يمر هذا الأسبوع عام كامل على اعتراف المملكة المتحدة، مع تسع دول غربية أخرى، بدولة فلسطين. ما تغيّر هو المزاج السياسي، لا جوهر الموقف: التأييد الساحق للقضية الفلسطينية من البريطانيين أقنع الحكومة أخيراً بأن تتحرك وفق القانون.
لعقود، دعمت بريطانيا حل الدولتين بالكلام فقط. وكان منطقها ملتوياً: لا اعتراف بالدولة إلا بعد اتفاق سلام نهائي، وهذا يمنح إسرائيل حق النقض على السياسة التي قالت إنها تؤيدها، بينما عملت حكومات إسرائيلية متعاقبة، بالكلام والجرافات والقنابل، على جعل قيام دولة فلسطينية مستحيلاً.
تعامل هذا النهج مع تقرير المصير الفلسطيني كحق مشروط، لا كحق غير قابل للتصرف؛ حق يُستحق عبر الإصلاح و«الحكم الرشيد» ومعايير لم يُطلب من شعب آخر أن يلبيها.
شكّل الاعتراف البريطاني بدولة فلسطين نقطة تحول، وقد بدأت تؤتي ثمارها بعد عام. فقد سمح الارتقاء بالعلاقات مع فلسطين لبريطانيا بأن تحوّل الخطاب إلى سياسة.
من الكلام إلى السياسة
بعد نحو عام من الاعتراف الرسمي البريطاني بدولة فلسطين، أعلن وزير الخارجية إد ميليباند أن الحكومة البريطانية ترى الآن أن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير قانوني.
ثم أعلن حظراً على سلع المستوطنات وخدماتها وإعلاناتها ورخص الأسلحة، وكذلك عقوبات على الشركات التي تبني أو تمول أو تبيع منازل المستوطنات. وهذه خطوة منطقية تلي الاعتراف البريطاني بدولة فلسطين.
ويُحسب لوزير الخارجية البريطاني أنه أقرّ بأن بريطانيا كان ينبغي أن تتحرك أبكر. وقال رئيس الوزراء آندي بيرنهام بصراحة إن دعم الدولتين «لا معنى له إن لم ندعمه بالعمل».
وُضعت الأساس القانوني لهذه الإجراءات في يوليو ٢٠٢٤، حين أعلنت محكمة العدل الدولية أن احتلال إسرائيل غير قانوني، إلى جانب الجدار الفاصل والمستوطنات، وأن الفصل شبه الكامل للمستوطنين عن الفلسطينيين يعادل الفصل العنصري والأبارتايد. وحكمت المحكمة بوجوب إنهاء الاحتلال «بأسرع ما يمكن».
وبعد إعلان ميليباند، انضمت ١١ حكومة أخرى، من بينها كندا والدنمارك وفنلندا وفرنسا وآيسلندا وإيرلندا والنرويج وبولندا والبرتغال وإسبانيا والسويد، إلى بيان موازٍ حول العقوبات والتجارة مع المستوطنات.
وتهم هذه الإجراءات لأن الاحتلال يعمل عبر منظومة من المتعاقدين والمقرضين ووكلاء العقارات والمؤسسات الإسرائيلية الرسمية التي ترعى المستوطنات، ويجب أن تصل القواعد الجديدة إلى كل جزء من هذه المنظومة. لعقود، لم تكن الكلمات عن فلسطين تكلف شيئاً بينما كانت المستوطنات تتكاثر؛ والآن صارت هناك عواقب.
ردّت إسرائيل، فأمرت لندن بإغلاق قنصليتها في القدس الشرقية المحتلة، وهو أمر لا يحق لها قانوناً فرضه لأن لا سيادة لها هناك. أما الإجراءات العقابية التي تُنزل بالسكان الفلسطينيين فهي أسوأ.
منذ الثاني من سبتمبر، هدمت القوات الإسرائيلية كل منزل في خربة الطبّان وشمال الفخيت في الضفة الغربية المحتلة، تاركة نحو ٧٠ شخصاً، بينهم ٢٨ طفلاً، بلا مأوى.
