واشنطن — في خطابه السنوي أمام الكونغرس، وصف الرئيس دونالد ترامب الشهور الثلاثة عشر الأولى من ولايته الثانية بأنها «تحوّلية»، مؤكّداً أن الرسالة الانتصارية التي حملها سيستمر في ترويجها على الجولات الانتخابية لصالح حزبه الجمهوري قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.
ومع ذلك، كشف الخطاب الثلاثاء أيضاً عن حقائق سياسية محرجة لصالحه، فأظهر هشاشة أسلوب حكم يعتمد بكثافة على الأوامر التنفيذية والإجراءات الأحادية وقرارات الطوارئ لبناء جدول أعماله.
حكم المحكمة العليا الذي قضى بعدم دستورّية سياسته التعريفية للرسوم الجمركية — قبل أيام قليلة من الخطاب — شدّد مدى سريعة تفتت أبرز خطواته الأجرأ أمام سيل من التحديات القانونية.
«كان الخطاب موجهاً لترسيخ قاعدته الانتخابية»، قال آرون كال، أستاذ علوم الاتصال في جامعة ميشيغان والمتخصص في رسائل الرؤساء، «لا محاولة لمد جسور مع الديمقراطيين أو لكسب مؤيدين جدد».
هذه الاستراتيجية قد تُقيّد هامش تحركه، إذ سيحتاج الرئيس دعماً من الكونغرس — بما في ذلك نواب جمهوريون معرضون لمعارك إعادة انتخابية صعبة وديمقراطيون معتدلون — لتنفيذ كثير من أهدافه في الأشهر المقبلة. «بعبارة أخرى، مصير ترامب السياسي يعتمد إلى حدٍّ ما على حيازة نوع من التوافق أو التعاون»، أضاف كال.
«مشروع القانون الكبير الجميل» أم «القبيح»؟
أبرز انتصارات ترامب التشريعية في ولايته الثانية جاء بمشروع قانون شامل أقرّه الكونغرس تحت سيطرة الجمهوريين في يوليو، وقد خصّص له موقع الصدارة في خطابه. أطلق عليه الرئيس اسم «مشروعي الكبير الجميل»، بينما وصفه خصومه بأنه «مشروع ترامب القبيح»، إذ ضمّ عدداً من بنود برنامجه الانتخابي: تعهّدات شعبوية لتخفيض ضرائب الإكراميات والعمل الإضافي ومعاشات الضمان الاجتماعي، وتمديدات مؤقتة لخصومات ضريبية كانت ستنتهي، وخفضات واسعة لتمويل برامج الرعاية والطبابة والمساعدات الخارجية، ورفع سقف الدين القومي، وتراجع عن حوافز الطاقة النظيفة، وتدفق مليارات لتعزيز تطبيق القانون على الحدود الجنوبية ودعم حملات الاحتجاز والترحيل الجماعي.
خلال الخطاب قال ترامب: «مطالبي لهذا الكونغرس العام الماضي بتمرير أكبر تخفيضات ضريبية في تاريخ أمريكا قد تحققت بشك ل جميل»، وهو ما أثار مدققي الحقائق الذين اعتبروا هذا الوصف تاريخياً مبالغاً به من بين عدة ادعاءات تضليلية نسبت له بشأن سجله والأوضاع الأقتصادية. «شكراً لكم أيها الجمهوريون»، ختم ترامب عبارته.
رغم ذلك، أظهرت استطلاعات الرأي أن الجمهور الأميركي لم يشعر بتحولات ملموسة في حياته اليومية؛ وانخفضت شعبية ترامب خلال الأشهر التي تلت إقرار القانون، وتراجع تقييم إدائه للاقتصاد مع دخوله السنة الثانية من ولايته الثانية غير المتصلة. كما لاحظ كال أن هناك «فجوة واضحة بين جزء معتبر من الجمهور وبين الرواية التي يروّج لها ترامب».
