بيروت، لبنان — جلس سيمون بوري خلف مكتب متجره للمجوهرات في العاصمة، يدخن سيجارة ويرد على مكالمات عميل. إلى جانبه كان عزيز عريضة يحرك مسبحة مكوّنة من حبات، ما يُعرف أيضاً بسبحة القلق.
عمل سيمون في عالم المجوهرات لعقود، لكن الارتفاع الحاد والتقلب الكبير في أسعار الذهب والفضة أربكا كثيرين في القطاع. وبحلول يوم الأربعاء، اقترب سعر الذهب من 5,000 دولار لكل اونصة تروا (31.1 غراماً)، أي بين أعلى مستوى حديث عند 5,595 دولاراً وأدنى مستوى يقارب 4,600 دولاراً.
«لا نستطيع التنبؤ بأي شيء»، قال سيمون. ثم استدار إلى عزيز متعجباً: «هل رأيت تقلباً بنسبة عشرين في المئة في يوم واحد من قبل؟» يعمل عزيز في تجارة السلع الأولية مثل القمح وغيرها من المنتجات سريعة التلف.
«مرة واحدة فقط»، أجاب عزيز بوقار. «تشرنوبيل.»
كارثة محطة الطاقة النووية في أوكرانيا عام 1986 رفعت أسعار القمح حينها. لكن خلافًا لتلك الحادثة الشهيرة، لا يوجد اليوم سبب واحد مفهوماً أو محدداً يعزى إليه هذا التذبذب الحاد في أسعار المعادن الثمينة خلال فترة زمنية قصيرة.
لا أحد يفهم هذا
منذ 2019 دخل لبنان في واحدة من أسوأ أزماته الاقتصادية والمصرفية في التاريخ الحديث. وحتى قبل ذلك، اعتاد كثير من اللبنانيين التوجه للاستثمار في المعادن الثمينة، وخصوصاً الذهب، كوسيلة لحماية مدخراتهم من التضخّم.
وبينما فقدت المصارف ثقة الجمهور، بقي الذهب يُنظر إليه على نطاق واسع استثماراً آمِناً قيمته تميل إلى الارتفاع باستمرار. تاريخياً، تصبّ طلبات شراء المعادن الثمينة في أوقات عدم اليقين السياسي أو الاقتصادي.
شهد العام الماضي سلسلة من عوامل عدم الاستقرار عالمياً، وفي الشرق الأوسط على وجه الخصوص. عودة دونالد ترامب إلى السلطة في الولايات المتحدة، واللجوء إلى الرسوم الجمركية، وضغوط على استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، وتهديدات بالاستحواذ على جرينلاند، وتدخلات في فنزويلا، وتهديدات بحرب مع إيران، كلها أجزاء من خليط متقلب من عوامل عدم الاستقرار.
حين سُئل أحد الصاغة في بيروت — وطلب عدم ذكر اسمه — عن هذه التقلبات الكبيرة، أجاب باقتضاب: «اسأل ترامب».
«لا أحد يفهم هذا»، قال خضر، الذي اكتفى بذكر اسمه الأول. كان جالساً خلف طاولة داخل متجر للمجوهرات، تحيط به خواتم ذهبية داخل صندوق زجاجي على طاولة مجاورة. أقرّ بأن آثار التذبذب الحاد في الأسعار لا تزال تتضح، لكنه اعترف بوجود تأثير ملموس على تجارته.
«العمل تباطأ»، قال.
«لا منطق»
يفتّش المحللون عن تفسير لهذا التغير السريع في التقييم؛ بعضهم يرى أن تحسّن ظروف اقتصادية نسبية وارتفاع الدولار دفع المستثمرين إلى البيع عندما بلغت الأسعار قمماً قياسية. وآخرون يرون أن الانخفاض كان تصحيحاً للسعر بعد أن أصبح المعدن مقوَّماً بأكثر من قيمته الحقيقية.
ومع ذلك، يتوقع بعض المحللين الماليين استمرار صعود الذهب؛ إذ قال محللو جيه بي مورغان إنه قد يرتفع بنحو 30 في المئة قبل نهاية 2026.
لكن قد يستغرق الأمر وقتاً قبل أن يشعر المشترون أو الصاغة براحة كافية للعودة إلى الشراء.
«هذا لا معنى له»، قال سيمون. «السعر لا ينبغي أن يكون بهذا الارتفاع. تكلفة التعدين وتحويله إلى سبائك لم تتغير».
«لا منطق»، أضاف عزيز. «كل شيء مقامرة.»
تأثير على الأعمال
يناقش لبنان حالياً قانوناً يُفترض أن يعيد لمدخّري الودائع جزءاً من الأموال التي مُنعوا من الوصول إليها منذ 2019. منذ ذلك الحين، عانى البلد أزمة سيولة حادة وتدهورت قيمة العملة بأكثر من 90 في المئة. اليوم يعتمد كثيرون على تحويلات من ذويهم العاملين في الخارج؛ فقد بلغ متوسط تحويلات لبنان بين 2020 و2024 نحو 6.38 مليار دولار سنوياً، وتراجع هذا الرقم إلى 5.8 مليار دولار في 2024.
ومع أن الثقة في المصارف والنظام المالي لطالما كانت هشة في لبنان حتى قبل الأزمة، فإن جيلاً أكبر من اللبنانيين شهد تدهور العملة مراتٍ سابقة؛ فقد خسرت استثمارات كثيرة خلال الحرب الأهلية حين انخفضت قيمة الليرة اللبنانية من نحو ثلاثة مقابل الدولار إلى أكثر من 1,000.
لذلك اعتُبر الذهب استثماراً نسبياً آمِناً لدى اللبنانيين.
هوامش الارتفاع الحاد في سعر الأونصة دفعت بعض الناس إلى محاولة بيع جزء من ذهبهم، لكن الصاغة مثل سيمون مترددون في الشراء حالياً.
«بالتأكيد يؤثر على العمل»، قال سيمون. «أمس جاءني زبون يريد أن يبيع قطعة ذهبية، لكني لم أستطع شراؤها. ماذا لو اشتريتها منه بسعر معين ثم ينخفض السعر في اليوم التالي بنسبة عشرة أو عشرين في المئة؟»