تكريم النحات الخشبي اليوروباوي الشهير في نيجيريا

تُوُفي ونُقِلَ إلى مثواه الأخير الخَشَّاب النيجيري الشهير كاسالي أكانجبِي أوجون بعد مرضٍ مفاجئ أودى بحياته الأسبوع الماضي. اعْلن دفنه في مراسمٍ اختُصرت مع احترام التقاليد المحلية، تاركًا خلفه إرثًا فنّيًا غنياً.

أكانجبِي أوجون وُلد في مدينة أوسوغبو بجنوب غرب نيجيريا، في أسرةٍ تنتمي إلى تقليدٍ طويلٍ لحرفة النحت على الخشب ضمن شعب اليوروبا. حمل تقاليد هذه الحرفة من موطنه الصغير إلى الفضاء الفني العالمي، مُمثِّلاً جسرًا بين الحِرف الشعبية والحداثة الفنية.

وصفه الراعي الفني النيجيري أولوفيمي أكينسانيا بأسلوبٍ فني فريد «يتسم بوجوهٍ نحيلةٍ مطوّلةٍ وأشكالٍ ديناميكيةٍ متدفّقة»؛ ثمة إحساسٌ بالحركة والروح في أعماله التي لا تُخطيءها عين الملاحظ.

كان أوجون واحدًا من أعمدة حركة «الفنّ المقدّس الجديد» التي أسستها الفنانة النمساوية-النيجرية والكاهنة اليوروبية سوزان وينجر في ستينيات القرن الماضي، بهدف حماية غابة أوسون التي تمتد لحوالي 75 هكتارًا ونهرها المقدس. في لقاءٍ صحفي عام 2020 قال لي: «سنستمر في زراعة الأشجار لأن التراث لا ينبغي أن يُترك عارياً».

تقع الغابة على أطراف مدينة أوسوغبو، وقد أدرجتها اليونسكو كِموقعٍ للتراث العالمي عام 2005 لما تمثله من أهمية ثقافية في كوزمولوجيا اليوروبا، ولكونها أكبر غابة أوليّة محميةٍ في المنطقة. وتصف اليونسكو الموقع بأنه مَحَلّ إقامَة الإلهة أوسون — إلهة الخصوبة في مجموعة آلهة اليوروبا — وأن مناظره الطبيعية ونهره المتعرّج مُنتشرةٌ فيها المقدَّسات والتماثيل والمنحوتات التي تُكَرّم أوسون وغيره من الآلهة.

أعمال حركة «الفنّ المقدّس الجديد» معروضة حاليًا في معرض «الحداثة النيجيرية» في تيت مودرن، ما يؤكد مكانتها في سينما الفن العالمية. وعلّق المنسق أوسي بونسو بأن عمل أكانجبِي أوجون أضفى عمقًا روحانيًا على الممارسة التعبدية اليوروبية، وأن فنه «يقف شاهداً على حياةٍ كرّسها للإيمان والمجتمع والشعر البصري».

يقرأ  لوحة لي أوفانمحور تحقيق رشاوى في كوريا الجنوبية

لم يقتصر دور أوجون على الإبداع فحسب، بل كان مدافعًا ملتزمًا عن الغابة ومياه النهر المقدس؛ تصدّى للمخالفين الذين حاولوا الصيد في نهر أوسون المحظور، حفاظًا على نقاء البيئة وروحانيتها. والنهر نفسه مركز مهرجان أوسون-أوسوغبو السنوي، الذي يجتذب آلاف المصلين والزوار ويعد أحد أهم عوامل الجذب السياحي في نيجيريا.

يقول المؤرخ سييان أوييفسو إن أوسوغبو «كانت دومًا مصنعًا لصُنّاع الفن الكبار؛ هم الذين ضحّوا بوقتهم وحياتهم وأهدوا الروح والجهد لرسالــة أوسون أوسوغبو ونيجيريا». وكان أكانجبِي أوجون من هؤلاء الناس؛ ولادة حوالي عام 1945 ضمن نسب أريلاجبايي، مع تاريخ ميلاد دقيق غير موثَّق.

كانت حرفة النحت في العائلة تقليدًا مرّ عبر الأجيال، وإن كانت قد انقطعت لمدةٍ قبل مولده بعامَين. في سَنٍّ مبكرةٍ توقّف تعليمه الابتدائي بعد وفاة والده، فابتدأ يتعلّم النجارة ثم النحت. واستذكر لاحقًا: «قضيت أسبوعًا واحدًا في المدرسة فقط، ومع ذلك ألقي محاضرات لطلبة جامعات في الولايات المتحدة. ألتقط اللغات بسرعة. سافرت كثيرًا، وكل ذلك بفضل الفن».

