مانيلا — كتب فيرديناند ماركوس الأب عام 1972 عن ابنه الوحيد و«النسخة» منه باسم المدلع، بونغبونغ: «بونغبونغ همّنا الأكبر. هو مفرط في اللامبالاة والكسل». كانت ملاحظة أبٍ تقلق بشأن مستقبل وريث عائلة ماركوس.
نصف قرن بعد ذلك، أدى فيرديناند «بونغبونغ» ماركوس الابن اليمين كرئيس السابع عشر للفلبين بعد فوز ساحق في انتخابات 2022، في خطوة مثلت إعادة تبرئة صورة العائلة بعد احتجاجات شعبية أطاحت بأبيه وأرغمت العائلة على النفي عام 1986.
في خطاب التنصيب استحضر ماركوس الابن ذكريات رئاسة والده، متجاهلاً سنوات الاستبداد الموثقة وادعاءات النهب لتقديم رؤية ملؤها الأمل «من أجل مستقبل أفضل» لما يقارب 110 مليون فلبينين. وقال مخاطباً الأمة: «لن تسمعون مني أعذاراً. لن تخيبوا آمالكم».
لكن بعد ثلاث سنوات من الحكم تبدو شعبيته آخذة في التراجع. تحوّل التحالف السياسي مع نائبة الرئيس سارا دوتيرتي إلى خصام مفتوح، وإدارته غارقة في فضيحة فساد بمليارات الدولارات أطلقت موجة من عدم اليقين السياسي والاقتصادي. الرئيس الذي وعد بالوحدة صار عاجزاً عن توحيد أمة منقسمة وخائبة الأمل من أداء باهت.
في الذكرى الأربعين لثورة الشعب التي أطاحت بوالده، تزايدت أصوات المعارضة التي تطالب بعزله، في تكرار لدراما عائلية انتهت بسقوط والده في 25 فبراير 1986.
«لا خطة» — هكذا يلخص المحلل الاقتصادي أندرو ماساجان المشهد. يقول إن انتصار ماركوس جاء نتيجة اختيار ناخبين لابن ديكتاتور مستبد على مرشح أكثر كفاءة. «شعاره ووعده كانا الوحدة، وتوقع الجميع وجود خطة استراتيجية وراء ذلك. انتظرنا ثلاث سنوات ولم يظهر شيء من هذا.» وأضاف: «كانت خطته أن يصبح رئيساً. خطة أنانية؛ رئاسة بونغبونغ من أجل بونغبونغ.» وذهب إلى القول إن الهدف الحقيقي كان تبييض اسم العائلة المشوب.
من زاوية اقتصادية، اعتبر ماساجان أن ماركوس أهدر ميزة ديموغرافية واضحة: شباب يشكلون نحو نصف السكان يمكن أن يدفعوا النمو، لكن الاقتصاد نما بوتيرة ضعيفة بلغت 4.4% عام 2025 مقابل هدف حكومي 5.5–6.5%. كما تراجع الاستثمار الأجنبي إلى نصف مستواه من 9.42 مليار دولار في 2024 إلى 4.7 مليار في 2025، وارتفع معدل البطالة من 3.8% إلى 4.2%، مع إضافة 172 ألف وظيفة فقط، ما يجعل 2025 من أسوأ سنوات خلق الوظائف خلال ربع قرن.
أكاديميون مثل سوزان كردلي من جامعة دي لا سال يرون أن سنواته الثلاث الأولى كانت «فترة من الفرص الضائعة»، وأن غياب توجه سياسي واضح ليس مفاجئاً إذ لم يتبنّ ماركوس برنامج سياسات محدد أثناء حملته، وإنما اعتمد على القبلية والشهرة وبناء التحالفات.
الفضائح المتعلقة بالفساد أثّرت بشدة على شرعيته. أظهرت تقارير مؤسسات شفافية تراجع مركز الفلبين في مؤشر إدراك الفساد بمقدار ست درجات إلى المرتبة 120 من بين 182 دولة. وعلّقت المتحدثة باسم الرئاسة بأن الرئيس لم يتخلّ عن مكافحة الفساد ويعمل على تقوية المؤسسات الحكومية.
«مشاريع وهمية» — في منتصف العام الماضي بدأت تتسرب اتهامات عن استغلال ماركوس لسلطاته عبر الموافقة على ثلاثة موازنات وطنية متتالية احتوت على مشروعات بنية تحتية مشكوك فيها قيمتها مليارات الدولارات. وشمل الاشتباه أسماء مقربين، ومن أبرزهم فرديناند مارتن روموالديث، رئيس مجلس النواب السابق وابن عم ماركوس، المتهم بالتلاعب بموازنة الدولة، وربطته تحقيقات إعلامية بامتلاك عقارات فخمة في الداخل والخارج لم تُصرّح عنها في إقراراته الرسمية.
