بعد مرور شهر: ارتفاع نسبة الرفض والمشرّعون الأمريكيون يمتنعون عن اتخاذ أي إجراء بشأن حرب مع إيران أخبار دونالد ترامب

واشنطن — تسبَّب اندلاع حرب جديدة في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار البنزين باضطراب الرأي العام في الولايات المتحده حسب سلسلة استطلاعات رأي، ولكن بعد مرور نحو شهر على الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران لم تُظهِر أوساط مشرّعي الكونغرس رغبة واضحة في تقييد نطاق الصراع.

تجلّى ذلك أوائل هذا الأسبوع عندما فشل مجلس الشيوخ مجددًا في تمرير ما يُعرف بـ«قرار صلاحيات الحرب» الذي كان سيحدّ من قدرة الرئيس دونالد ترامب على مقاضاة الحرب بشكل أحادي، وهي الحرب التي انطلقت بعمليات قصف أميركية وإسرائيلية في 28 فبراير. أُسقط التصويت في المجلس الذي يسيطر عليه الجمهوريون بنتيجة 53 مقابل 47، كما كان الحال في 4 مارس، وصوّت الأعضاء عمومًا بحسب الانتماء الحزبي مع استثناءين: صوت الجمهوري راند بول لصالح القرار بينما صوت الديمقراطي جون فيتيرمان ضده. وقد تعهّد الديمقراطيون في المجلس بالتصويت أسبوعيًا لإبقاء القضية حية.

وفي الوقت نفسه، ورغم دلائل تشير إلى أن الديمقراطيين في مجلس النواب يملكون أصواتًا كافية لتمرير قرار صلاحيات الحرب الخاص بهم (والذي يسيطر عليه الجمهوريون بهامش طفيف)، تراجعت قيادة الحزب عن عقد التصويت، ما يعكس حذرًا محتملًا من إجبار النواب على اتخاذ موقف يتجاوز «معارضة رمزية»، بحسب جمال عبدي، رئيس المجلس الوطني الإيراني الأمريكي. وقال عبدي للجزيرة إن هناك أعضاء في الكونغرس «محاصرون بين دعم اللوبي الموالي لإسرائيل وعوامل سياسية أخرى، ومن جهة ثانية حقيقة كراهية الجمهور لهذه الحرب». وأضاف: «أعتقد أيضًا أن هنالك رأيًا يقول إن ترامب يتألم سياسيًا ويخسر، وهم لا يريدون وقف هذا النزيف».

مع اقتراب الحرب من علامة الشهر، لم تطرح إدارة ترامب خطة خروج موحّدة من الصراع، وإنما احتفت بتقويض القدرات العسكرية الإيرانية واستهداف واغتيال مسؤولين رفيعي المستوى. وحذّر مراقبون من أن الحرب دخلت مرحلة استنزاف قد تُرجّح الاستراتيجية لصالح إيران، بحيث يظل النظام قائماً لكنه متدهور إلى حد كبير، كما قالت مديرة الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد.

وتُظهر الاستطلاعات استمرار الرفض الشعبي الواسع للحرب: كشف استطلاع رويترز/إبسوس يوم الأربعاء عن رفض بنسبة 61 بالمئة مقابل موافقة 35 بالمئة، بينما هبطت نسبة تأييد ترامب الإجمالية إلى 36 بالمئة هذا الأسبوع، الأدنى منذ تولّيه المنصب. وأظهر استطلاع أجرته وكالة أسوشييتد برس ومركز NORC أن 59 بالمئة من الأميركيين رأوا أن العمل العسكري كان مفرطًا.

يقرأ  رئيس وزراء إسبانيا يدعو إلى استبعاد إسرائيل من المنافسات الرياضية الدولية

على مدى الأسبوع الماضي واصل ترامب إرسال رسائل متضاربة حول الحرب، زاعمًا وجود محادثات جارية — وإن كانت مثار جدل — مع مسؤولين إيرانيين، ومقدّمًا خطة لوقف إطلاق النار رفضتها طهران. وفي الوقت نفسه نشر البنتاغون مزيدًا من القوات في المنطقة، مما زاد من احتمال شنّ غزو بري.

