة.

يستمر الانتقالي في استعراض قوته بمسيرات أسبوعية في ساحة العروض، يرفع المشاركون فيها علم الجنوب وصورة زعيمهم الهارب عيدروس الزبيدي، ويهتفون للاستقلال ويعبرون عن غضبهم من الدور السعودي. غير أن سلطان يرى أن هذه التجمعات مجرد منفذ عاطفي لنشطاء الانتقالي ولن تعيد للمجموعة ما فقدته من نفوذ. ويعتقد أن السلطات المحلية تتغاضى عن المظاهرات لتمكين أنصار الانتقالي من تفريغ احتقانهم تجاه التطورات الصادمة مؤخرًا.

ثلاثة تحديات

في 15 يناير عيّن الرئيس رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي والسلطة المعترف بها دوليًا، وزير الخارجية شايع بن عزيز الوزان (أو شايع محسن الزنداني—أو حسب التشكيل) رئيسًا للوزراء، فيما تجري مشاورات لتشكيل الحكومة في الرياض. التحدي المقبل يكمن في ترجمة هذه التعيينات إلى واقع إداري وخدمي يعيد الثقة، ويرى المراقبون أن القدرة على إدارة الأمن، وتأمين الخدمات الأساسية مثل الكهرباء، واحتواء التوترات الإقليمية ستكون محددات نجاح أي مرحلة جديدة في عدن واليمن عامة.

يقرأ  هولندا تُعلّق استحواذ شركة نيكسبيريا — وتخفّف حدة التوتر مع الصينأخبار الأعمال والاقتصاد

الان، يبقى السؤال: هل ستتحول الإصلاحات والخدمات المتاحة مؤقتا إلى استعادة مستدامة للمدن والاقتصاد، أم أنها ستظل أدوات لاحتواء مؤقت للتوتر السياسي؟ من المتوقع أنه بعد إتمام تشكيلها نهائياً ستعود الحكومة لتتخذ من عدن مقراً لمزاولة سلطتها التنفيذية — قرار ذا دلالة قوية قد يشير إلى أن الدولة استردت فعلياً السيطرة على المدينة لأول مرة منذ سنوات.

مع ذلك، يبقى الطريق محفوفاً بالمخاطر. فقد حذّر المحلل السياسي صدام الحريبي للجزيرة من أن «المهندسين الداخليين والخارجيين للفوضى» لم يتخلّوا عن أجندتهم في الجنوب، في إشارة واضحة إلى الإمارات والمسلّحين الانفصاليين. وحدّد الحريبي ثلاثة تحديات رئيسية تواجهها الحكومة الجديدة في عدن: تهديد التفجيرات الإرهابية أو المحرّفة سياسياً التي قد تحوّل المدينة سريعاً إلى ساحة حداد؛ ومخاطر أعمال الشغب المخطّط لها التي قد يستغلّها متظاهرون يتحولون للعنف، مما يقوض السكينة ويعيق عمل المؤسسات؛ بالإضافة إلى ما وصفه بالتنسيق الخفي المزعوم بين الإمارات والانفصاليين في المدن الجنوبية بهدف إضعاف السعودية والحكومة اليمنية. «الإمارات تقول إنها انسحبت، لكن لا ضمان لعدم استمرار تدخلها السري»، كما أضاف الحريبي.

في 21 يناير، انفجرت سيارة مفخخة أثناء تحرّك موكب قائد عسكري موالٍ للحكومة في عدن، ما أسفر عن مقتل خمسة جنود وإصابة ثلاثة آخرين. ولم تتبنَّ أي جهة الهجوم.

تحويل التركيز إلى الشمال

يرى مسؤولون يمنيون اليوم أن استقرار عدن ودعم الرياض يعدّان عاملين حاسمين لتمكين الحكومة من تحويل الانتباه إلى الشمال، حيث تسيطر حركة الحوثي منذ نحو عقد. قال نائب وزير الخارجية مصطفى نمران في مقابلة أخيرة إن السعودية «التزمت صرف رواتب كافة الجيش الوطني والكتائب… ورواتب موظفي الدولة، بما في ذلك الدبلوماسيين». وأضاف: «وهذه خطوة أولى. علينا أولاً تأمين العاصمة في عدن، وعندما تستقر العاصمة وتعود الخدمات إلى حدٍّ معقول، تبدأ الحكومةستعمل من عدن».

يقرأ  مصادر في القوات المسلحة السودانية: مليشيات الدعم السريع تقتل عشرات من المدنيين، غالبيتهم أطفال، في بلدة كالوقي بالسودان الممزق بالحرب

ومع توحّد المكوّن السياسي والعسكري في الجنوب، تتبدّى الحاجة لإزاحة التركيز صوب مسار السلام ومواجهة الحوثيين المدعومين إيرانياً. يعتقد نمران أن الحوثيين ليسوا مستعدين بعد لدخول عملية سلام، لكنهم قد يعيدون النظر عندما يروا الحكومة الجديدة تمارس دورها الإداري في الجنوب.

من جهتها، قللت قيادة الحوثيين من أهمية التحركات السعودية الأخيرة في الجنوب، معتبرة أن الرياض تضع مصالحها فوق مصلحة اليمن. ففي خطاب بثه في 23 يناير، قال عبد الملك الحوثي: «السعودي — حتى في هذه المرحلة — لا يشغل باله بالوحدة ولا بالانفصال. ما يشغله هو السيطرة الكاملة والاحتلال والهيمنة على الشعب اليمني».

استحوذت جماعة الحوثي على صنعاء عام 2014، ثم أطاحت بالحكومة في العاصمة عام 2015، محدثةً انقلاباً أشعل نزاعاً لم يُحسم حتى الآن. وتمكنت من البقاء في السلطة رغم سنوات من الضربات الجوية التي قادتها تحالف السعودية، وتعرضت مناطق متفرقة لاحقاً لضربات جوية منذ 2023 نفذتها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وإسرائيل.

من ناحية ميدانية، قال محمد، قائد ميداني حوثي، للجزيرة إنه لا يرى فارقاً بين الإمارات والسعودية في عدن: «كلاهما محتلّان. والخدمات الحسنة التي يقدمانها للناس غير مستدامة، فمن السذاجة الاحتفاء بهدايا محتلك».

أضف تعليق