تخلي الولايات المتحدة عن قوات سوريا الديمقراطية تداعياته تطال الأكراد في أنحاء المنطقة

الشهر الماضي، وخلال الاشتباكات العنيفة بين قوات كردية والجيش السوري، بعثت الولايات المتحدة رسالة قاطعة إلى الأكراد السوريين: شراكتهم مع واشنطن “انتهت”. لم تكن هذه مقولة عابرة عن تبدُّل الأولويات فحسب، بل إشارة واضحة إلى انحياز أمريكي إلى دمشق وترك للأكراد في أضعف لحظاتهم.

النطاق الإقليمي لتلك الرسالة كان فاقع التأثير: لدى الأكراد في أنحاء المنطقة انطباعٌ متزايد بأنّ الولايات المتحدة لم تعد شريكًا موثوقًا أو مدافعًا عن حقوق الأقليات.

مخاوف من تكرار التهميش في سورية
دعم واشنطن لدمشق في ظل الرئيس المؤقت أحمد الشaraa يمهّد الطريق أمام دولة سورية مركزية — تصور يستثير شكوك الأكراد عبر المنطقة، متأصِّلة في تجربة تاريخية مريرة. الدولة المركزية في الشرق الأوسط مارست سياسات تهميش واستبعاد ودمج قسري للأقليات الكردية: حرّمت اللغة والأسماء الكردية، وأنكرت الكرد كمكوّن جماعي، وحرمت كثيرين من الجنسية.

أصدر الشaraa مرسوماً رئاسياً في 16 يناير مانحاً حقوقاً محدودة للأكراد، واتفاق 30 يناير بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) تضمن اعترافًا جزئيًا بالهوية الجماعية الكردية وذكرًا لـ«المناطق الكردية» — مفردة كانت مفقودة من المفردات الرسمية السورية سابقًا. هذه مكتسبات تدريجية لكنها تتبلور داخل هيكل حكومي انتقالي يهدف في جوهره إلى مركزة السلطات، ولذلك يظل الشك يعتري الأكراد بشأن مدى تنفيذ الوعود لاحقًا.

على الرغم من اتساق موقف غالبية الفواعل الكردية على أن المقاومة المسلحة غير مجدية استراتيجيًا في المرحلة الراهنة، فإن أي عودة محتملة للعلاقة مع الولايات المتحدة ستُقابل بسوء ظن واسع.

إمكانية تحالف شيعي-كردي متجدد في العراق
بعد سنوات من التنافس على السلطة بين قوى شيعية وكردية في العراق، تتابع كلا الطرفين التطورات السورية وتغيّرات محتملة في إيران بشعور مشترك من التهديد ومصلحة مشتركة. إذا كان تحالفهما في 2003 مُستدعى بذاكرة مشتركة لمعاناة تحت حكم صدام، فسر تَشَكُّل التقارب اليوم يُفسَّر بخوف موحّد من التهميش الإقليمي.

يقرأ  إعلان حالة طوارئ في جزيرتي ساو فيسنتي وسانتو أنتاو

سياسيًا وشعبيًا، تبادل الطرفان في الأسابيع الأخيرة مواقف أكثر تقاربًا مما كانا عليه سابقًا؛ وهذا لا يقتصر على حسابات النخب بل يظهر أيضًا في المزاج العام لكلا المجتمعين. للمرة الأولى مؤخراً، لم تعد النخبة الكردية ولا الشريحة الشعبية في العراق متحمِّسة لتغيير النظام في إيران — موقفٌ كان من المستحيل تصوره قبل أسابيع قليلة.

في هذا الإطار رشّح الإطار التنسيقي الشيعي، وهو تحالف الأحزاب الشيعية العراقية، نوري المالكي لرئاسة الحكومة، ولاقى الترشيح ترحيب الحزب الديمقراطي الكردستاني (الحزب الكردي المهيمن). دعم الحزب للمالكي لم يكن نتيجة غضبٍ على السياسة الأمريكية في سورية فحسب، بل كان محكوماً أيضًا بحسابات داخلية كردية عراقية؛ فالصراع بين الحزب الديمقراطي واتحاد الوطني الكردستاني على رئاسة الجمهورية دفع الحزب إلى تأمين حلفاء في بغداد لضمان مرور مرشحه.

