صرّح رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب ووزير الخارجية ماركو روبيو أنهما يهدفان إلى تيسير تدفّق نفط فنزويلا لصالح الفنزويليين، بعد أن قامت قوات أمريكية باختطاف الرئيس نيكولاس مادورو من كاراكاس.
«سنعيد بناء البُنى التحتية النفطية، وهو ما يتطلب مليارات الدولارات التي ستُدين بها شركات النفط مباشرة»، قال ترامب في إيجاز صحفي بمقره مارا-لاجو في فلوريدا، بعد ساعات من اعتقال مادورو يوم السبت. «سيُعوَّضون عن ما يقومون به، لكن يجب أن يُدفع ذلك، وسنُعيد تدفّق النفط.»
ثم قال الرئيس الأمريكي يوم الثلاثاء إنه يسعى لاستخدام عائدات بيع نفط فنزويلا «لفائدة شعب فنزويلا والولايات المتحدة». وقد كرّر روبيو أقوال ترامب في تصريحاته الأخيرة.
لكن ما الذي يعيق فعلياً تدفّق نفط فنزويلا ويمنع البلاد من جذب الاستثمارات ويدفعها نحو الفقر؟
سبب محوري بقى خارج نطاق كلام ترامب وروبيو: جهود واشنطن نفسها لخنق قطاع النفط والاقتصاد الفنزويلي عبر العقوبات، وهي سياسات أدّت أيضاً إلى اندلاع أزمة لجوء كبيرة.
ماذا قال ترامب عن نفط فنزويلا؟
في منشور على منصته «تروث سوشيال» ليلة الثلاثاء، قال ترامب إن فنزويلا ستسلّم ما بين 30 و50 مليون برميل من النفط الخاضع للعقوبات إلى الولايات المتحدة.
كتب ترامب: «سيُباع هذا النفط بسعر السوق، وسيكون التحكم في هذه الأموال بيدي كرئيس للولايات المتحدة لضمان استخدامها بما يخدم شعب فنزويلا والولايات المتحدة!»
وأضاف أنه وجّه وزير الطاقة كريس رايت لتنفيذ الخطة «فوراً». «سيتم نقله بواسطة سفن تخزين، ويُسحب مباشرةً الى مرافئ تفريغ في الولايات المتحدة»، كتب ترامب.
خلال المؤتمر الصحفي يوم السبت قال إن شركات النفط الأمريكية ستصلح «البُنى التحتية المدمرة» في فنزويلا و«ستبدأ في جني الأرباح للبلاد».
وقبل ذلك اتهم ترامب في منشور على تروث سوشيال فنزويلا «بسرقة» نفط وأراضٍ وأصول أمريكية، واستخدام ذلك لتمويل الجريمة و«الإرهاب» والاتجار بالبشر. وقد صدرت تصريحات مماثلة مؤخراً عن مستشار ترامب البارز ستيفن ميلر.
ماذا يعني أن تأخذ الولايات المتحدة نفط فنزويلا؟
يتداول النفط حالياً بنحو 56 دولاراً للبرميل. على هذا الأساس، تبلغ قيمة 30 مليون برميل نحو 1.68 مليار دولار، و50 مليون برميل نحو 2.8 مليار دولار.
«تصريح ترامب عن نفط فنزويلا يتجاوز كونه فعل حرب؛ إنه فعل استعمارية. وهذا أيضاً غير قانوني بموجب ميثاق الأمم المتحدة»، قال فيجاي براشاد، مدير معهد التريكونتيننتال للبحوث الاجتماعية، لوكالة الجزيرة.
أوضح إيلياس بانتيكاس، أستاذ القانون العابِر للدُول بجامعة حمد بن خليفة في قطر، أن التدخّل الأمريكي في فنزويلا «أمر يتعلق أقل بمادورو ويفوقه مسألة الوصول إلى مكامن نفط فنزويلا». «النفط هو الهدف الأول. ترامب لا يكتفي بمنح امتيازات لشركات النفط الأمريكية، بل يسعى لأن تُدير البلاد، بما يعني سيطرة مطلقة وغير محددة على موارد فنزويلا.»
وفق إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، استهلكت الولايات المتحدة متوسطاً يومياً قدره 20.25 مليون برميل من المنتجات البترولية في عام 2023.