النتيجة أن السكان، المتضررون من ضعف النمو وفرص العمل المحدودة، والساخطون من ادعاءات الفساد، يظهرون اليوم رغبة متزايدة في مساءلة قيادتهم. والتحدّي أمام ماركوس هو إما أن يقدم خطة واضحة ورؤية قابلة للتنفيذ تعيد الثقة، أو أن يتعرض لمزيد من التآكل السياسي الذي قد يعيد التاريخ بعنف إلى أيامٍ أكثر درامية. تنحى عن منصبه منذ ذلك الحين، لكنه لم يُحاسب رغم الاحتجاجات الضخمة والضغوط السياسية المتواصلة.
اتهمت أيضاً شقيقة الرئيس، السيناتورة ماريا إميلدا ماركوس، وابنه فرديناند ألكسندر ماركوس، النائب في الكونغرس، بالاستحواذ على ملايين الدولارات من الأموال العامة لمشاريع خاصة. بحسب بيانات وزارة الأشغال العامة وبرنامج الإنفاق الوطني المدرج في الموازنة، ضمنت العائلة الثلاثة مشاريع حكومية بقيمة لا تقل عن 560 مليون دولار خلال السنوات الثلاث الماضية؛ وجميعهم نفوا ارتكاب أي مخالفات تتعلق بمنح هذه العقود.
ارتبطت فضيحة الفساد أيضاً بمقاولين خاصين وموظفين حكوميين. وأفادت تقارير إعلامية أنهم أنفقوا ثرواتهم المكتسبة حديثاً على سيارات بنتلي ورولز رويس وجلسات لعب مقامرة. خلال استجواب أمام الكونغرس اعترف مسؤول متوسط الرتبة، براتب شهري يعادل نحو 1250 دولاراً، بامتلاكه سيارة GMC Denali قيمتها 200 ألف دولار، ولأمبورغيني أوروس تقدر بين 500 و700 ألف دولار، وفيراري تُقدّر قيمتها بمليون دولار.
كشفت تحقيقات لاحقة عن عدد من مشاريع بنية تحتية وهمية — “مشاريع أشباح” — تقدر قيمتها بملايين الدولارات. عثر ماركوس الابن بنفسه على مشروع لمكافحة الفيضانات مهجور في باليواغ، مدينة شمال مترو مانيلا، تقدر كلفته بنحو مليون دولار. وفي كويزون سيتي داخل مترو مانيلا أبلغت الحكومة المحلية أن 35 مشروعاً لمكافحة فيضانات اختفت من أصل 331 مدرجة، بإجمالي ميزانية يقارب 300 مليون دولار.
تقدّر وزارة المالية أن الفساد المزعوم في مشاريع مكافحة الفيضانات كلف دافعي الضرائب نحو ملياري دولار بين 2023 و2025. وحجم الاتهامات أعاد إلى أذهان بعض الفلبينيين حقبة حكم ماركوس الأب وزوجته إيميلدا، التي وصفها المؤرخون بـ«الديكتاتورية الزوجية»، والتي اتُهمت خلالها الزوجان بسلب خزانة الدولة بما يصل إلى 10 مليارات دولار.
قال المحلل الاقتصادي والسياسي ماسيغان إنه بالرغم من كل المحاولات للتبرؤ من الفضيحة الجارية، فإن من الصعب على الرئيس الحالي أن ينأى بنفسه. «الموازنات الثلاثة أعدها ورأسها ووافق عليها الرئيس بنفسه. هو من وقع عليها»، قال ماسيغان. «كل الأدلة تقوده».
امنح ماركوس بعض الفضل
قال يان كريدو، أستاذ العلوم السياسية بجامعة سيليمان في دماجيت، إنّ رغم الانتقادات الحادة التي يواجهها الرئيس، فإن ماركوس الابن يستحق بعض الفضل لما قام به من كشف لمدى الفساد خلال خطاب حالة الأمة السنوي العام الماضي. «الرئيس ماركوس بدأ فضح الفضيحة عندما وبّخ أعضاء الكونغرس وقال لهم: ‘عارٌ عليكم’، بسبب تورطهم في الرشوة المزعومة»، قال كريدو للجزيرة. وأضاف أن هذا الموقف ولّد وعيًا عامًا بالقضية وأسهم في بلورة حركة اجتماعية مناهضة للفساد.
