بين الأنقاض والطين وخصلات الشعر كيف يُعاد بناء منزل في غزة تغطية صراع إسرائيل وفلسطين

مدينة غزة — مساحة ضيقة مغطاة بصفيحة معدنية بالية وأقمشة مشمّعة. يعمل محمد الجدبع على جدرانها مستخدماً حجارة من ركام بيته المدمر وطيناً لسد الفراغات.

يكاد المكان يشبه منزلاً، لكنه لم يكتمل بعد.

قصته
كان منزل محمد القديم في حي التفّاح بغزة مبنى مكونًا من أربعة طوابق. لكنّ الحرب الإسرائيلية التي وصفتها منظمات دولية بأنها إبادة جماعية حوّلته، وما حوله، إلى مشهد يشبه آثار الزلازل.

يعيش الشاب الثلاثيني مع عائلته المكوّنة من عشرة أفراد في خيام بجانب ركام بيتهم منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر. وبعد شتاء ممطر تركهم مبتلين ومرتعدين، قرر أن يبني مأوى أكثر ثباتاً مما توفر له في الخيمة. ومع غياب مواد البناء الأساسية مثل الأسمنت نتيجة قيود إسرائيلية على واردات غزة، اضطر للاعتماد على الطين وما استطاع انتشاله من بيته القديم.

يقول لمحطة الجزيرة: «قلت أريد مكاناً… مساحة صغيرة، غرفة وحمام، هذا كلّه». لكنّ التجربة امتدّت وتوسعّت بسرعة إلى ما لم يتوقعه بنفسه: غرفة أخرى، صالة، مطبخ، حمّام. «بنيتُ غرفة فأعجبتني، فقلت سأبني أخرى… ثم تتابع الأمر حتى ظننت: يا رب، بماذا أحاطُ نفسي؟»

عمل محمد على هذا البيت الصغير طوال أربعة أشهر، يجمع الحديد وإطارات النوافذ والأبواب من ركام البيت. الطين يربط كل شيء ببعضه، لكنه اصطدم بسرعة بمشكلة نقص التبن الضروري لتقوية الطين وجعل البناء أكثر متانة.

«التبن غير متوفر في الأسواق ولم يدخل عبر المعابر منذ مدة طويلة»، كما يقول.

بديل غير متوقع
لم يجد محمد سبيلاً أفضل من شعر البشر. بدأ يجمعه من محلات الحلاقة، ومزج الطين بالشعر والحجارة المستخرجة من الركام فكوّنت جدراناً أقوى مما توقّع.

لم يكن دافع محمد مجرد إيجاد مأوى، بل تأمين حدّ أدنى من الأمان، في ظل استمرار إطلاق النار يومياً من قوات إسرائيلية تقع على بُعد نحو كيلومتر واحد منهم. أُصيبت والدته تقريباً قبل نحو أسبوع برصاصة اخترقت خيمتهم ونُقلت إلى المستشفى، فسرّع وتيرته في البناء.

يقرأ  ارتفاع حصيلة قتلى تدافع في تجمع هندي إلى ٣٨ قتيلاً، بحسب تقارير

«الخيمة خطرة؛ لا تحمينا ولا تؤوينا»، يقول. «أصيبت أمي، وقبل أشهر قُتلت جارتنا برصاصة اخترقت قلبها بينما كانت نائمة».

يدرك محمد أن ما يبنيه ليس حلّاً دائماً، لكن غياب إعادة الإعمار الحقيقية في غزة تركه بلا بدائل كثيرة. «من يتابع ما يحدث في غزة يعلم أن الاعمار حلم بعيد… بل كذبة»، يقول بغضب. «إذا كانت إزالة الركام وحدها ستستغرق خمس سنوات ولم تبدأ بعد، فكيف سيكون الحال مع الاعمار؟» (ملاحظة: كلمة “الأن” كتبت بالهجاء الشائع في بعض النصوص.)

تأخر إعادة الإعمار
تقدّر الأمم المتحدة كلفة إعادة إعمار غزة بالكامل بنحو 70 مليار دولار، بعد الدمار الواسع بفعل القصف والهدم المتعمد. وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أنّ 92% من المباني السكنية تعرّضت للتلف أو الدمار منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023.

هناك حاجة ماسة إلى 20 مليار دولار خلال السنوات الثلاث الأولى للشروع فقط في التعافي الأساسي واستعادة الخدمات الحيوية—الماء والصحة والتعليم والبنية التحتية للنقل. ورغم هذه التقديرات، لم تنطلق أي مشاريع إعادة إعمار واسعة النطاق، إلى حدّ كبير بسبب القيود الإسرائيلية المستمرة على دخول مواد البناء والآليات الثقيلة.

توجه فلسطينيّو غزة نحو إعادة تأهيل جزئية مستخدمين ما يجدونه محلياً إلى حين تمكّنهم من استيراد مواد أكثر دواماً. يشرح معاذ حميد، مهندس منسق مشروعات نفّذت بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي: «التأهيل الجزئي تدخل غير إنشائي… نحن لا نعيد بناء الهياكل المهدومة، وإنما نجعل المنازل المتضررة جزئياً صالحة للسكن ونحمي السكان من المطر والبرد والرياح».