ماذا قال روبيو عن نفط فنزويلا؟
في مقابلة ببرنامج «ميت ذي برس» على قناة NBC الأحد، قال روبيو: «نحن في حرب ضد منظمات تهريب المخدرات. هذه ليست حرباً ضد فنزويلا.»
«لن نسمح بعد الآن بتهريب المخدرات… ولن نسمح باستغلال قطاع النفط لإثراء خصومنا في أنحاء العالم دون أن يعود النفع على شعب فنزويلا أو، بصراحة، على الولايات المتحدة والمنطقة»، أضاف روبيو.
قال روبيو في المقابلة إن نحو ثمانية ملايين فنزويلي فرّوا من البلاد منذ 2014، وعزا ذلك للسرقة والفساد على يد مادورو وحلفائه. وتؤكد تقارير مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من مايو أن نحو 7.9 مليون شخص غادروا فنزويلا.
ومع ذلك، لم يتطرق روبيو إلى دور الولايات المتحدة نفسه في إحداث تلك الأزمة.
ما هي عقوبات الولايات المتحدة على نفط فنزويلا؟
أمّمت فنزويلا قطاعها النفطي عام 1976 في عهد الرئيس كارلوس أندريس بيريز خلال طفرة نفطية، وأنشأت شركة بتروبوليوس دي فنزويلا (PDVSA) المملوكة للدولة للسيطرة على الموارد النفطية.
واصلت فنزويلا لسنوات تصدير كميات كبيرة من النفط إلى الولايات المتحدة، حيث بلغت الإمدادات نحو 1.5 إلى 2 مليون برميل يومياً في أواخر التسعينيات وبدايات الألفية.
بعد وصول هوغو تشافيز إلى السلطة في 1998 أمم كل الأصول النفطية، وصادر ممتلكات مملوكة لأجانب، وأعاد هيكلة PDVSA وكرّس إيرادات النفط للبرامج الاجتماعية داخل البلاد.
بين 2003 و2007 نجحت فنزويلا تحت حكم تشافيز في خفض معدل الفقر إلى النصف تقريباً — من 57% إلى 27.5% — بينما تراجع الفقر المدقع بنسبة بلغت نحو 70%، بحسب دراسات معروفة.
لكن الصادرات تراجعت، واتُهمت السلطات الحكومية بسوء الإدارة.
فرضت الولايات المتحدة أول عقوبات على نفط فنزويلا ردّاً على تَأميم أصول نفط أمريكية عام 2005. وتحت هذه العقوبات حُرم عدد من كبار المسؤولين والفئات والشركات الفنزويلية من الوصول إلى ممتلكات أو أصول مالية في الولايات المتحدة؛ فلم يعد بإمكانهم تصفح حسابات بنكية أمريكية أو بيع ممتلكات أو تحريك أموال تمر عبر النظام المالي الأمريكي.
والأهم أن أي شركة أو مواطن أمريكي يتعامل مع أي فرد أو شركة خاضعة للعقوبات قد يتعرّض لعقوبات وملاحقات قانونية.
تولّى مادورو الرئاسة في 2013 بعد وفاة تشافيز. في 2017 وأثناء ولاية ترامب الأولى زادت واشنطن من وتيرة العقوبات وشدّدتها مرة أخرى في 2019، فقيّدت المبيعات إلى الولايات المتحدة ووصول الشركات الفنزويلية إلى النظام المالي العالمي. نتيجة لذلك كاد تصدير النفط إلى الولايات المتحدة يتوقف، وحوّلت فنزويلا تجارتها بشكل رئيسي نحو الصين مع بعض المبيعات إلى الهند وكوبا.
في الشهر الماضي فرضت إدارة ترامب مزيداً من العقوبات — هذه المرة على أفراد من عائلة مادورو وناقلات فنزويلية تحمل نفطاً خاضعاً للعقوبات.
اليوم تُسيطر شركة PDVSA على صناعة النفط في فنزويلا، وتقتصر مشاركة الشركات الأمريكية في عمليات الحفر والأنشطة النفطية على نطاق محدود. شركة شيفرون، ومقرّها هيوستن، هي الشركة الأمريكية الوحيدة التي لا تزال تعمل في فنزويال.
