تصاعد الشعور الوطني وتراجع الرحلات إلى الولايات المتحدة

خلال العام الذي أعقب تنصيب دونالد ترامب لفترته الثانية كرئيس للولايات المتحدة، شهد العالم تحوّلات ملموسة انعكست بوضوح على كندا، أقرب جيران أمريكا إلى الشمال. تأثيرات ترامب لم تقتصر على الرسوم الجمركية والسياسات التجارية، بل امتدّت إلى المزاج الشعبي، السلوك الاستهلاكي، السياسة الداخلية والتحالفات الخارجية.

تحوّل في رؤية الكنديين للولايات المتحدة
المواقف التقليدية بين البلدين اهتزّت. رغم العلاقات العائلية والاقتصادية والعملية التي تربط كنديين كثيرين بأمريكا، أظهرت استطلاعات العام الماضي تراجعاً حادّاً في التصورات الإيجابية تجاه الولايات المتحده. استبيانات عدة أفادت بأن نسبة كبيرة من الكنديين باتت ترى الولايات المتحدة بعين الريبة أو العداء المحتمل، وأن ثقة واسعة النطاق تهاوت في شخص الرئيس، مع وصف أغلبية المستطلعين له بصفات سلبية مثل الغطرسة والخطر.

انخفاض الرحلات جنوباً
الولايات المتحدة ظلت الوجهة الأولى للسياح الكنديين، لكن أعداد المسافرين إلى جنوب الحدود انخفضت بأكثر من 25% بحسب إحصاءات ستاتيستيكس كندا. هذا التراجع انعكس على الإيرادات السياحية الأمريكية بتوقع خسائر تقدر بمليارات الدولارات، في حين سجّلت السياحة المحلية في كندا رقماً قياسياً في الإيرادات خلال أشهر الصيف الماضية.

توجّه أقوى نحو المنتجات المحلية
ردّ الفعل الشعبي والحكومي على التعريفات الأمريكية ظهر على رفوف المتاجر: اقتنى الكنديون مزيداً من السلع المحلية، ولا سيما في قطاع المشروبات الكحولية حيث سحبت العديد من المقاطعات منتجات أمريكية من الأسواق ردّاً على الرسوم. أرقام التجارة أظهرت تراجع صادرات المشروبات الروحية الأمريكية إلى كندا، وهبوط قيمة واردات المشروبات من الولايات المتحدة بشكل حاد. في الوقت نفسه تجاوزت سيارات مُصنَّعة في المكسيك واردات السيارات الأمريكية للمرة الأولى، وتبنّت الحكومة سياسات شراءٍ داخلية لدعم الموردين الكنديين المتضررين.

انعطاف في المشهد الانتخابي الفيدرالي
تأثير السياسة الأمريكية امتدّ إلى الحياة السياسية الكندية. حيث كانت توقعات سابقة تشير إلى انهيار محتمل لحزب الليبراليين، لكن الغضب والقلق حيال الضغوط الأمريكية أدّى إلى تغيّر المزاج الانتخابي. استقالة زعيمٍ سابق، صعود مرشح جديد ذو خلفية اقتصادية واعتماد خطاب مواجهة خارجيَّة متوازن، أعاد للحزب الليبرالي زخمًا كاد أن يكون مستحيلًا قبل أشهر قليلة، محققاً نتيجة أقرب إلى الأغلبية في انتخابات الربيع.

يقرأ  إسرائيل تعلن توقف إسقاطات المساعدات الإنسانية على مدينة غزة خلال الأيام المقبلة

بناء أصدقاء وحلفاء جدد
مع ازدياد عدم اليقين في العلاقة التجارية والأمنية مع الولايات المتحدة، سعت أوتاوا إلى تنويع شراكاتها. زيارات رفيعة المستوى إلى الصين، اتفاقات لتخفيف بعض الرسوم وفتح أسواق متبادلة، ورحلات تجارية متوقعة إلى الهند، كلها مؤشرات على سياسة خارجية جديدة توازن بين مصلحة كندا الاقتصادية واعتبارات الأمن القومي. الهدف يبدو واضحاً: تقليل الاعتماد المفرط على الشريك الأمريكي وتوسيع شبكة التحالفات التجارية والدبلوماسية.

الخلاصة: خلال سنة واحدة تغيّرت معالم العلاقة بين كندا والولايات المتحدة — من تصوّر عام وقرارات استهلاكية إلى خريطة سياسية وخارجية جديدة — ومردّ ذلك سياسات ومواقف على مستوى البيت الأبيض أعادت تشكيل حسابات أوتاوا الداخلية والخارجية. الموقف الكندي الحالي يبدو متأهباً لإدارة هذه المتغيرات بالبحث عن توازن جديد، لكن السؤال يبقى: كيف ستتطور العلاقة إذا استمر هذا النمط من السياسات على المدى المتوسط؟

أضف تعليق