قد ترى واشنطن أي توافقٍ بين حكومة إقليم كردستان بقيادة الحزب الديمقراطي وحكومة يقودها المالكي في بغداد كأمر لا يخدم مصالحها في العراق، ولا سيما جهودها لاحتواء النفوذ الإيراني. وقبل توجيه الاتهامات، عليها أن تسأل لماذا شعرت القوى الكردية بأنها مضطرة إلى تبنّي هذا الموقف؛ ولا يمكن فهم المآلات الكردية دون إدراج السياسة الأمريكية تجاه سورية في المعادلة. من منظور كردي، لم تكن الولايات المتحدة وسيطًا محايدًا في سورية.

مسار السلام في تركيا
خلال العام الماضي، راهن كثيرون على أن استدامة عملية السلام في تركيا مع حزب العمال الكردستاني (PKK) مرتبطة بحلّ مسألة الأكراد في سورية ومصير قسد. اشتباكات دمشق، بدعم من أنقرة وواشنطن، مع قسد هدّدت إغلاق نافذة التفاوض؛ ومع ذلك لم تُقفل كل السبل.

يبدو الآن أن الموضوعين يتعاملان كملفين منفصلين؛ من المحتمل أن تستمر المفاوضات داخل حدود تركيا، والأهم أن قادة PKK لم يحولوا خيبة أملهم من تضعيف قسد إلى رفض قاطع للحوار مع أنقرة. ما يبقي نافذة التفاوض مفتوحة هو أن قسد لم تُفكك بالكامل، ما يمنح بعض الهامش للتواصل بين أنقرة وقيادة PKK.

يقرأ  شهود عيان: ظهور قواتٍ إسرائيلية في مدينة غزة

الأكراد الإيرانيون
رغم بُعد المسافة عن سورية، تابع الأكراد الإيرانيون ما جرى واستخلصوا استنتاجاتهم. كشف هجران قسد عن الطبيعة غير المتوقعة للدعم الأمريكي للأقليات الإقليمية. وعلى ضوء ذلك، وبالرغم من الخطاب الأمريكي المستفز ضد النظام الإيراني، قرر الأكراد الإيرانيون بشكل جماعي وحذر عدم التقدم كقوة رئيسية في احتجاجات الأشهر الأخيرة أو أن يُستغلوا إعلاميًا من قوى غربية.

لا يشعر المجتمع الكردي في إيران بحماس لاحتمال عودة رضا بهلوي، الذي يحظى بدعم أمريكي ظاهر، لأن إرثَ حكم الشاه كان قمعيًا كذلك. المعارضة الإيرانية، خاصة من المنفى، لم تقدم حلًا أفضل لقضية الأكراد، وهناك خوف واسع من أن يَحلّ بديلٌ للّحكم الحالي دون ضمانات لحقوق الأكراد.

نفذت بعض المجموعات المسلحة الكردية الإيرانية ذات التواجد في العراق هجمات محدودة على مواقع إيرانية قرب الحدود؛ لكن الفاعلين الرئيسيين من الأكراد الإيرانيين تجنّبوا التصعيد المباشر، مستندين في حساباتهم إلى غموض النتيجة النهائية التي تصبو إليها إسرائيل والولايات المتحدة، وحقيقة أن أي تصعيد قد يستدعي ردود فعل إيرانية تؤثر على الأكراد العراقيين.

خاتمة
مع كل حالة هجرٍ لحلفائها الأكراد، تُضعف الولايات المتحدة أساس الثقة الذي تقوم عليه شراكاتها المحلية. تعلم الأكراد العراقيون والسوريون كيف يتعايشون مع عدم الاعتمادية الأمريكية، لكن هذا الترتيب قد لا يدوم بلا حدود؛ وعند تحطمه قد تكون تبعاته على النفوذ الأمريكي في المنطقة عميقة.

الآراء الواردة هنا تُعبّر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة سياسة الجزيرة التحريرية.

أضف تعليق