تقلبات مواقف ترامب تجاه حرب إيران ماذا تكشف عن استراتيجية الولايات المتحدة؟

تطور الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران تدخل أسبوعها الرابع

دخل الصراع مرحلة تصعيدية تبدو خارج سيطرة الرئيس دونالد ترامب. ورغم اغتيال قادة سياسيين وعسكريين بارزين في طهران وشنّ أسابيع من الغارات، نجحت الحكومة الإيرانية في الصمود وشنّ هجمات انتقامية على إسرائيل ودول خليجية.

كما فرضت طهران عملياً حصاراً على مضيق هرموز، الممر الضيّق الذي تمر عبره نحو خمس إمدادات النفط والغاز المسال العالمية، ما أدى إلى صعود أسعار النفط وإثار الخشية من اندلاع ركود عالمي. هذا الواقع وضع ضغوطاً على ادارة ترامب، فسمحت ببيع نفط روسي خاضع لعقوبات محاولةً للتخفيف من أزمة الطاقة، وضغطت على الحلفاء لتأمين المضيق من دون جدوى حتى الآن.

رسائل أميركا المتضاربة

تعامل ترامب مع الأزمة بدا متقلباً وغير متسق. أطلق تهديداً يوم السبت بضرب محطات توليد الكهرباء الإيرانية “حتى الإبادة” إذا لم تُفتح مياه المضيق خلال 48 ساعة، وذلك بعد يوم واحد من قوله إن الولايات المتحدة “تصرّف عملياتها العسكرية” في المنطقة. محللون يرون أن الحرب أطلقت من دون هدف واضح وأن واشنطن قللت من تقدير رد طهران، ما أدّى إلى اتساع المواجهة في أنحاء الشرق الأوسط.

تباين المواقف في تصريحات البيت الأبيض كان واضحاً: في تغريدة على منصته قال ترامب إن واشنطن “قريبة جداً من تحقيق أهدافها” وتدرس تقليص جهودها العسكرية، لكنه أرفق ذلك بسرد لأهداف عسكرية طموحة شملت:
– تقليص قدرات الصواريخ الإيرانية تماماً،
– تدمير القاعدة الصناعية الدفاعية،
– إقصاء البحرية وسلاح الجو الإيرانيين،
– منع إيران نهائياً من الاقتراب من سلاح نووي،
– حماية الحلفاء في الشرق الأوسط وتأمين مضيق هرموز.

رغم تصريحات ترامب ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو عن “تدمير كامل” لقدرات إيران العسكرية، واصل النظام الإيراني ضرب أهداف في إسرائيل ودول الخليج. وقالت مصادر عسكرية أميركية إنها نفذت قصفاً كثيفاً للسواحل الإيرانية بما في ذلك استخدام قنابل ثاقبة للملاجئ، غير أنها لم تتمكن حتى الآن من منع قدرات طهران على تعطيل الملاحة في المضيق.

يقرأ  إطلاق نار يستهدف عناصر الحرس الوطني في واشنطن العاصمة: ماذا حدث ومن المشتبه به؟أخبار دونالد ترامب

في ساعة لاحقة عاد ترامب ليهدد على منصته بأن الولايات المتحدة ستضرب محطات الطاقة الإيرانية إذا لم يُفتح المضيق “بشكل كامل ودون تهديد” خلال 48 ساعة، فردّت طهران بأنها ستستهدف منشآت طاقة في أنحاء الشرق الأوسط إن تعرضت منشآتها، وقد أطلقت مئات الصواريخ والطائرات المسيرة على دول خليجية مستهدفةً أصولاً أميركية ومرافق طاقة.

بين تهديدات تقليص العمليات وإرسال تعزيزات، أعلنت الإدارة إرسال ثلاث سفن حربية إضافية وزيادة بنحو 2500 مشاة بحرية، بينما قالت القيادة العسكرية الأميركية إن حوالي 50 ألف عنصر عسكري منتشرين حالياً في إطار الحرب على إيران.

متى سَتنتهي المواجهة؟

هذا السؤال يتكرر في العواصم، بما في ذلك البيت الأبيض، منذ انطلاق العمليات في 28 فبراير. قال ترامب لصحيفة إن العملية “ستستمر حوالي أربعة أسابيع”، ثم عدّل لاحقاً قائلًا إن لدى الولايات المتحدة القدرة على الاستمرار فترة أطول بكثير. وفي مقابلات وبرامج تلفزيونية تباينت لهجة المسؤولين بين “هذه مجرد البداية” و”الحرب مكتملة إلى حد كبير” و”قد تكون في الوقت نفسه مكتملة وفي بدايتها” — مزيج من التصريحات الذي يعكس غموضاً في الاستراتيجية والأهداف.