وحدة الجمهوريين؟
في صفوف الجمهوريين، انحاز المشرّعون حتى الآن إلى حدّ كبير إلى جانب ترامب، حيث احتفى كثير من قيادات الحزب بالجهد العسكري الأميركي وتبنّوا تصريحات ترامب التي تقول إن الصراع سيستمر لأسابيع فقط. قال إيلي بريمر، استراتيجي جمهوري ومرشح سابق لمجلس الشيوخ عن كولورادو، للجزيرة: «الجمهوريون عموماً — ما عدا [النائب] توماس ماسي وربما راند بول — سيدعمون أي شيء يقوم به دونالد ترامب. الكل متأصل بشدّة في مواقفه، لكن الأمور قد تتغير».

ورأى أن الجمهوريين يبدو أنهم يحسبون أن الألم القصير الأجل لن يترجم بالضرورة إلى تداعيات انتخابية جسيمة في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر إذا تمكن ترامب من الادعاء بتحقيق نوع من النصر في الأسابيع المقبلة. الاختبار الأكبر سيكون ما إذا استطاع ترامب بسط السيطرة على مضيق هرمز، حتى لو تطلّب ذلك نشر قوات برية، ومن ثم استقرار أسواق النفط العالمية لخلق انطباع بأن الولايات المتحدة «أردت إيران على ركبتيها»، حسب قوله. وبالعكس، إذا استمر الصراع لثماني أسابيع إضافية أو لثلاثة أشهر أو لفترة غير محددة مع استمرار ارتفاع أسعار الوقود في أميركا، سيستثمر الديمقراطيون ذلك لاتهام ترامب بأنه خان وعده بتجنّب «حروب لا تنتهي»، وأنظروا إلى ما جرَّنا إليه.

عمومًا أظهرت استطلاعات أكبر دعم للحرب بين الجمهوريين: حسب استطلاع AP-NORC المنشور الأربعاء، قال نحو نصف المستطلعة آراؤهم إن العمل العسكري كان «في محله»، فيما رأى ربعهم أنه «تجاوز الحد».

احتكاك التمويل ومعارضة داخل تيار «ماغا»؟
نقطة احتكاك مبكرة بين المشرّعين كانت طلب وزير الدفاع بيت هيغسِث لمبلغ 200 مليار دولار لتمويل الحرب، وهو طلب اعتبره بعض الجمهوريين متعارضًا مع شعار ترامب «أميركا أولًا». وقالت الجمهورية الوسطية ليزا موركوفسكي للصحفيين عن طلب التمويل: «الجواب في معظم هذا هو: لا أعرف»، وطالبت بعقد جلسة استماع علنية. أما النائبة لورين بوبرت، التي كانت تُعتبر نجمة صاعدة في حركة «اجعلوا أميركا عظيمة مجددًا»، فقد صرّحت للصحفيين بأنها «سئمت من أن يأخذ المجمع الصناعي الحربي أموالنا الضريبية المكتسبة بصعوبة». وطالب النائب إريك بورليسون، المقرب من تيار الماغا، بضرورة إجراء تدقيق في البنتاغون قبل أن يدعم أي تمويل إضافي.

يقرأ  روسيا تستهدف قطاع الطاقة في أوكرانيا مع اقتراب محادثات ثلاثية الأطراف

وبعد إحاطة قدمها مجلس الشيوخ المعني بالشؤون العسكرية حول إيران يوم الأربعاء، قالت نانسي ميس: «أكرر: لن أدعم قوات على الأرض في إيران، والقول هذا ازداد قوة بعد هذه الإحاطة». من جهته تعهّد السيناتور ليندسي غراهام، الذي لطالما اتخذ موقفًا صارمًا تجاه إيران، بالمضي قدمًا في ما يُسمّى «مشروع قانون المصالحة» لتأمين التمويل. تسمح الآلية التشريعية المثيرة للجدل لمجلس الشيوخ بتمرير مشروع تمويل بأغلبية بسيطة تتطلب 51 صوتاً من الجمهوريين بدلاً من الـ60 اللازمة لتجاوز الاعتراضات الإجرائية (الفيليبستر).

إلى أيِّ مدى مزقّت الحرب قاعدة مؤيدي ترامب يبقى أمراً غير واضح. من بين أبرز المنتقدين شخصيات ذات تأثير واسع مثل تاكر كارلسون وميجن كيلي، الذين انتقدوا الحرب صراحةً، وأثاروا تساؤلات حول مستوى تأثير إسرائيل على التدخّل العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، وبيّنوا التناقض بين ذلك ووعود حملة ترامب المتكررة بعدم الانجرار إلى حروب دائمة.