تنبّهت إليه سوزان وينجر حين كان يعمل على سقف مزار إيلِدي أونتوتو في الغابة، وقالت له ببساطة: «ستكون نحت الخشب مهنتك». أشادت بفرادته وبتمايز عمله، وهو ما احتفظ به حتى نهاية حياته. وكتبَت وينجر عام 1990: «أكانجبِي، بجسده وروحه الفسيحة، يخلق أعمالًا ذات صفاء أثيري وعلوٍ رائع الخفة. عمله انفجارٌ أوليٌّ من العبقرية».

وعلى الرغم من شهرته، عاش الرجل حياةً بسيطة بين أهالي أوسوغبو، وظهر حرفته واضحة في التماثيل الطقسية والأعمدة الشامخة والأسقف المُزيَّنة التي تزيّن العديد من المزار. وبالنيابة عن مؤسسة ادوني أولوريشا قال أولوفيمي أكينسانيا إن براعته ظاهرة في كل تلك القطع.

عُرضت أعماله على نطاق واسع: في إيفالوها هاوس-بايرويت (1989)، ومركز أفريقيا بلندن (1990)، ومهرجان إدنبرة (1994)، وفي عرض حركة الفنّ المقدّس الجديد في كوينتسنس، لاجوس (2009). كما نفّذ أعمالًا وطلبات فنية في المسرح الأسود الوطني في هارلم خلال التسعينيات بالتعاون مع مؤسسته باربرا آن تير. ودُعي إلى جامعة نورث كارولينا شارلوت كفنان أفريقي متميِّز في برنامج الإقامة عام 2013.

يقرأ  وزير الخارجية الألماني يفتتح زيارته للهند بمباحثات في بنغالور

كتب المؤرخ أكينوُنمي أوجديران أن أعمال أكانجبِي «تتجاوز حدود النحت التقليدية، وتتمازج بالتصميم البنيوي والفولكلور وحماية البيئة». وودّع المنسق والمستشار الفني موسى أوهيوموكاره الفنان قائلًا: «أحزن لفقدان هذا الفنان العظيم، سيد نحت الخشب وشخصية استثنائية. ترك أثرًا لا يمحى على التراث الثقافي اليوروبي. يجب أن يتذكره العالم».

تميزت أعماله، الصغيرة منها والكبيرة، بخطٍّ شعريٍّ ولمسةٍ خفيفة من الطرافة والدهاء؛ وكانت القطع الصغيرة بمثابة بيانٍ عن قدراته الفنية الكاملة. وعلى الرغم من أن النحت—وخاصة المقدّس التقليدي—لا يحظى عادةً بنفس شهرة اللوحات وغيرها من فنون المعاصرة، فإن براهين عظمة أكانجبِي قائمة في المنحوتات الضخمة والهياكل الخيالية المنتشرة في غابة أوسون.

من بين قطعته الأصغر، يحتل «حصان الهزاز الخشبي» مكانة بارزة في منزل وينجر في أوسوغبو، وهو بيت ذو هندسة برازيلية تُعتنى به مؤسسة أدوني أولوريشا. وكان أكانجبِي، مهما بلغت شهرته، إنسانًا بسيطًا عاش بين الناس العاديين، محافظًا على صلة وثيقة بالجذور والطقوس التي غذّت فنه. مولارا وود

أبيودون أوموتوسو

كاسالي أكانغبي أوجون كان مُكرِّساً للحفاظ على تاريخ شعب اليوروبا. أكثر ما رغب فيه أن يحافظ على بيئته المعيشية كنموذج للمجتمع اليوروبا التقليدي، مكان يأتيه الناس ليتعرفوا على طرق الأجداد ويتعلموا منها.

عند تأمل مسيرته في أكتوبر 2020 قال: «ما يسرّني أكثر أن أطفالي تعلّموا فن نحت الخشب؛ لقد ورثوا الإرث. سيستمر العمل من خلال أطفالي.»

ظهر أكانغبي أوجون العام الماضي في فيلم قصير للمتحف المتروبوليتان للفنون في الولايات المتحدة، بمناسبة اعادة افتتاح جناح مايكل سي. روكفلر المخصص لفنون أفريقيا.

إنه لمدى تأثير الفنان الواسع النطاق أن من بين الذين أشادوا به كان وين بارو، مدير أعمال أسطورة الهيب هوب الأمريكية، ذا نوتوريوس بي.آي.جي. كتب وين في منشور على إنستغرام: «لقد عشتَ بقوة، وحازماً في مشاركة عطاياك مع العالم، ونحَتتَ بلا خوف إرثاً نقش على الخشب بلمسات يديك.»

يقرأ  مصر: سُرق سوارٌ يعود تاريخه إلى ٣٠٠٠ عام وتمَّ إذابته

وربما عبّر أكانغبي أوجون عن ذلك بأبسط صورة حين قال: «أنا نقطة، مجرد نقطة، أواصل الماضي بالحاضر والمستقبل.»

أضاف أن العمل سيستمر ويعيش من خلال ابناؤه.

مزيد من قصص بي بي سي نيجيريا:
غيتي إيماجز/بي بي سي

أضف تعليق