كما تسارعت أنشطة الاستيطان. وفي وقت سابق من هذا الشهر، أصدرت سلطات الاحتلال مناقصات لـ٣٤٠١ وحدة سكنية مخططة ضمن مشروع إي ١، الذي سيفصل القدس الشرقية المحتلة عن الضفة الغربية المحتلة.
وفي غزة، حيث يُحصر مليونان من شعبنا في أقل من ٣٠ بالمئة من مساحة القطاع، تواصل إسرائيل قصف المدنيين وقتلهم. وقد قُتل أكثر من ١٤٠٠ فلسطيني منذ بدء ما يسمى بوقف إطلاق النار في أكتوبر من العام الماضي. وفي الوقت نفسه، لا تزال أكثر من ١٤٠ ألف مشمع و٧٥٠٠ خيمة، كان يُفترض أن توفر مأوى شتوياً للفلسطينيين بلا مأوى، عالقة في الممر الأردني.
الطريق إلى الأمام
لوقت طويل جداً، مارست دول مثل المملكة المتحدة الحذر والتردد، فأرسلت إشارات خاطئة إلى إسرائيل، وشجعت مزيداً من العدوان، ورسّخت لديها ثقافة الإفلات من العقاب.
ولتغيير ذلك، لا بد أن تتبع الإجراءات العقابية المعلنة أفعالاً.
أولاً، يجب تنفيذها فوراً وبالكامل. ينبغي تطبيق العقوبات، وأن تتفق الحكومات الاثنتا عشرة على كيفية الرد على الضغوط الرامية إلى التراجع. الوحدة تساعد على الصمود أمام الإكراه.
ثانياً، يجب توفير الحماية للناس الذين وُجدت هذه الإجراءات من أجلهم. يبدأ موسم قطف الزيتون الشهر المقبل في فلسطين. وفي موسم العام الماضي، وثّقت الأمم المتحدة ١٢٦ هجوماً للمستوطنين في ٧٠ بلدة وقرية خلال الأسابيع الثلاثة الأولى. وموسم هذا العام هو أول اختبار حقيقي لما إذا كانت عقوبات المستوطنين ذات وزن على الأرض.
لا ينبغي أن يقتصر العمل الجماعي على الضفة الغربية المحتلة. يجب العمل على إنهاء الإبادة الجماعية المستمرة في غزة، والانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة لوقف إطلاق النار. وبشكل عاجل، يجب الضغط لتأمين إدخال المساعدات، لا سيما مواد الإيواء التي تشتد الحاجة إليها والمحتجزة في الممر الأردني.
وفي المضي قدماً، علينا أن نتذكر مثال جنوب أفريقيا في زمن الأبارتايد. قاومت حملة المقاطعة والعقوبات حكومات غربية، من بينها الحكومة البريطانية، ويُتذكر اليوم موقفها بأنه كان متأخراً عن شعوبها.
هذه المرة، يمكن للمملكة المتحدة أن تقود وأن يُحكم عليها بشكل مختلف، إذا حافظت على رباطة جأشها وتحركت مع عدد متزايد من الشركاء، كما فعلت مع الحكومات الإحدى عشرة الأخرى قبل أسبوعين.
في العام المقبل يمر ١١٠ أعوام على وعد بلفور، و٨٠ عاماً على قرار التقسيم في الأمم المتحدة، و٦٠ عاماً على بدء الاحتلال. لقد نالت فلسطين من البدايات ما يكفي. وما تحتاجه الآن هو نهاية.
ولأول مرة منذ جيل، بدأ القانون والسياسة والمشاعر في لندن تشير إلى الاتجاه نفسه. هذه فرصة بريطانيا لتقود مستقبلاً أفضل وتعوّض عن أخطاء الماضي.
وعندما ينتهي الاحتلال، وسينتهي، يمكن أخيراً أن يُمهّد الطريق لسلام يقوم على العدل والكرامة والمساواة.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن كاتبها، ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري للجزيرة.