لماذا شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل الضربات؟

التبريرات الرسمية الأميركية ركّزت على إيقاف ما وصفته الإدارة بـ«أربعة وأربعين عاماً» من تهديدات توسعية من النظام في طهران، وعلى رفض إيران الدخول في مفاوضات. قال وزير الخارجية ماركو روبيو إن الولايات المتحدة كانت على علم بأن إسرائيل كانت ستضرب إيران، وأضاف أن واشنطن تحركت بشكل استباقي دفاعاً عن قواتها لتفادي أضرار أكبر. تصريحات كهذه أثارت جدلاً واسعاً في واشنطن، واتُهِمت إسرائيل بأنها دفعت الولايات المتحدة إلى خيار الحرب، وردّ ترامب بأن إيران كانت ستشن هجوماً لو لم تبادر القوات المشتركة.

يقرأ  ترامب يحث دول الناتو على وقف شراء النفط الروسي قبل دخول العقوبات الأمريكية حيز التنفيذ

الحالة الراهنة إذن تبقى متوترة وغير محسومة: تصعيد عسكري واسع، أضرار اقتصادية عالمية محتملة، ورسائل سياسية متناقضة منَ صنع القرار في واشنطن قد تؤدي إلى تصعيد إضافي أو إلى مسار تفاوضي غير واضح مع طهران. قال مسؤول مقرّب من البيت الأبيض إن الرئيس أشار إلى أنه ربما ضغط على إسرائيل لدفعها للتحرّك، وفي اليوم التالي وصف متحدثة البيت الأبيض كارولين ليفيت قرار الضربات بأنه نابع من “إحساس جيّد” لدى ترامب بأن إيران كانت ستردّ، فشنت واشنطن هجوماً على طهران.

جاء انطلاق الحرب بينما كان من المقرّر أن تبدأ واشنطن وطهران جولة جديدة من المحادثات التي عُقدت لأول مرة أواخر العام الماضي، وقبل اندلاع القتال قال الوسيط العماني إن صفقة ما كانت “في متناول اليد”.

الادّعاء الأميركي والإسرائيلي بأن طهران كانت على وشك امتلاك سلاح نووي لم تُثبته الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وحتى مدير الاستخبارات الأميركية قال للكونغرس الأسبوع الماضي إن إيران ليست في وضع يؤهلها لصنع قنبلة ذرية.

يرى محلّلون أن إدارة ترامب تحرّكت نحو الحرب بعد ضغط من بنيامين نتنياهو، الذي يسعى منذ عقود لجر الولايات المتحدة إلى تدخل عسكري في إيران. وأضافوا أن ترامب استُنهض بثقة إثر عملية أميركية سريعة في فنزويلا لم تستهلكه وقتاً، ولم يقيّم جيداً قدرات إيران قبل الانخراط في الصراع. ففي يناير اختطفت القوات الأميركية الرئيس نيكولاس مادورو في عملية استغرقت ساعتين ونصف في كراكاس.

ما تعنيه رسائل الإدارة المتضاربة بالنسبة للاستراتيجية الأميركية؟ يقول محلّلون إن تحرك الأهداف وغياب الوضوح يشيران إلى حدود سياسة إدارة ترامب وإلى استراتيجية تعتمد جزئياً على إبقاء مَخارج تفاوضية ممكنة.

وبيّن زيدون الكيناني، محلّل شؤون الشرق الأوسط في معهد “آفاق عربية”، لقناة الجزيرة أن أيام المواجهات الأولى بدت فيها الأهداف أوضح والغايات محدودة، أما الآن فثمة ردود فعل أكثر فوضوية. وأشار إلى تزايد الطابع التبادلي للهجمات، ما يجعل أي استهداف لمنشآت نفطية أو طاقية قابلاً لأن يؤدي إلى تصعيد أوسع.

يقرأ  تحقيق آلاف حالات الاختفاء القسري في بنغلاديش خلال حكم شيخ حسينة واجد

خلال الأسبوع الماضي هاجمت إيران منشآت طاقية في قطر وألحقت “أضراراً كبيرة”، مما أدى إلى فقدان نحو 17% من قدرة تصدير الغاز الطبيعي المسال في قطر، التي تُمثّل نحو 20% من إمدادات العالم. وأكدت طهران أن هجومها ردّ على ضربات إسرائيلية استهدفت منشأة غاز.

من جهته، قال باولو فون شيراخ، رئيس معهد السياسات العالمية، للجزيرة إن ترامب يتغير موقفه بسرعة ولا يمكن التكهّن بخطوته التالية في الحرب على إيران. وأضاف أن من غير الواضح ما هي “الأدوات” المتاحة أمامه لفرض نهاية للحرب. فحين يقول ترامب إن الحرب تحت السيطرة وربما ثمة مخرج تفاوضي، ثم يهدد بإطلاق جحيم إذا لم تفتح إيران مضيق هرمز، يزداد الغموض حول ما يريده فعلاً وكيف ينوي تحقيقه.

وختم فون شيراخ بأن قدرة الولايات المتحدة على إخضاع إيران تثير تساؤلات جدّية بالنظر إلى امتدادها السكاني والجغرافي، مستدلاً بتجربة العراق حيث نشر الجيش الأميركي نحو 150 ألف جندي خلال حرب الخليج الثانية، ومشيراً إلى أن واشنطن قد تحتاج إلى ما يصل إلى نصف مليون جندي لو كان الهدف السيطرة على إيران.

أضف تعليق