كيف أضرت العقوبات بتدفّق النفط الفنزويلي؟
قد يهتمّ الرئيس ترامب اليوم بإعادة تشغيل صادرات النفط الفنزويلية، لكنّ العقوبات الأمريكية هي التي أوقفت هذا التدفّق في المقام الأول. تتركز احتياطيات فنزويلا النفطية بصورة رئيسية في حزام أورينوكو، وهي منطقة في الجزء الشرقي من البلاد تمتدُّ على نحو 55,000 كيلومتر مربع (21,235 ميلاً مربعاً).
رغم أن البلاد تملك أكبر الاحتياطيات المثبتة في العالم — بنحو 303 مليار برميل — فإنّها لا تجني اليوم سوى جزء يسير من العائدات التي كانت تحصل عليها سابقاً من تصدير الخام. هذا يمثل انخفاضاً بأكثر من 80% مقارنة بمستويات العائدات في ذروة الصادرات. وفق بيانات مرصد التعقيد الاقتصادي، بلغت صادرات فنزويلا من النفط الخام 4.05 مليار دولار في 2023، وهو رقم يقل بكثير عن صادرات مُصدّرين كبار آخرين مثل السعودية (181 مليار دولار)، الولايات المتحدة (125 ملياراً) وروسيا (122 ملياراً).
كيف أضرّت العقوبات الأمريكية بالفنزويليين وبالبنية التحتية النفطية؟
تمنع العقوبات الأمريكية شركات أمريكية وغير أمريكية من التعامل مع شركة النفط الوطنية الفنزويلية (PDVSA). وبما أن السوق الأمريكية سوق لا يرغب أحد في خسارته، تتوخى الشركات — بما في ذلك البنوك — الحذر وتتفادى أي خطوات قد تعرضها لعقوبات واشنطن.
نتيجة ذلك، حُرمت صناعة النفط الفنزويلية عملياً من الاستثمارات المالية الدولية. كما تقيد العقوبات وصول فنزويلا إلى معدّات الحقول النفطية، والبرمجيات المتخصّصة، وخدمات الحفر، ومكوّنات التكرير المقدَّمة من شركات غربية. أدى هذا إلى سنوات من التقصير في الاستثمار في بنية PDVSA التحتية، ما تسبب في أعطال متكررة، وتوقفات، وحوادث.
وقد أدت العقوبات أيضاً إلى اضطراب اقتصادي أوسع. بلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في البلاد نحو 4,200 دولار في 2024 حسب بيانات البنك الدولي، بانخفاض من أكثر من 13,600 دولار في 2010. منذ حوالي عام 2012 دخل الاقتصاد في تراجع حاد ناجم عن سياسات داخلية، ثم تعمّق هذا التراجع بفعل العقوبات الأمريكية. دفعت المصاعب المترتبة على ذلك ملايين الفنزويليين لمغادرة البلاد — وهم نفس الأشخاص الذين يقول ترامب وروبيو الآن إنهم يجب أن يستفيدوا من عائدات النفط الفنزويلية.
هل للولايات المتحدة أي حق في النفط الفنزويلي؟
بدأت شركات أمريكية التنقيب عن النفط في فنزويلا أوائل القرن العشرين. في عام 1922 اكتشفت شركة رويال داتش شل احتياطيات هائلة في بحيرة ماراكايبو بولاية زوليا في شمال غرب البلاد. عندئذٍ كثّفت الشركات الأمريكية استثماراتها في استخراج وتطوير حقول النفط الفنزويلية؛ وقد قدّت شركات مثل ستاندرد أويل عمليات التطوير بموجب اتفاقيات امتياز، ما أتاح لفنزويلا موقعاً بارزاً كمزوّد عالمي رئيسي، خصوصاً للسوق الأمريكية.
كانت فنزويلا عضواً مؤسساً في منظمة البلدان المصدِّرة للبترول (أوبك) عندما تأسست في 14 سبتمبر 1960. وتعمل أوبك كمنظّمة لدولٍ مصدِّرة رئيسية للنفط تتعاون لإدارة العرض والتأثير على أسعار النفط العالمية.
لكن الادعاءات التي قدّمها ترامب وميلر بأن فنزويلا “سرقت” نفطاً أمريكياً لا أساس لها من الناحية القانونية الدولية، بحسب خبراء القانون. مبدأ السيادة الدائمة على الموارد الطبيعية، الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرار عام 1962، واضح بأن للدول ذات السيادة الحق الأصيل في التحكم في مواردها واستخدامها والتصرّف بها من أجل تنميتها.
بمعنى آخر، النفط مِلْك لفنزويلا وحدها.