اشار مسؤولون في البيت الأبيض مراراً إلى مجموعة استطلاعات رأي أظهرت تأييداً مرتفعاً للحرب بين الناخبين الذين يعرِفون أنفسهم على أنهم من حركة MAGA؛ فقد أظهر استطلاع حديث لشبكة NBC أن 90% من هؤلاء المؤيِّدين يؤيدون الحرب. لكن بعض مراقبي الشأن السياسي يرون أن هذه النتائج قد تكون مضللة: الذين ينشقون عن مواقف الحرب قد يتوقفون عن تعريف أنفسهم كجزء من حركة تُعدّ في نظر كثيرين جزءاً لا يتجزأ من شخصيّة ترامب.

قال جيم جيراغتي، المراسل السياسي في مجلة ناشيونال ريفيو المحافظة، في مقالة رأي نشرت مؤخراً في الواشنطن بوست: «عندما يختلف الناس في هذه الشريحة بشكل حاد، في النهاية يتوقفون عن وصف أنفسهم بـMAGA».

وحمّل مايكل آن بارلبيرغ، أستاذ مشارك في العلوم السياسية بجامعة فيرجينيا كومنويلث، أهمية لا يستهان بها لشخصيات مثل كارلسون وقدرتها على إعادة تشكيل اليمين، مؤكداً أن الأمر قد يتحوّل إلى تغيير طويل الأمد وانقسام بين الأجيال. وأضاف أن السرد القائل بأن الولايات المتحدة اتّبعت إسرائيل إلى هذه الحرب أصبح، في هذه المرحلة، أمراً يصعب دحضه ومتصوراً على نطاق واسع لدى شريحة كبيرة من الجمهور. «نرى شكّاً عاماً في التحالف الأمريكي مع إسرائيل من منظور قومي يسأل: كيف يخدم هذا المصالح الوطنية الأمريكية؟»

يقرأ  شنغهاي تخفف شروط شراء المنازل مع تزايد معاناة سوق العقارات في الصين

إلى متى يمكن أن يستمر؟

طول ونوعية النزاع هما اللذان سيحدّدان في نهاية المطاف أثره السياسي. وأوضح بارلبيرغ أن النقد الذي يقارن هذه الحرب وأخطاء الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان ضمن ما يسمى «الحرب العالمية على الإرهاب» لا يأخذ في الحسبان طبيعة الصراع الحالية التي تضعه في فئة خاصة به.

اعتمدت الإدارة، حتى الآن، بصورة شبه حصرية على القوة الجوية لأكثر من شهر على وقع النزاع. وأي نشر محتمل للقوات يبدو موجهاً نحو أهداف محددة وحادة أكثر من كونه احتلالاً واسع النطاق، ما أبقى الخسائر الأمريكية منخفضة نسبياً، وفي الوقت ذاته أبقى طموحات إدارة ترامب الأوسع للصراع بعيدَ المنال. وقد يكون ذلك وصفة لصراع متعب يتبلور تدريجياً في خلفية الحياة العامة الأمريكية.

حتى الآن قُتل ما لا يقل عن ثلاثة عشر من أفراد الجيش الأمريكي، إلى جانب خسائر أخرى لدى أطراف متعددة، بحسب التقارير المتاحة.

«أعتقد أنه طالما أن الخسائر الأمريكية لا ترتفع بشكل حاد، فإن المشرّعين الجمهوريين، على الأقل أولئك الموالون لترامب، لن يلاحظوا تعباً شعبياً كبيراً بسبب الخسائر الميدانية»، قال بارلبيرغ. «مع ذلك، سيشهدون تعباً من الحرب لدى المستهلكين عندما يتعلق الأمر بأسعار الوقود».

إذا استمرت آثار الحرب الجانبية، فقد يتغير ذلك. يقول عبدي من NIAC لوسائل الإعلام: «قد نكون بعيدين بما يكفي عن انتخابات منتصف الولاية بحيث لم يظهر بعد التأثير الصادم على الجمهوريين، فيظنون أنه لا يزال بوسعهم التمسك بترامب دون الإضرار بآفاقهم الانتخابية». وأضاف: «عليهم أن يحسبوا متى سيقرّرون القفز عن السفينة».

أضف تعليق