في الأسبوع الثاني من الحرب ضد ايران، لم تعد المواجهة نزاعًا محليًا محصورًا، بل تحولت إلى مواجهة ذات تداعيات عالمية. هذا الصراع، الذي فُرض بطريقة عدوانية وغير قانونية من قِبَل الولايات المتحدة وإسرائيل، أجهض مسارات دبلوماسية مهمة وطرح تحديات صريحة أمام قواعد القانون الدولي وثوابت الاستقرار العالمي.
ردًا على هذا العدوان، تمارس إيران حقها الطبيعي في الدفاع عن النفس، كخيار استراتيجي للحفاظ على وحدة التراب والسيادة الوطنية. بالنسبة لبلدي، هذه حرب من أجل البقاء تُقَيِّدها خطوط حمراء محدودة وضرورة اتخاذ قرارات استراتيجية مدروسة.
الحاجة إلى الضماات الحقيقية
خبرة ايران مع فرضيات الحرب أثناء مفاوضات حساسة ليست جديدة؛ فالتجارب السابقة، من حربٍ مع العراق إلى تطورات دبلوماسية معاصرة، تظهر بوضوح أن غياب ضمانات حقيقية وموثوقة يُبقي خطر التكرار قائمًا. الحوادث العدوانية المتزامنة مع مفاوضات نووية وفرض العقوبات — في يونيو 2025 وفي فبراير من هذه السنة — تؤكد أهمية وجود قدرة رادعة واستعداد دفاعي يُواكب الجهد الدبلوماسي.
الهجمات على البُنى التحتية، ومحاولات فرض تغيير نظامي أو التحكم في مسارات خلافة القيادة، ليست مجرد أخطاء استراتيجية؛ بل هي تعبير عن فشلٍ عميق في فهم حق الشعوب في تقرير مصيرها وهامش سيادتها. اختيار مجلس الخبراء للسيد آية الله سيد مجتبى خامنئي كقائد أعلى ثالث للجمهورية الإسلامية يعد مؤشرًا واضحًا على التمسك بالاستقلال الوطني وبمؤسسات الدولة.
الأبعاد العسكرية للحرب
عسكريًا، الوجود الأمريكي في المنطقة ملحوظ: ثلاث مجموعات ضاربة لحاملة طائرات أمريكية متمركزة في المساحة الإقليمية تمثل نحو 25% من أساطيل الحاملات العاملة للولايات المتحدة. ومع أن هذا التمركز يُراد منه إظهار القوة وممارسة ضغوط، إلا أن الواقع العملياتي يبيّن أن قدرة واشنطن على حماية أصولها بالكامل في الإقليم محدودة. تدمير رادارين أمريكيين كبيرين يُشكّل لحظة فاصلة، إذ يبرز قدرة إيران على مواجهة تهديدات متقدمة وإدارة النزاع بقرارات عملية ومدروسة.
سيطرة إيران على مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من صادرات النفط العالمية، تمنحها هامش ردع اقتصادي وجيوسياسي مباشرًا يمكن توظيفه لاحتواء ضغوط خارجية وفرض تكاليف على الأطراف المعادية.
الآثار الاقتصادية وقطاع الطاقة
للحرب تبعات بالغة على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي. إغلاق الحركة التجارية عبر مضيق هرمز دفع أسعار النفط للارتفاع الحاد؛ فارتفع خام برنت من 73 دولارًا في 27 فبراير إلى 107 دولارات في 8 مارس — زيادة تتجاوز 40% خلال عشرة أيام. كذلك خرج نحو 20% من إنتاج الغاز الطبيعي المسال عن الخدمة، وتراجعت إنتاجيات النفط في دول احتياطية إقليمية، ما زاد الضغط على سلاسل التوريد العالمية. امتداد الأزمة لفترة أطول قد تُفضي إلى آثار أشد على أسواق الغذاء والأسمدة الكيماوية والسلع الأساسية من تأثيرات وباء كورونا.
حالة عدم اليقين وتقلب الأسعار تجبران دولًا وشركات معتمدة على سلاسل الإمداد العالمية على إعادة التفكير في سياساتها وهياكلها الاقتصادية، ما قد يؤدي إلى تحولات بنيوية في التجارة والطاقة على مستوى العالم.
الأبعاد الجيوسياسية
إلى جانب الأبعاد العسكرية والاقتصادية، تكتسب الحرب أبعادًا جيوسياسية واسعة. أحد نتائجها الممكنة هو تفكك تدريجي في التوافق بين واشنطن وحلفائها الغربيين والإقليميين بشأن نهج التعامل مع طهران، نتيجة اختلاف المصالح الاقتصادية والتصورات الأمنية والمنافسات الإقليمية. السرد الأمريكي عن نصر أحادي يلبّي احتياجات داخلية في عرض القوة وتأكيد الشرعية السياسية أكثر مما يعكس الواقع الميداني، حيث يزداد التفاوت بين الخطاب السياسي والوقائع العملياتية على الأرض.
كما أن دور قوى غير غربية كالصين والهند وروسيا يبرز كعامل مؤثر يمكن أن يعيد تشكيل موازنات الدبلوماسية الدولية وأسواق الطاقة واستقرار الإقليم.
النتائج الاستراتيجية والبعيدة المدى
قد تعيد الحرب الفرضية التي تُشن على إيران رسم خريطة التوازنات الإقليمية والدولية. ارتفاع حالة عدم اليقين في الأسواق، والانقسامات داخل الحلف الغربي، وتنامي أهمية إيران الاستراتيجية في معادلات الطاقة والإقليم، كلها مؤشرات على تبدلات جيوسياسية مستقبلية. من منظور طهران، تشكل القوة الردعية والدبلوماسية الاستباقية وضمانات الأمن القومي وأدوات إدارة الأزمات ركائز أساسية لمواجهة تهديدات معقدة. التنسيق بين القدرات الدفاعية والجهود الدبلوماسية يمكن أن يمنع تكرار أعمال العدوان ويفتح آفاقًا لإدارة الأزمات على المستويين الإقليمي والعالمي.
الخلاصة: تمثل الحرب المفروضة على إيران أزمة متعددة الأبعاد — عسكرية واقتصادية وجيوسياسية وإنسانية —، وإيران، بالاعتماد على حقها الطبيعي في الدفاع عن النفس، تحافظ على خطوط صمودها وتثبت قدرتها على مواجهة العدوان المتقدم. تجارب الماضي تؤكد ضرورة وجود ضمانات حقيقية في أي مفاوضات دولية، ودور الردع العملياتي في الحفاظ على حدود تفاوضية فعالة. من ارتفاع أسعار النفط وتعطّل سلاسل الإمداد العالمية إلى تشققات داخل التحالفات الغربية وتحولات في بنى القوة الإقليمية، تمتد عواقب هذه الحرب إلى ما هو أعمق وأطول أثرًا.
الآراء الواردة في هذا النص تعبر عن كاتبها ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لِـ «الجزيرة».