بيروت، لبنان — قبل اندلاع حرب إسرائيل على لبنان كان علي* يعيش في حداثا، قرية في قضاء بنت جبيل جنوب البلاد، على بُعد نحو 12 كيلومتراً من الحدود الإسرائيلية، محاطاً بطبيعة ريفية حيث كانت الزراعة جزءاً لا يتجزأ من حياته. ثم جاءت «نيران جهنم».
في 17 سبتمبر 2024، انفجرت، تقريباً في آن واحد، آلاف أجهزة النداء (البيجر)، ما أرهق المستشفيات وأسفر عن مقتل ما لا يقل عن تسعة أشخاص وإصابة نحو 3 آلاف، بينهم سفير إيران لدى بيروت. بعد ستة أيام صعّدت إسرائيل ضرباتها في الجنوب فكانت أسوأ حصيلة منذ نهاية الحرب الأهلية عام 1990: نحو 600 قتيل في يوم واحد، ونزوح أكثر من مليون شخص.
«دُمّر بيتنا» هكذا أخبر علي الجزيرة. لجأ إلى بلدة تبعد نحو 20 كيلومتراً شمال حداثا تسمى برج قلاوي*، لكنه، بعد أكثر من عام، لم يعد إلى منزله رغم وقف إطلاق النار. هو واحد من عشرات الآلاف الذين ما زالوا مهجرين داخلياً ويقولون إن القليل مما تلقوه من دعم من الدولة اللبنانية أو من حزب الله لا يكفي لإعادة بناء بيوتهم وحياتهم.
الجنوب «ليس آمناً»
في 27 نوفمبر 2024 دخل وقف إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل حيز التنفيذ، منهياً أكثر من عام من الهجمات عبر الحدود وتصعيد إسرائيلي استمرّ شهرين أسفر عن قتلى ودمار واسع للبنى التحتية المدنية. نصّ الاتفاق على وقف الهجمات عبر الحدود وانسحاب حزب الله شمال نهر الليطاني وانسحاب القوات الإسرائيلية التي اجتاحت الجنوب في أكتوبر. لكن إسرائيل لم تتوقف عن الهجوم: جيشها ما زال يحتفظ بخمس نقاط في الأراضي اللبنانية وخلال فترة وقف النار قامت بهدم وتجريف قرى بأكملها.
قدّر بعض المصادر أن نحو 1.2 مليون شخص—أكثر من ربع سكان لبنان—تشرّدوا أثناء الحرب. في صباح 27 نوفمبر تدفق مئات الآلاف إلى جنوب البلاد عائدين إلى قراهم، لكن عشرات الآلاف بقوا وراءهم غير قادرين على العودة. «الجنوب غير آمن» يقول علي: «أخشى أن أمشي في مكان فيها وأصاب عندها غارة تستهدف سيارة بجانبي».
الهجمات الإسرائيلية مستمرة على نحو شبه يومي في الجنوب وفي سهل البقاع، والحكومة اللبنانية أحصت أكثر من 2000 خرق لاتفاق وقف النار خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من 2025. منظمة الهجرة الدولية قدّرت أن أكثر من 64 ألف شخص ما زالوا مهجّرين داخلياً حتى أكتوبر 2025.
قرى بأكملها «جُرفت»
بعض هؤلاء غير قادرين على العودة إلى منازلهم في المناطق الحدودية. الجيش الإسرائيلي لا يزال يسيطر على خمس نقاط ويُمسك بمناطق واسعة في الجنوب عبر الطيران المسير والغارات والقصف وإطلاق النار. منذ وقف النار قُتل في لبنان أكثر من 330 شخصاً من ضمنهم على الأقل 127 مدنياً.
ميلينا* من عدايشة، قرية على الحدود الجنوبية، قضت معظم حياتها في النبطية، وخلال الحرب نزحت إلى صيدا، على بعد نحو 44 كيلومتراً جنوب بيروت. «لم أستطع زيارة قريتي» قالت للجزيرة. «نفسانياً لا أطيق رؤية منزلنا المدمر تماماً؛ القرية بأكملها جُرفت حتى الأساس». وأضافت: «الوضع الأمني ما يزال خطراً للغاية. قد تُستهدَف بأي لحظة من الجانب الإسرائيلي، والسفر خطير من دون مرافقة الجيش اللبناني».
علي يملك سوقاً في برج قلاوي لكنه يقول إن المدخول لا يكفي لإعادة بناء منزله. ثمة هموم أخرى: إسرائيل هاجمت معدات إعادة الإعمار في الجنوب، وهو ما أثار انتقادات من منظمات حقوقية. رامزي قيّس، باحث في هيومن رايتس ووتش، قال في تقرير ديسمبر 2025 إن القوات الإسرائيلية استهدفت عمداً معدات ومنشآت مرتبطة بالإعمار، وبذلك تجعل من الصعب على عشرات الآلاف إعادة بناء منازلهم والعودة إلى بلداتهم. يخشى بعض اللبنانيين من هجوم إسرائيلي متجدد يشبه هجوم 2024.
