تحليل اغتيال خامنئي يترك «محور» إيران في حالة فوضى — حزب الله

أحدث اغتيال المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، في حملة جوية أميركية-إسرائيلية زلزالاً في الشرق الأوسط، إذ أقدم الضربة على قطع رأس ما يُعرف بـ«محور المقاومة» في أخطر لحظاته. كانت هذه الشبكة التي تحالف بعضها مع طهران لسنوات خط المواجهة الأمامي لها، أما اليوم فمع فقدان القائد الأعلى وقطع الممرات اللوجستية، تبدو التحالفات أقل شبهاً بآلة حرب موحّدة وأكثر شبهًا بجزر معزولة كلٌّ عنها.

خلال عقود مثّلت هذه الشبكة خط دفاع طهران الأمامي. لكن مع موت القائد وتلاشي التنسيق، تبدو بنية التماس بين الأجندات الإيديولوجية والمصالح المحلية مكسورة. حذّر أستاذ جامعة طهران حسن أحمديان من أن عصر الصبر الاستراتيجي قد انتهى، وأن الحكومة الإيرانية مستعدة «لحرق كل شيء» كردّ فعل على الضربة. وفي حين تعهّدت طهران بالرد على الولايات المتحدة وإسرائيل «بقوة لم تختبراها من قبل»، كشفت ردود فعل وكلائها الرئيسيين في لبنان واليمن والعراق تردداً عميقاً تحرّكه حسابات وجودية محلية قد تفوق الولاء الأيديولوجي لقائد سقط.

حزب الله: يمشي بين قطرات المطر
في بيروت، جاءت ردّات فعل حزب الله — الذي اعتُبر لسنوات الجوهرة الإقليمية لحلفاء إيران — محسوبة بحذر. بعد الإعلان عن وفاة خامنئي، أصدر الحزب بياناً ندد بالهجوم ووصفه بـ«ذروة الإجرام»، لكن مراسل الجزيرة في بيروت مازن إبراهيم لفت إلى أن لغة البيان كانت دفاعية أكثر منها هجومية. كما قال إن تفكيك البنية اللغوية للبيان يبيّن تعقّد موقف الحزب؛ إذ تحدث الأمين العام عن «مواجهة العدوان» في إشارة إلى وضع دفاعي، ولم يهدد صراحةً بشن هجمات انتقامية على إسرائيل.

هذا التريّث له خلفية عملية: منذ انهيار حكومة بشار الأسد في سوريا أواخر 2024، تم قطع ما كان يُعرف بـ«الجسر البري» الذي كان يمد حزب الله بالإمدادات، وفق ما أشار الباحث المقيم بطهران علي أكبر داريني، ما قصّ الرابط الأرضي مع لبنان وترك الحزب معزولاً على نحو فعلي. ومع سقوط قادة بارزين في الحرس الثوري الإيراني إلى جانب خامنئي، بدا حزب الله مشلولاً، محاصراً بين جبهة داخلية مرهقة في لبنان وفراغ أوامر من طهران.

يقرأ  مأزق سياسي بين الجمهوريين والديمقراطيين في الولايات المتحدة— أخبار دونالد ترامب

الحوثيون: التضامن يلتقي البقاء
في اليمن، يواجه الحوثيون معادلة أكثر تقلباً. في ظهوره التلفزيوني الأول بعد بدء الضربات على إيران، أعلن زعيمهم عبد الملك الحوثي أن قواته «جاهزة لكل التطورات»، لكن خطابه كرّس حقيقة أن «إيران قوية» وأن ردّها «قاطع»، صياغة فسّرها محللون على أنها محاولة لتحميل طهران ثقل الحرب المباشر وإبعاد الحمل عن كاهل الحوثيين. وعلى الرغم من قدرات الحوثيين على تعطيل الملاحة في البحر الأحمر وإطلاق صواريخ نحو تل أبيب، فإنهم يواجهون تهديدات متجددة في الداخل.

فقد استشعرَت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً — التي حسمت صراعاً على السلطة مع الانفصاليين في الجنوب — تحوّلاً في الزخم، وأعلن وزير الدفاع طاهر العقيلي أن «مؤشر العمليات يتجه نحو العاصمة صنعاء»، في تلميح إلى احتمال شن هجوم بري لاستعادة أراضٍ تحت سيطرة الحوثيين. هذا الوضع يضع الحركة في مأزق: فالانخراط في حرب نيابة عن إيران قد يعرّض جبهتها الداخلية لقوات حكومية مدعومة من خصوم إقليميين. وحذّر المجلس السياسي الأعلى التابع للحوثيين من أن «توسيع دائرة الاستهداف سيؤدي فقط إلى توسيع دائرة المواجهة»، معترفا ضمنيًا بالتكلفة الباهظة لحرب أوسع.

العراق: القنبلة الزمنية الداخلية
ربما تكون المعضلة أشد حدة في العراق، حيث تبدو الحدود بين الدولة و«المقاومة» ممتزجة وخطرة. الميليشيات الموالية لإيران، التي تعمل كثير منها تحت مظلة الحشد الشعبي المموه رسمياً، دخلت في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة. توتر هذه العلاقة تراكم منذ أواخر 2024، حين كشف مستشار لرئيس الوزراء، إبراهيم السُمايدعي، أن واشنطن هددت بتفكيك هذه القوات بالقوة، وهو ما أدى إلى استقالته تحت ضغط قادة الميليشيات.

اليوم باتت تلك التهديدات أكثر وضوحاً. على خلاف حزب الله أو الحوثيين، فإن هذه المجموعات جزءٌ تقنياً من الجهاز الأمني العراقي، ما يجعل أي ردّ قادم من الأراضي العراقية لا يخاطر باعتباره نزاعاً ميليشياوياً فحسب، بل قد يجر الدولة العراقية نفسها إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة. ومع غياب قادة الحرس الثوري الذين كانوا يلعبون دور اليد الكابحة أو الوساطة، فإن احتمال أن يبادر قادة ميليشيات معزولون إلى استهداف قواعد أميركية بشكل مستقل مرتفع، مما قد يجرّ بغداد إلى حرب حرصت على تجنبها.

يقرأ  ترامب يمنح عفوَين على خلفية التحقيق في أعمال الشغب في ٦ يناير ٢٠٢١— أخبار دونالد ترامب

مقاومة بلا رأس
أساسياً، أغرق اغتيال خامنئي الهيكل القيادي والتحكمي لمحور المقاومة. قامت الشبكة على ثلاثة أعمدة: السلطة الإيديولوجية للمرشد، التنسيق اللوجستي للحرس الثوري، والاتصال الجغرافي عبر سوريا — واليوم جميعها متصدعة. كما قال داريني، أهم أضرار الأمن الإيراني هو قطع رابط الأرض؛ ومع فقدان خامنئي، انقطع أيضاً «الرابط الروحي».

ما تبقى الآن منظر مجزأ: في لبنان حزب الله مرهق للغاية لفتح جبهة شمالية؛ وفي اليمن يواجه الحوثيون احتمال هجوم داخلي؛ وفي العراق قد تؤدي تحركات الميليشيات إلى انهيار الدولة ذاتها. وعندما تهدأ الأجواء في طهران، سيواجه الإقليم درجة عالية من اللايقين الخطرة. «محور المقاومة» لم يعد جيشاً منظماً بقيادة مركزية؛ بل أصبح مجموعة من الميليشيات الغاضبة والمسلّحة، كل منها يحسب خطواته من أجل البقاء في عالم توقفت فيه الأوامر القادمة من العاصمة.

أضف تعليق