أوضح كريدو أنه برأيه الشخصي لا يملك ماركوس الابن علاقة مباشرة بالفساد، وأن المتورطين الحقيقيين هم حلفاؤه المقربون. كما لم يتوقع أن تُكلف الفضيحة الرئيس فقدان دعم إحدى أقوى المؤسسات في البلاد، الجيش. على مدى أربعة عقود أخيرة، أُجبر رئيسان فلبينيان، من بينهما ماركوس الأب، على التنحي إثر انتفاضات شعبية مدعومة من الجيش، بينما تعرض آخران لمحاولات انقلابية. «قد يكون ماركوس الابن في وضعية دفاعية الآن، لكنه محظوظ بامتلاكه جيشاً محترفاً بدرجة عالية ولم يعد مُسيَّساً»، قال كريدو. وأضاف أن الدعوات الأخيرة من ضباط متقاعدين لانسحاب الدعم من ماركوس لم تلقَ رواجاً، لأن المؤسسة العسكرية استخلصت دروسها.
اتفق المحلل ماسيغان مع هذا التقييم، قائلاً إن تحرك الجيش «غير وارد»، مشيراً إلى أنه رغم وجود همسات تطالب بإزاحة ماركوس، «لا شيء يُؤخذ على محمل الجد». «من منظور الجيش، هم أوفياء للدستور؛ لا توجد حركة لإسقاط الرئيس وتشكيل حكومة انتقالية»، أضاف.
تأمين إرث
مع بقاء نحو عامين في ولايته، لا يزال لماركوس الابن نفوذ كافٍ لإعادة صياغة رواية إدارته، واستعادة اسم ماركوس، وتطبيق سياسات تُحسّن حياة الفلبينيين، وفق ملاحظين سياسيين تحدثوا إلى الجزيرة. لكن عليهم أن يتحركوا بسرعة قبل انغلاق نافذة الفرص التي قد تحوّله إلى زعيم «بلا تأثير».
تشمل التشريعات الكبرى التي تحتاج معالجة: الشفافية الحكومية، والإصلاحات في التعليم والطاقة والاستثمار، إضافة إلى إعادة هيكلة قطاعات النقل والتصنيع، وفقاً لكردلي من جامعة دي لا سال. لكنّ أكثر إصلاح ملحّ يجب على ماركوس الابن معالجته هو إقرار قانون يحظر السلالات السياسية، وهي آفة الفساد الأساسية في البلاد، بحسب ماسيغان وكريدو.
«إذا أراد فعلاً إحداث أثر، فعليه تمرير قانون مناهضة السلالات السياسية»، قال ماسيغان عن الرئيس. في الفلبين تهيمن السلالات السياسية على نحو 80% من المقاعد في مجلس الشيوخ ومجلس النواب، وفق تحليل شبكة مناهضة السلالات لعام 2025. في مجلس الشيوخ هناك، على سبيل المثال، أربع عائلات أشقّاء تشغل ثُلث المقاعد من أصل 24 مقعداً، وعلى الأقل ثمانية سيناتورات أخريات لديهن أقارب مقعدون في مجلس النواب.
يأتي ماركوس الابن من سلالة سياسية بدورها: له شقيق في مجلس الشيوخ، وابن واثنان من أبناء العمومة في مجلس النواب، وعدد من الأقارب في مناصب رئاسية في البلديات والمناطق. كما أن نائبة الرئيس دوتيرتي، ابنة الرئيس السابق رودريغو دوتيرتي، ليست استثناءً؛ فشقيقها وابن أخيها وابن عمٍّ لها يخدمون في الكونغرس، وشقيق آخر يشغل رئاسة بلدية معقل دوتيرتي في مدينة دافاو، في حين يشغل ابن أخ آخر منصب نائب العمدة.
رغم أن الدستور الفلبيني لعام 1987 يحظر السلالات السياسية، فإن الكونغرس فشل في إقرار قانون تكميلي يوضّح شكل الحظر وتطبيقه. يرى كريدو أن تمرير قانون مناهضة السلالات «مهمة شاقة» لماركوس الابن، لأن الغالبية الساحقة من المشرعين تنحدر من سلالات سياسية، ما يضمن مقاومة شرسة. «لكن إذا نجح في ذلك، فستكون إنجازاً كبيراً على مساره». «سيحجز لنفسه مكاناً في سجلات التاريخ»، أضاف كريدو.
قال ماسيغان انه، بالنظر إلى تاريخ عائلة ماركوس، فإن المسألة في النهاية تقع على عاتق الشعب الفلبيني؛ عليهم عدم التهاون ومواصله الضغط والمطالبة بإصلاحات حقيقية وجذرية.
«شهدت كيف تعمل أساليب عائلة ماركوس منذ سبعينيات القرن الماضي؛ هم بارعون في خلق مظاهر إصلاحية ومنح الناس بارقة أمل، لكن هذه الوعود نادراً ما تتحول إلى واقع»، قال ماسيغان.
«آمل أن يكون الوضع مختلفاً هذه المرّة، لكني لن أعلق آمالاً كبيرة.»