المعيشة وأسعار السلع
لم يدعُ ترامب الثلاثاء إلى مشروع قانون ضخم مماثل، بل قدّم سلسلة مقترحات تشريعية اصطُلح عليها لمعالجة ارتفاع تكاليف المعيشة. لكن تصريحاته أكدت مرة أخرى حاجته للكونغرس لتنفيذ العديد من المبادرات التي روّج لها، وهو في الوقت نفسه لَوّح باللائمة على الديمقراطيين وإدارة جو بايدن في استمرار الضغوط السعرية.
في ملف الرعاية الصحية، أشاد بما وصفها اتفاقيات «أكثر الدول تفضيلاً» التي أبرمتها إدارته مع شركات الأدوية — وهي صفقات تُربط أسعار الأدوية بنسب تم التفاوض عليها في دول أخرى عادةً أقل تكلفة. كانت هذه الاتفاقات أساس سوق «TrumpRX» الذي عرضته الإدارة كبديل أرخص لمن يتخطون التأمين ويدفعون نقداً، لكن الرئيس لمح إلى مخاوف بشأن استدامة البرنامج ودعا إلى تشريعه عبر الكونغرس، رغم أن الآليات القانونية لذلك ما تزال غير واضحة.
وعند الحديث عن الإسكان، أشار إلى أمر تنفيذي وقّعه الشهر الماضي يحظر على شركات الاستثمار شراء منازل مفردة بغرض التأجير، ظاهرة ساهمت في أزمة الوصول إلى السكن وارتفاع الأسعار. طالب الرئيس الكونغرس بجعل هذا الحظر دائماً «لأننا نريد منازل للناس، لا للشركات».
كما روّج لخطة لزيادة مدخرات التقاعد لكبار السن عبر مساهمات فدرالية لتعزيز حسابات 401(k)، لكن وزارة الخزانة نفسها أوضحت لاحقاً أن تنفيذ مثل هذه الخطة مرهون بتشريع.
التعريفات الجمركية
أكبر نقطة استفهام حول مبادراته الاقتصادية بقيت سياسة التعريفات. لطالما عرض ترامب التعريفات الحادة كجزء من رؤيته «أميركا أولاً»، مدعياً أنها ستعيد ضبط التجارة العالمية لصالح الصناعة المحلية. في الخطاب وصف سياسة الرسوم بأنها «واحدة من أبرز أسباب تحوّط اقتصادنا»، بينما انتقد قرار المحكمة العليا الذي اعتبر أجزاء واسعة من تلك الرسوم غير قانونية.
منذ ذلك الحين استخدم ترامب سلطة جديدة لفرض تعريفات نسبتها 10% على شركاء تجاريين عالميين، ويأمل زيادتها إلى 15%، قائلاً إن الخطة ستستند إلى «قوانين بديلة مكتملة ومجربة». وأصرّ أن «الكونغرس لن يكون ضرورياً»، غير أن الإجراءات الجديدة ستنتهي مفعولها بعد 150 يوماً إن لم يتدخل المشرّع، وقد اعتبر خبراء تجاريون وبعض مراكز التفكير أن السياسة قد تنطوي على خروقات قانونية تفتح الباب أمام مزيد من التحديات القضائية. كما لم تُحل بعد مسألة ردّ الرسوم التي جُمعت تحت تعريفات سبق أن اعتُبرت غير قانونية، مما قد يشكل ضعفاً سياسياً أمام الجمهوريين.
الحدود والهجرة
على منصة مجلس النواب في مبنى الكابيتول، لم يخرج ترامب كثيراً عن خطّه الصارم تجاه الهجرة الذي ميّز العام الأول من ولايته الثانية، رغم أن القضية باتت عبئاً سياسياً متزايداً على الجمهوريين. احتفى بإجراءات فعّلت عملياً إغلاق الحدود أمام طالبي اللجوء، والتي فرضها بموجب حالة طوارئ لا تزال تواجه دعاوى قضائية يحتمل أن تصل إلى المحكمة العليا. استدعى ضيوفاً ربط بهم المهاجرين غير النظاميين بمعدلات جريمة مرتفعة، ربطٌ ناقشته دراسات عدة.