«لم نختَر هذا النموذج لأنه الأفضل، بل لأنه المتاح»، يضيف حميد، مشدداً على أنّ مواد البناء الحقيقية غير موجودة حالياً في غزة—لا أسمنت ولا حديد بكميات كافية.

يقرأ  تدريب الطيران على منصات إدارة التعلم — نصائح وأفضل الممارسات

عمل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على أكثر من 230 وحدة سكنية استفاد منها أكثر من ألف شخص، لكن التنفيذ لم يخِبْ التحدّيات؛ فالفرق اضطرّت للاعتماد على ما يتوافر محلياً بدلاً من المتطلبات المثالية. «صُنعت الأبواب أحياناً من خشب أو ألمنيوم… بحسب ما وجدناه»، كما يذكر. كما أشار إلى أزمة سيولة نقدية حادة رفعت التكاليف: «في بداية المشروع بلغت رسوم سحب النقد 30%… بمعنى أنّ جزءاً كبيراً من التمويل ضاع قبل شراء أي مواد».

هذه التدخّلات حسّنت ظروف بعض العائلات لكنها تظل مؤقتة. «التأهيل الجزئي يخفف المعاناة، لكنه ليس حلاً… الحل الحقيقي يبدأ بالسماح بدخول مواد الاعمار وتنفيذ مشاريع إعادة بناء فعلية».

أزمة مستمرة وحلول هشة
يمثل أكثر من 213 ألف عائلة تعيش في خيام، وتعرّضت أضرار واسعة خلال العواصف الشتوية. يبحث سكان غزة عن حلول مؤقتة إلى أن يمكن تنفيذ إعادة الإعمار الفعلية في القطاع المدمر.

من أمثلة من استفادوا من التأهيل الجزئي: عبد الناصر الجلوسي (55 عاماً) من خان يونس، الذي عاد إلى منزله المتضرر بعد أشهر من النزوح مع أسرته المؤلفة من 16 فرداً. عندما عاد بعد وقف إطلاق النار وجد منزله قائماً لكنه تالف بشكل كبير: «لم يكن فيه أبواب ولا نوافذ ولا إنارة ولا حمّام ولا أثاث… غرفٌ فارغة قائمة على أعمدة، لا شيء سوى هيكل متروك ومدمّر»، كما روى.

ومع غياب المواد والأدوات المناسبة لإعادة البناء، بقي عبد الناصر في مأزق، مثل كثيرين آخرين يحاولون تأمين مأوى لائقا بوسائل محدودة للغاية. لم يتمكن من إيجاد حلّ مؤقّت إلا بعد تدخل برنامج الأمم المتحدة الانمائي في مشروعٍ لإعادة التأهيل الجزئي، ما منح العائلة متنفسًا مؤقتًا للخروج من حالة العجز.

يقرأ  عمر بارتوف — إبادة غزة في سياق تاريخ الاحتلال الإسرائيلي

استُخدمت مشمعات بلاستيكية كبديلٍ للجدران والأبواب والفواصل الداخلية في المنزل، وكسدٍّ للفراغات المفتوحة، وسهامٍ إصلاحية مؤقتة للمطابخ والحمّامات.

«أصبحت لديّ الآن باب مصنوع من المشمع… قبل ذلك كان كل شيء مفتوحًا على مصراعيه»، هكذا يروي عبد الناصر.

هو ممتنّ لبرنامج الأمم المتحدة لإنقاذ وضعٍ لا يملك فيه السكان سوى خيارات محدودة، لكنه يؤكّد أن المواد المستخدمة ليست حلاً دائمًا.

«المشمع لا يقاوم المطر والشمس لفترات طويلة… والخشب يتعرّض للتآكل»، يشرح. «فتنتهي بنا المطاف إلى استبداله كل موسم، ما يخلق دورة لا تنتهي من النفقات».

ثم تضيف الحرب طبقةً أخرى من التعقيد عبر تدمير البنية التحتية الأساسية، فتظل المنازل القائمة جزئيًا تواجه شظف العيش.

«لا يوجد كهرباء، ولا توصيلات سليمة… ولا شبكة صرف صحي. عندما تمطر يتحوّل البيت إلى بحيرة»، يصف عبد الناصر تراكم المياه في الداخل.

كل ذلك نتيجة غياب مواد البناء وإمكانيات إعادة الإعمار الحقيقية، التي من شأنها أن تمكّنهم من إعادة بناء منازلهم وإصلاحها بصورة سليمة.

بالنسبة إليه، العيش في منزلٍ متضرّر أفضل بقليلٍ من العيش تحت الخيمة، لكنه لا يعدّ إعادة إعمار حقيقية: «هذا ليس إعادة إعمار… إنها ترقيعات مؤقتة».

الحل الحقيقي واضح في رأيه لكنه بعيد المنال: إعادة الإعمار تتطلّب إرادة سياسية من الدول والمتبرعين، وموارد ضخمة، ومعدّات ومهندسين لإعادة بناء غزة.

«علينا أن نبقى متفائلين… هذه هي الحياة»، يقول ثم يضيف بنبرة أكثر واقعية: «كل شيء مرتبط بالوضع السياسي».

أضف تعليق