ضربات أميركية قرب بندر عباس تصعد التوتر عند مضيق هرمز
نفّذت الولايات المتحدة ضربات جوية قرب بندر عباس، في ثاني هجوم خلال أقل من أسبوع على تلك المدينة المينائية الاستراتيجية، ما زاد من حدة التوترات حول مضيق هرمز رغم وقف إطلاق نار هش دخل حيز التنفيذ بين واشنطن وطهران منذ 8 أبريل.
أفادت رويترز ووكالة أسوشييتد برس، نقلاً عن مسؤولين أميركيين لم يُذكر اسمهم، بأن قوات الولايات المتحدة أسقطت أربع طائرات مسيّرة إيرانية وضربت محطة تحكم أرضية للطائرات المسيّرة يوم الأربعاء في منطقة بندر عباس.
التفجيرات التي سُمع دويها في بندر عباس يوم الثلاثاء سبقت هذه الضربات، ووصفت وزارة الخارجية الإيرانية تلك الأعمال بأنها “أفعال عدوانية” تنتهك وقف إطلاق النار في محافظة هرمزكان، حيث تقع المدينة الساحلية. كما نقلت وكالة تسنيم شبه الرسمية عن استهداف قوات إيرانية لما وُصف بـ«قاعدة جوية أميركية» في المنطقة، ردّاً على هجوم قرب بندر عباس.
جاء التصعيد بينما قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال اجتماع لمجلس الوزراء في واشنطن مساء الأربعاء إن «لا أحد سيسيطر» على مضيق هرمز، في معرض حديثه عن المفاوضات الجارية بين طهران وواشنطن.
أين تقع بندر عباس؟
تقع بندر عباس على الساحل الجنوبي لإيران، على الجانب الشمالي من مضيق هرمز، الممر المائي الضيق الذي يربط الخليج العربي بخليج عمان وبحر العرب. كانت المدينة تضم أكثر من 526 ألف نسمة بُعيد تعداد 2016 تقريباً، وتقع على مسافة نحو 60–70 كيلومتراً شمال أضيق نقطة في المضيق.
بموقعها هذا تتيح بندر عباس لإيران رقابة فعلية على واحد من أهم ممرات الشحن العالمية؛ ففي أوقات السلم يعبر نحو خمس شحنات النفط والغاز العالمية مضيق هرمز.
ومنذ إعلان وقف النار في 8 أبريل، واصلت ايران مراقبة حركة الملاحة عبر المضيق بينما فرضت القوات الأميركية عملياً حصاراً على الموانئ الإيرانية.
ما الأهمية العسكرية لبندر عباس؟
تُعد بندر عباس مقرّ القيادة لكل من البحرية التقليدية الإيرانية والذراع البحري للحرس الثوري الإسلامي. استخدمت البحرية التقليدية المدينة مقراً رئيسياً منذ 1977، عندما نقلت إيران جزءاً كبيراً من أسطولها من خرمشهر إلى بندر عباس، محوّلةً إياها إلى مركز القيادة البحري الجنوبي.
ووفق معهد الشرق الأوسط، نقلت البحرية التابعة للحرس الثوري لاحقاً مقرّها من طهران إلى بندر عباس لتعزيز السيطرة العملياتية على مضيق هرمز. ورغم تصريحات ترامب ومسؤولين اسرائيليين تفيد بأن القدرات البحرية الإيرانية تضررت بشدة جراء الهجمات الأخيرة، لا تزال طهران تحتفظ بأسطول من الزوارق السريعة التابعة للحرس الثوري المصممة لتكتيكات “القطيع” (swarm) وتُستخدم ضد سفن تجارية لا تملك تصريحاً إيرانياً لعبور المضيق. استُخدمت هذه الزوارق مؤخراً ضد سفينتين هنديتين وسفينتين تجاريتين أخريين مسجلتين في بنما وليبيريا (MSC Francesca وEpaminondas)، إذ قالت طهران إنهما لم تحصلا على إذن للعبور.
لماذا تشكل بندر عباس أهمية للاقتصاد الإيراني؟
يُعد مضيق هرمز نقطة حيوية ليس عسكرياً فحسب، بل واقتصادياً أيضاً. يقدّر المحلّون أن أكثر من 90% من صادرات النفط الخام الإيرانية تمر عبر المضيق، ما يجعل بندر عباس وبنيته التحتية الساحلية محطّ اهتمام أساسي لعائدات الدولة وشبكات التجارة التي تساعد إيران على التحايل على العقوبات، لا سيما في تصدير النفط إلى الصين.
لماذا تُعد الضربات الأميركية مهمة؟
قال سمير بوري، محاضر زائر في دراسات الحرب بكلية كينغز في لندن، للجزيرة إن وقف إطلاق النار لم ينهَ عملياً على الرغم من تبادل إطلاق النار الأخير. ووصف بوري الحوادث بأنها “محدودة” مقارنة بالضربات التي سبقت 8 أبريل، مشيراً إلى أنها تبدو أكثر كاشتباكات عسكرية متبادلة بنبرة انتقامية بين القوات من دون استهداف للبنى التحتية على نطاق واسع.
وأضاف: “ما تحاول المؤسسة العسكرية الأميركية استكشافه هو ما إذا كانت قادرة فعلياً على حرمان الحرس الثوري وإيران من القدرة على السيطرة على مضيق هرمز”. وخلص إلى أن “إيران بالطبع تريد أن تُثبت أنها لا يمكن حرمانها من هذه القدرة”.
ماذا يعني ذلك بالنسبة للمفاوضات؟
تتلاقى المسارات الدبلوماسية والعسكرية في آن واحد، إذ تبادل الطرفان موجات من المقترحات والمقابلات منذ بدء وقف النار. وقال بوري إن المشهد يتطور على مسارين متوازيين: مسار عسكري ومسار تفاوضي، وإن الضربات المحدودة تُستخدم كأداة ضغط ضمن إطار المفاوضات.
وشرح: “لا يستطيع المفاوضون أن يقدموا سوى النفوذ الذي يملكونه من ساحات القتال. هل ستضع الولايات المتحدة نفسها في موقع يمكنها فيه القول للمفاوضين الإيرانيين إنهم لا يسيطرون على مضيق هرمز؟ لأنكم إذا حاولتم حشد قوات حول بندر عباس وإطلاق ضربات من المنطقة الساحلية، فبوسعنا الرد.” لكنه أضاف أن إيران بدورها لن تريد أن تُدفع إلى موقف تجعلها تنفي قدرتها على ضرب السفن والقواعد الأميركية المستضافة لدى حلفاء الخليج، وذلك ما يخلق ازدواجية تتحرك عليها اللحظة الراهنة.
وبيّن بوري أن واشنطن وطهران لا تزالان تمتلكان دوافع لاستمرار وساطة ما، لكن الهدفين مختلفان: تريد إدارة ترامب فرض “سلام المنتصر” على إيران، بينما تفسّر إيران السيناريو بطريقة مغايرة ويفضل أن تطيل المفاوضات ما أمكن دون تقديم تنازلات جذرية. النتيجة، كما يحدث في حروب وتأخّرات سابقة، قد تكون مفاوضات بلا نهاية محددة لكنها تبقى ذات جاذبية للطرفين في المرحلة الراهنة.