تدقيق تصريحات ترامب بعد ادعاءات الولايات المتحدة بـ«اعتقال» مادورو توترات بين واشنطن وكاراكاس

الحدث الرئيسي
أعلن رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب أن عملية عسكرية أمريكية أسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلورس، اللذين تواجههما تهم في الولايات المتحدة تتعلق بتجارة الكوكايين بمقتضى لائحة اتهام فُكِّك سرُّها مؤخراً. وقال ترامب في مؤتمر صحفي عقده في مار‑أ‑لاجو إن الولايات المتحدة ستدير شؤون البلاد «حتى يتيسر لنا إجراء انتقال آمن وسليم وحكيم».

التعيينات والمواقف الرسمية
أفاد ترامب أيضاً بأن نائبة الرئيس الفنزويلية ديلسي رودريغيز قد أدت اليمين كرئيسة مؤقتة، وأنها تواصلت مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو وكانت «مستعدة أساساً للقيام بما نراه ضرورياً لإعادة عظمة فنزويلا». من جهتها، وصفت رودريغيز العمل العسكري الأمريكي على شاشات التلفزيون الرسمي بأنه «اعتداء وحشي» وطالبت بالإفراج الفوري عن مادورو.

خلفية وسياق سياسي
يتولى مادورو السلطة منذ 2013، عقب وفاة الحليف الأيديولوجي هوغو شافيز (تولى الحكم منذ 1999). وعلى مدار حكم الرجلين تعكَّت العلاقات مع واشنطن بسبب قضايا السياسة الخارجية والنفط وحقوق الإنسان. في يوليو 2024 أعلن مادورو «فوزه» في انتخابات وصفتها بعثة المراقبة الدولية بالزائفة، بينما تلقى مرشح المعارضة إدموندو غونزاليس أوروثيا نحو 70% من الأصوات بحسب تقارير آنذاك.

تصعيد العنف وعمليات بحرية
تصاعد التوتر بين إدارة ترامب ومادورو في سبتمبر بعد أن شنت القوات الأمريكية هجمات على سفن قبالة السواحل الفنزويلية أودت بحياة أكثر من مئة شخص، في ما وصفه ترامب بأنه محاولة لقطع طرق تهريب المخدرات. وخلال مؤتمره في مار‑أ‑لاجو، عندما سئل عما إذا تواصل مع زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو بعد اعتقال مادورو، قال ترامب إن ماتشادو «لا تحظى بالدعم أو الاحترام داخل البلاد». تجدر الإشارة إلى أن ماتشادو نالت مؤخراً جائزة نوبل للسلام، وكانت تحظى بنسبة قبول 72% وفق استطلاع أجرته شركة ClearPath Strategies في مارس 2025.

ادعاءات اقتصادية وردود الفعل
ادعى ترامب، من دون تقديم أدلة، أن دور الولايات المتحدة في إدارة فنزويلا «لن يكلفنا شيئاً» لأن شركات النفط الأمريكية ستحقق استثمارات ضخمة في البنية التحتية للبلاد الغنية بالنفط، وأن ذلك «سيجلب أرباحاً هائلة». وقد قامت جهة التحقق من الوقائع PolitiFact بمراجعة تصريحات ترامب وروبيو من ذلك المؤتمر.

يقرأ  عودة خدمة الإنترنت إلى أفغانستان بعد انقطاعها إثر إجراءات طالبان

المساءلة النيابية والدستور
أثار قرار الإدارة بعدم إبلاغ الكونغرس مسبقاً جدلاً واسعاً، ويمثل ذلك تناقضاً مع القوانين والأعراف المتبعة. قال روبيو إن أعضاء الكونغرس لم يتلقوا إشعاراً مسبقاً بالإجراءات، فيما بررت الإدارة ذلك خوفاً من تسريب قد يعرِّض المهمة للخطر. أشاد زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ جون ثون بالعملية واصفاً إياها بأنها «إجراء حاسم». بالمقابل طالب الديمقراطيون بإعلام مسبق؛ فقال السيناتور تيم كاين إن مادورو «شخص فظيع، لكن ترامب عرض حياة العسكريين الأمريكيين للخطر بهجوم غير مصرح به». وأكدت السيناتورة جان شاهين أن الإدارة لم تكن شفافة بشأن نواياها لتغيير النظام، مما ترك الكونغرس فاقداً المعلومات اللازمة حول كيفية تقييم المخاطر وخطة استراتيجية طويلة الأمد بعد هذا التصعيد الاستثنائي.