«لم أكن أرى 2 سم أمامي»
في 30 يوليو 2024، حوالي السابعة وأربعين دقيقة مساءً، كان رامز* جالساً في غرفته في حارة حريك بجنوب بيروت (الذي يُشار إليه محلياً بالدهيّـة)، حين سمع انفجارات مدوية. كانت الحرب تحتدم في الجنوب، لكن الضربات على بيروت لم تكن بالوتيرة نفسها آنذاك. «سمعت أكثر من تسع انفجارات» يقول رامز، فخرج مسرعاً من غرفته لإجلاء أهله؛ ترك بابه مفتوحاً ليهرب قطّاه. أثناء توجيهه والدته لحمل أمتعتها سمع أقوى دويّ: المبنى المجاور انهار كله وسقط فوقهم—وكان الضربة التي قتلت فؤاد شكر، قيادياً كبيراً في حزب الله.
«لم أكن أرى 2 سم أمامي من شدة الغبار والضباب.» نجت عائلته بأعجوبة، لكن بيتهم تضرر بشدة وسيارة أخته دُمّرت. كما نجا قطّاه؛ وجدهما في اليوم التالي. يروي رامز كيف كان يتساءل دوماً كيف يمكن للناس أن يمرّوا بمثل هذا ويستمرّوا في الحياة ويقولوا «الحمد لله أن الجميع بخير»، لكنه في تلك اللحظة—كما يقول—فهم المرارة والامتنان معاً.
منذ نهاية الحرب استطاع رامز العودة إلى منزل أسرته في حارة حريك. اضطرت عائلته إلى تمويل معظم عملية إعادة الإعمار من مالها الخاص، مع ما ندر من مساعدة حكومية أو من أي جهة أخرى.
سجلوا طلبات الحصول على مساعدات لدى الجهات الرسمية، لكنهم قالوا إنهم تلقوا دفعة واحدة قدرها 30 مليون ليرة لبنانية (أكثر قليلاً من 330 دولارًا).
أرسل حزب الله مهندسين لتقييم الأضرار. في ديسمبر 2024، أفادت تقارير رويترس أن الحزب سيسدد نحو 77 مليون دولار كما سيوفر إيجارات للعائلات المتضرّرة. قال بعض السكان إن مدفوعات الجماعة قدّمت بعض العون، فيما ذكر آخرون أنها توقفت عن دفع المستحقات لغير الأعضاء أو حاولت التقليل من قيمة خسائرهم.
«كانوا شحيحين جدًا في المدفوعات»، قال رامز. «حاولوا أن يجعلونا نقبل بمبالغ زهيدة، لكن أمي تمسكت بموقفها وقالت إن هذا غير كافٍ».
أخبر نازحون آخرون قناة الجزيرة أن المساعدات المقدمة من الدولة وحزب الله كانت محدودة للغاية.
الحرب «الأكثر رعبًا»
التقارير متضاربة حول القدرة المالية لحزب الله، ومن الصعب تقدير مدى الخسائر المالية التي تكبّدها بعد أن تضررت قيادته السياسية والعسكرية بشكل كبير في حرب 2024 وتعرّضت لاغتيالات إسرائيلية، بينها استهداف قائدها طويل الأمد حسن نصرالله.
كما أن سقوط نظام بشار الأسد في سوريا وجه ضربة جدّية لحزب الله، إذ عطّل الطريق البري إلى راعيه الرئيسي إيران — التي تعاني بدورها احتجاجات دامية وتتهيأ لاحتمال هجوم أميركي. الحزب يتعرض لضغوط هائلة من الحكومة اللبنانية لتفكيك سلاحه، مع ضغوط إضافية من الولايات المتحدة وإسرائيل.
يزيد في تعقيد الوضع أن لبنان دخل الآن عامه السابع تقريبًا في واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية خلال أكثر من 150 عامًا، وفق البنك الدولي. وقد أثّر ذلك بشدة على السكان المحليين؛ جُمِّدت حسابات كثيرين في المصارف وانخفضت قيمة العملة بأكتر من 90 بالمئة.
ترك هذا الكثير من النازحين يشعرون بأنهم مهملون وغير متأكدين من كيفية الاستمرار.
وقعت غارات جوية إسرائيلية عنيفة في الجنوب يوم السبت واستمرت يوم الأحد. وفي غضون ذلك، يواصل أشخاص مثل علي البحث عن سبل للبقاء بينما يمتد نزوحهم لأكثر من عام.
«نحن نحب الحياة، لكن الوضع ليس جيدًا. الحروب تكسر الظهر»، قال علي. «الحرب هي أسوأ شيء في العالم».
أُخفيت الأسماء الحقيقية لأسباب أمنية.
ساهم جواو سوزا في إعداد هذا التقرير.