في لحظة مسرحية استهدف بها الديمقراطيين الحاضرين، طلب من أعضاء الكونغرس الذين يتفقون مع القول إن «أول واجب للحكومة الأميركية هو حماية المواطنين الأميركيين لا الأجانب غير الشرعيين» أن يقفوا، ولم يشر إلى حالتي وفاة لمواطنين أميركيين قتلا على يد عناصر إنفاذ الهجرة في مينيسوتا في يناير.
استغل الديمقراطيون قضية السياسات الحدودية لاحتجاز تمويل وزارة الأمن الداخلي كوسيلة للضغط من أجل مراقبة وإصلاح موسع؛ فهذه الوزارة تشرف على دائرة الهجرة وإنفاذ الحدود وخدمات سرية ووحدات إنقاذ وخفر السواحل ووكالات أخرى. في خطابه طالب ترامب «بالاستعادة الكاملة والفورية لكل تمويل الأمن الحدودي والأمن الداخلي للولايات المتحدة» ثم أشار بطريقة بدا أنها تدعو أيضاً لمساعدة في إزالة الثلوج، تعليمة أثارت تساؤلات لكون وكالة إدارة الطوارئ نادراً ما تتولّى مهام إزالة الثلج.
قانون «حماية أهلية الناخبين» (SAVE)
عاد ترامب أيضاً إلى رسالته المتكررة منذ حملة 2024، مزاعمه المتصلة بانتخابات مزوّرة على نطاق واسع — ادعاءات تواجهها دراسات متكررة، بما في ذلك من منظمات محافظة، والتي خلصت إلى أن نسبة الاحتيال الانتخابي ضئيلة وغير مؤثرة تاريخياً. رغم ذلك استمر ترامب في القول إن «الغش مستشرٍ في انتخاباتنا».
حث الجمهوريين على تمرير مشروع قانون SAVE الذي يفرض متطلبات وثائقية أشد على التسجيل والتصويت ويلزم الولايات بتسليم قوائم الناخبين إلى وزارة الأمن الداخلي لتحديد غير المواطنين، ما أثار مخاوف مجموعات حقوقية من حرمان أعداد كبيرة من الناخبين — فمثلاً نحو نصف المواطنين الأميركيين لا يملكون جواز سفر ساري المفعول. مرّ المشروع في مجلس النواب ذو الأغلبية الجمهورية، لكن مراجعته في مجلس الشيوخ ستتكبّد على الأرجح نقاشات حول قواعد الاعتراض والفيليبستر التي تتطلب غالباً 60 صوتاً لتمرير قوانين في الغرفة المكوَّنة من مئة عضو.
تحوّلات في الأولويات
يتيح خطاب حالة الاتحاد للرؤساء عرض رؤيتهم وشرح أولوياتهم للأشهر المقبلة، كما يكشف عن تبدلات إدارية مهمة. في خطابه هذا احتفظ ترامب بمعظم المواضيع الرئيسة — اقتصاد، هجرة، تجارة — لكنه اختار تأجيل الحديث عن السياسة الخارجية حتى ما يقرب من نصف المساء، رغم توتر العلاقات مع إيران، وواقعة اختطاف زعيم فنزويلا نيكولاس مادورو، وتعهداته الأخيرة بتقديم 10 مليارات دولار لمجلس السلام الذي أطلقه لإعادة الإعمار في غزة ومناطق صراع أخرى. نقّاد رأوا في بعض مغامراته الخارجية تناقضاً مع وعوده بإنهاء تدخلات أميركا بالخارج.
مسألة غرينلاند، التي أثارها ترامب في خطاب سابق ورغبة السيطرة عليها، لم تذكر هذه المرة بعد محاولة ضغط على دول أوروبية لم تفضِ إلى نتيجة. وفي الوقت نفسه، غابت عن الخطاب إشارات إلى برامج وإدارات سابقة خرجت من اهتمامات البيت الأبيض، مثل «إدارة كفاءة الحكومة» التي قادها إيلون ماسك سابقاً والتي قلّصت من قوة العمل الفدرالية مع تعطيلات إدارية وتراجع عن وعود تحقيق مدخرات كبيرة.
خلاصة ما قاله آرون كال أن «الرئيس يملك وسائل تشكيل خطاب حالة الاتحاد، وخطاب ترامب انعكاس للواقع السياسي الراهن».