تمرد ابنتي في غزة المحاصرة قصة من قلب الصراع بين إسرائيل وفلسطين

منذ أيّام قليلة، اقتربت مني ياسمين، ابنتي البالغة من العمر ثلاثين سنة والتي تعاني من احتياجات خاصة، في مأوانا المؤقت المكوّن من صفّين بالمدرسة. كانت خطواتها رقيقة وحازمة في آنٍ واحد، وعيناها لامعتان بفرح واضح. استمعت إليها باهتمام وهي تكافح لتخرج الكلمات.

«بابا… أكلت… شوكولاتة!» قالت ذلك بنبرة نصر طفولي.

ارتبكتُ للحظة محاولاً أن أفك رموز ما سمعت—من أين حصلت ياسمين على الشوكولاتة؟

عاشت ياسمين لسنوات في عالم خاص بها، بنَفَسه وإيقاعه ولغة محبةٍ ودهشة لا تشبه الآخرين. للأسف، أصابها حُمّى شديدة عندما كانت رضيعة في عمر أربعة أشهر تركت أثرًا على نموها العصبي. وفي سن السابعة أُصيبت بالتهاب شعبٍ مزمن وخضعت لعملية في الرئة بمصر، ما أثر سلبًا على صحتها وتطورها.

حاولنا أن نوفر لها حياة مريحة قدر الإمكان. جهّزنا غرفتها بحاسوبٍ وجهاز لوحي ودفاتر تلوين وألعاب متنوعة—مكعبات بناء، دمى، بالونات، وتأرجح معلق من السقف. راجعنا اختصاصيين وصفوا لها أدوية خاصة، ونظّمنا نشاطات داخلية وخارجية. لعبة الغمّيضة كانت المفضلة لديها، وكانت تمنحها نوبات فرحٍ طفوليّة.

لسنوات قدرنا أن نتحكّم بحالتها بدرجة معقولة.

لكن في أكتوبر 2023، قصفت طائرة حربية منزلنا الجميل فأضحى ركامًا. اختفت كل ممتلكاتنا ومواردنا، بما في ذلك مملكة ياسمين—غرفتها.

منذ ذلك الحين تنقلنا قسرًا مراتٍ عدة، نلتجئ إلى مدارس تحوّلت إلى ملاجئ. حيث نقيم الآن تنام ياسمين على مرتبة رقيقة وسط ازدحام، بلا خصوصية ولا هدوء ولا راحة.

كانت رعاية ياسمين في الملجأ تجربة مرهقة ومجهدة. تحتاج مساعدة في اللبس، وفي الوقوف في طابور الحمام، والمشي عبر الساحة الفوضوية. كافحنا للحصول على بعض الألعاب وأقلام التلوين، وكانت أدويتها شبه معدومة.

ياسمين فتاة ذات مظهر محبب واجتماعية كبيرة. ليس من السهل على الناس أن يختلطوا معها دون أن يلحظوا كيف تختلف نطق لسانها مع الكلمات، أحيانًا تصدر عنها تصرفات مزعجة غير مقصودة، ومع ذلك تبدي الغالبية تعاطفًا معها.

يقرأ  الجيش الإسرائيلي يقتلع آلاف أشجار الزيتون الفلسطينية في الضفة الغربية— صراع إسرائيل وفلسطين

هي أيضًا طيبة القلب؛ كثيرًا ما تشارك طعامها مع زملائها، وتصرّ في مناسبات متفرّقة على إعداد هدايا لهم. في عيد الأضحى الماضي زينّا صينية حلوى وعلى كلّ قطعة لاصق كتبنا: «العيد أحلى مع ياسمين!» وزعت هداياها بفخر، فأضاءت بذلك ملامح مظلمة من جو الملجأ.

لكن الوضع ازداد سوءًا. شدّدت إسرائيل حصارها القاسي على قطاع غزة، فاعترضت سبل إدخال المواد الغذائية الأساسية والوقود والمساعدات الطبية والصحية. لعدة أشهر اختفت الأسواق من كثير من المواد: لا خضار، لا فواكه، لا لحم ولا سمك ولا دجاج ولا بيض ولا حليب ولا سكر… ولا شوكولاتة!

أصبح نقص الغذاء مشكلة خطيرة تضرب الجميع في غزة. تقلصت أجساد الناس، شحبت الوجوه، واشتد النحول. عانت أنا وزوجتي من نوبات دوخة متكررة.

كانت ياسمين أكثر عرضة لذلك؛ فقد فقدت كثيرًا من وزنها وتدهورت صحتها.

في يوليو تم تشخيص ما يقرب من 12 ألف طفل فلسطيني دون الخامسة بمعدلات سوء تغذية رسمية.

وفي 22 أغسطس قالت تصنيف الأمن الغذائي المتكامل المدعوم من الأمم المتحدة إن مدينة غزة تشهد «مجاعة من صنع الإنسان» وأن استجابة عاجلة وعلى نطاق واسع باتت ضرورة. كانت تلك المرة الأولى التي يُعلن فيها عن مجاعة في الشرق الأوسط.

ووفقا للتصنيف، أكثر من 500 ألف شخص في القطاع—ما يقرب من ربع السكان—إما يقتربون من أو وصلوا إلى مستويات كارثية من المجاعة. وإذا لم يتبدل الحال بسرعة، من المتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى أكثر من 640 ألفًا بحلول نهاية سبتمبر، فيما قد يصل عدد المتأثرين بانعدام الأمن الغذائي على مستوى الطوارئ إلى 1.14 مليون.

إلى جانب ضحايا الحرب المستمرة—أكثر من 62 ألف قتيل و140 ألف مصاب—توفي بالفعل أكثر من 315 فلسطينيًا نتيجة التجويع القسري، نصفهم تقريبًا أطفال.

يقرأ  كيلمار أبرِيجو غارسيا: يُزعم أنه أُفرِج عنه من السجن وعاد إلى ميريلاند

في هذا الظرف الحرج وقفت ياسمين أمامي حاملةً خفة سرّ ما. بوجهٍ مشعّ أعلنت أنها أكلت شوكولاتة.

فقلت متفاجئًا: «أكلتِ شوكولاتة يا ياسمين؟ من أين؟ من أعطاكِ إياها؟»

ابتسمت، وتراقصت على محياها زيادة من البهجة، هزّت رأسها بهدوء وأوضحت: «لا… لا بابا. انا… ما أكلت… شوكولاتة. أنا… حلمت!» — وكأن الحلم نفسه كان هدية.

قفزت إليها، عانقتها بقوة، وابتسمتُ ضاحكًا ضحكةً أطول وأكثر فَرَحًا ممّا كنت أجرؤ على تذكره منذ شهور. كانت الضحكة أيضًا مسكونة بحزنٍ عميق وإرهاق.

وسط فظائع الحرب والمجاعة، حلمت ياسمين بشيء حلو، وكان الحلم وحده كافيًا ليبهجها.

لم تكن ياسمين مدركة للمدلول السياسي لحلمها. لم تعلم أن ذاك الحلم الذي تذوقت فيه شيئًا مستحيل المنال كان نوعًا من التمرّد على فظائع الاحتلال وتعبيرًا عن أملٍ صارم في أن نعيش بحرية وكرامة وسلام.

الآراء الواردة هنا تعود إلى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

أضف تعليق