بعد ساعات قليلة من عمليةٍ كبرى لتغيير النظام في فنزويلا، احتفل رئيسُ الولايات المتحدة دونالد ترامب بـ«نجاحه». نشر صورةً للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مقيدَ اليدين ثم خاطب الجمهور الأمريكي.
أشاد بالقوة العسكرية واصفًا ما جرى بأنه «من أروع وأقوى وُجهات عرض القدرة العسكرية الأمريكية» في تاريخ الولايات المتحدة، وزعم أن القوات الفنزويلية باتت «عاجزة». أعلن أن مادورو وزوجته سيوجَّه إليهما اتهامٌ في نيويورك بـ«الإرهاب المخدراتي» وادّعى —من دون تقديم دليل— أن العمليات الأمريكية خفَّضت تهريب المخدِّرات بحريًا بنسبة 97 في المئة.
لم يتوقف عند ذلك؛ بل أصرّ على أن الولايات المتحدة «ستدير البلاد» حتى يمكن ترتيب انتقال غير محدد المدة، مهددًا علنًا بـ«هجوم ثانٍ وأكبر بكثير». والأهم أنه أطر هذه التصريحات داخل ادعاء أوسع بسيطرة أمريكية على نصف الكرة الغربي، مستحضراً صراحةً مبدأ مونرو لعام 1823.
العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا ليست اعتداءً منعزلاً فحسب، بل تمثّل تجلّياً أخطر لنمطٍ قديم من التدخّل الأمريكي الذي خلّف ندوبًا في أمريكا اللاتينية على مدى قرون. عملية تغيير النظام في كاراكاس إشارة واضحة إلى أن إدارة ترامب تتبنّى مجددًا سياسة التدخّل التقليدية بحماسة متجددة؛ وهذا مؤشر سيئ للمنطقة.
أن يكون هذا الهجوم موجَّهاً ضدّ حكومة مادورو القمعية والفسادَة المسؤولة عن معاناة واسعة لآلاف الفنزويليين، لا يجعل النتيجة أقل كارثية. التاريخ الطويل لواشنطن في دعم دكتاتوريات قاسية في المنطقة يشيط أي ادعاء بسلطةٍ أخلاقية. ولا يملك ترامب نفسه أرضيةً أخلاقية صلبة، لا سيما وهو متورط في فضائح سياسية كبرى مرتبطة بعلاقاته مع المُدان جيفري إبستين، وما زال يقدم دعماً غير مشروط لإجراءات إسرائيل في غزة.
هجوم إدارة ترامب على فنزويلا يعمّق نمطًا كارثيًا من انتهاكات القانون الدولي. إذا صار بوسع الولايات المتحدة شن ضربات عسكرية أحادية الجانب على دول ذات سيادة متى شاءت، فإنّ الإطارَ الدوليَّ للقانون يفقد معناه، وتصبح الرسالة لكل الدول أن القوة تتفوّق على الشرعية والسيادة.
بالنسبة لأمريكا اللاتينية، فإنّ التداعيات مخيفة. لفهم سبب ارتداد هذا الهجوم بصدى موجع في المنطقة، لا بد من استحضار التاريخ: واشنطن نظمَت أو دعمت انقلاباتٍ ودكتاتوريات عسكرية عبر القارة بتواترٍ مريب.
في غواتيمالا عام 1954 أطاحت وكالة المخابرات الأمريكية بالحكومة الديمقراطية التي انتُخبَت لياكوبو أربينز. في تشيلي عام 1973 دعمت الولايات المتحدة الانقلاب الذي أتى بأوغستو بينوشيه وأطلق عهدًا من العنف السياسي اللامحدود. في 1983 غزت الولايات المتحدة جزيرة غرينادا واحتلَّتها لإسقاط حكومتها الاشتراكية. في الأرجنتين والبرازيل وأوروغواي وفي أنحاء أمريكا الوسطى، قدّمت واشنطن التدريب والتمويل والغطاء السياسي لأنظمةٍ عسكرية عذَّبت المعارضين وقتلت مدنيين.
السؤال الجديد الآن: إذا كان تغيير النظام في فنزويلا قد تم بهذه السهولة، فمن ستكون الدولة التالية؟ رئيس كولومبيا غوستافو بيترو، الذي كان على خلاف مع إدارة ترامب، سارَع إلى الردّ، وكان محقًّا بقلقه بعدما هدَّد ترامب في ديسمبر قائلاً «سيكون التالي». دولٌ أخرى في المنطقة تشعر أيضًا بعصبية متزايدة.
بعيدًا عن التهديد المباشر بالتدخّل، تواجه أمريكا اللاتينية خطرَ زعزعةٍ إقليمية قد تُفاقمها عملية تغيير النظام في كاراكاس. الأزمة السياسية تحت قيادة مادورو قد فاضت بالفعل معبَرةً الحدود إلى كولومبيا والبرازيل، حيث فرّ الفنزويليون هربًا من الفقر والقمع. يمكن تخيّل أثر التموجات التي سيُحدثها التدخّل الأمريكي على نطاق أوسع.
قد يفرح كثيرون من الفنزويليين بالإطاحة بمادورو، غير أن التدخّل الأمريكي يقوّض مباشرةً المعارضة السياسية داخل البلاد. سيمنح هذا النظام الذي يبدو أنه يحافظ على بقاياه من السلطة ذريعة لتصوير كل معارضة كعملاء أجانب، وهو ما يضعف شرعية المعارضة داخليًا ويعقّد مسار التحوّل الديمقراطي.
شعب فنزويلا يستحق الديمقراطية، لكنه مطالب بتحقيقها بنفسه مدعومًا بالمجتمع الدولي، لا أن تُفرض عليه قسرًا بلكمات البنادق من قِبَل قوة أجنبية لها سجل موثّق يبيّن أولوية الموارد والنفوذ الجيوسياسي على حقوق الإنسان.
أمريكا اللاتينية تستحق أكثر من خيار القهر المحلي أو العنف المُستورَد. ما تحتاجه هو احترام حقيقي لحق الشعوب في تقرير مصيرها، لا قنابل أمريكية.
لا تملك الولايات المتحدة سلطةً أخلاقية لمهاجمة فنزويلا، مهما كانت طبيعةُ حكم مادورو الاستبدادية. كلا الأمرين صحيحان في آن واحد: مادورو ديكتاتور تسبب في أذى جسيم لشعبه، والتدخّل العسكري الأمريكي فعلٌ عدواني غير قانوني لن يحل أزمة الديمقراطية في فنزويلا.
مستقبل المنطقة يجب أن يقرّره الناس أنفسهم، بحريةٍ وبعيدا عن ظلّ امبراطورية.
الآراء المعبر عنها هنا تعود للمؤلف وحده ولا تعكس بالضرورة موقفَ التحرير في قناة الجزيرة.