إطار قانوني لاستخدام القوة
ينص الدستور الأمريكي على أن لنواب الشعب سلطة إعلان الحرب، وكان آخر إعلان رسمي خلال الحرب العالمية الثانية. منذ ذلك الحين غالباً ما شرَع الرؤساء في أعمال عسكرية بوصفهم القائد الأعلى من دون إعلان حرب رسمي. وبموجب قرار سلطات الحرب لعام 1973، يلزم الرئيس بإحاطة الكونغرس خلال 48 ساعة من إدخال القوات الأمريكية في أعمال عدائية، ويجب إنهاء العمليات خلال 60 يوماً ما لم يوافق الكونغرس، مع فترة تمديد طارئة قدرها 30 يوماً عند الاقتضاء. حتى الآن، لم يمرر الكونغرس تفويضاً باستخدام القوة لعمليات في فنزويلا، وقد سعَى كاين ونواب آخرون دون جدوى إلى تشريعات تحظر استخدام أموال اتحادية لأي عمل عسكري في أو ضد فنزويلا من دون تفويض تشريعي.

إجراءات الإخطار المسبق والتحيّز الحزبي
تراجعت إدارة ترامب عن متطلبات الإخطار المسبق التقليدية. بموجب القانون الفيدرالي، يجب إبلاغ ثمانية أعضاء رفيعي المستوى من الكونغرس على أساس حزبي ثنائي حول عمليات سرية حساسة. في يونيو 2025 أخطرت الإدارة الجمهوريين لكن لم تُخبر الديمقراطيين بشأن ضربة وشيكة على منشآت نووية إيرانية، وعلى ما يبدو لم يتم إبلاغ أي مشرعين مسبقاً عن عملية فنزويلا.

يقرأ  وصول مساعدات المملكة المتحدة إلى جامايكا بعد إعصار «ميليسا» مع بدء إجلاء مواطنين بريطانيين

الضربات البحرية وتبريرات الخسائر البشرية
قال ترامب إن كل ضربة لسفن قبالة سواحل فنزويلا «تنقذ 25 ألف شخص»، في حين أفادت تقارير أن الإدارة نفذت اعتداءات على ما لا يقل عن 32 سفينة أودت بحياة نحو 115 شخصاً في البحر الكاريبي والمحيط الهادئ الشرقي منذ سبتمبر. ادعت الحكومة أن القوارب كانت تحمل مخدرات متجهة إلى الولايات المتحدة، لكن خبراء في شؤون المخدرات وفنزويلا قالوا لجهات التحقق إن دور فنزويلا في تهريب المخدرات إلى السوق الأمريكية هامشي، وأن الإدارة لم تقدّم بيانات عن نوع أو كمية المخدرات المحروقة. وبغياب معلومات دقيقة، يصعب تقدير عدد الجرعات المميتة التي قد تكون دمرت. ومن الجدير بالذكر أن مراكز السيطرة على الأمراض أفادت بحدوث نحو 73 ألف حالة وفاة جرّاء جرعات زائدة من المخدرات في الولايات المتحدة خلال الفترة من مايو 2024 إلى أبريل 2025. هذا يعني أن المخدرات المحمّلة على 32 زورقًا — والتي، بحسب ادعاء ترامب، كان من الممكن أن تقتل 800 ألف شخص — تمثل ما يقرب من 11 ضعف عدد حالات الوفاة الناتجة عن جرعات زائدة في الولايات المتحدة خلال سنة واحدة.

ترامب: «مادورو أرسل عصابات همجية وقتّالة، بما في ذلك عصابة السجون العطشى للدماء ترن دي أراجوا، لترهيب المجتمعات الأمريكية على نطاق واسع.»

لا توجد أدلة تثبت أن مادورو أرسل عناصر من عصابة السجون الفنزويلية ترن دي أراجوا إلى الولايات المتحدة. لائحة اتهام وزارة العدل الأمريكية ضد مادورو لا تذكر تصريح ترامب هذا. كما أن تقريرًا صادرًا في أبريل عن مجلس الاستخبارات القومي الأمريكي جاء متعارضًا مع مزاعم ترامب بشأن وجود روابط بين مادورو و«ترن دي أراجوا».

وجاء في التقرير أن «بيئة فنزويلا المتساهلة تتيح لِـ(ترن دي أراجوا أو TDA) العمل، لكن نظام مادورو على الأرجح لا يتبنّى سياسة تعاون مع TDA وليس هو الذي يوجّه تحركها وعملياتها داخل الولايات المتحدة».

يقرأ  ترامب يعلن أدنى سقف لقبول اللاجئين في تاريخ الولايات المتحدة٧٬٥٠٠ شخص

ترامب: «فنزويلا سرقت نفطًا من الولايات المتحدة في الماضي.»

في أوائل القرن العشرين سمح القائد المتشدد طويل الحكم خوان فيسنتي غوميز للشركات الأجنبية بالحصول على وصول شبه حصري إلى موارد النفط في البلاد. وبعد عقود من السعي لزيادة السيطرة على ثروتها النفطية، قامت فنزويلا بتأميم صناعة النفط عام 1975.

فرانسيسكو رودريغيز، اقتصادي فنزويلي بجامعة دنفر، قال لصحيفة واشنطن بوست إن «ادعاء ترامب بأن فنزويلا سرقت نفطًا أو أراضٍ من الولايات المتحدة لا أساس له». وأضاف أن «الولايات المتحدة كانت مهتمة أكثر بأن تكون فنزويلا مورّدًا للنفط — نفطًا رخيصًا نسبيًا — بدلاً من أن ينهار الإنتاج في فنزويلا». وبسبب ذلك، اعتُبر التغيير آنذاك أمراً «قليلاً ما أثار الجدل».

خسرت شركات نفط أمريكية، من بينها إكسون وموبيل وخلفهما شيفرون، نحو 5 مليارات دولار لكل منها من الأصول، بينما قُدمت لكل شركة تعويضات بنحو مليار دولار وفق تقارير صحفية نقلتها واشنطن بوست. ومع ذلك، قال رودريغيز إن تلك الشركات لم تسعَ للمطالبة بتعويضات إضافية آنذاك، جزئياً لأنّه لم يكن هناك منتدى مناسب لذلك.

بشكل عام، قال خبراء لموقع بوليتي فاكت إن غزو دولة لانتزاع نفطها سيكون غير قانوني وغير أخلاقي. وفي 2016 تساءل ترامب علناً عن سبب عدم استيلاء الولايات المتحدة على نفط العراق حين غزته لإزاحة صدام حسين.

وأشارت التحليلات إلى ملحق اتفاقية لاهاي لعام 1907 بشأن قوانين وأعراف الحرب، الذي ينص على أن «الملكية الخاصة … يجب احترامها ولا يجوز مصادرتها». كما يؤكد الملحق أن «النهب محظور رسميًا».

وقال المحلل في شؤون الإرهاب دافيد غارتنشتاين-روس لموقع بوليتي فاكت في 2016 إنّ «لو كان مبدأ ‹للغالب ما للغنيمة› مبدأً قانونيًا، لكان يُفترض أن صدام حسين كان بإمكانه الاحتفاظ بمدينة الكويت بعد غزوه لها عام 1990». وأضاف: «لكننا اعتبرنا ذلك — وبحق — فعلاً عدوانيًا بموجب ميثاق الأمم المتحدة.»