تهديدات على خلفية حرب إيران تكشف جهود ترامب لتحويل حرية التعبير — خبراء — أخبار دونالد ترامب

واشنطن، دي.سي. — يقود دونالد ترامب مسيرة سياسية تميّزت منذ البداية بالادعاءات المتكررة بشأن تحيّز وسائل الإعلام وضد ما يصفه بأنه معاملة غير عادلة، وبالمطالبة بأن إيديولوجيات «الوعي الاجتماعي» وثقافة الإلغاء تُكمّم الأصوات المحافظة. كما اتّهم مؤسسات أكاديمية بأنها تميل نحو وجهات نظر تقدمية وتغذي تحيزاً منهجياً.

من خطواته الأولى في الولاية الثانية توقيع أوامر تنفيذية وصفها بأنها «إعادة لحرية التعبير وإنهاء الرقابة الفدرالية»، وتوجّهت أساساً ضد سياسات إدارة جو بايدن التي سعت للحد من ما وُصف بالمعلومات المضللة والخاطئة. غير أن دعاة حرية التعبير يرون أن إدارة ترامب ارتقت بجهودها نحو تحويل الحقوق الدستورية المحمية إلى أدوات قابلة للضغط، مستفيدة من ثقل هيئات تنظيمية تبدو مستقلة ومن قواعد الهجرة لتقويض وسائل الإعلام.

أحدث الأمثلة تمثّل في تهديدات رئيس لجنة الاتصالات الفدرالية، بريندان كار، الذي ربط بين التغطية الإعلامية للحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وأعلن أنه قد يسحب تراخيص محطات تبث «خرافات وتشويهات لأخبار» ولا تعمل «في مصلحة الجمهور». جاء تصريح كار كرد على انتقادات ترامب لتغطية وسائل الإعلام الأمريكية للحرب، ورحّب الرئيس بالتحقيقات التي وصف فيها بعض المنابر الإخبارية بأنها «فاسدة وغير وطنية».

أقسى مثال
لا جديد في أن الرؤساء الأمريكيين ينتقدون تغطية إعلامية معارضة، وأن سياسات سابقة أثارت انشغالات حول حرية التعبير، مثل إجراءات ما بعد هجمات 11 سبتمبر ورفع مستوى المراقبة بموجب قوانين مثل باتريوت آكت. كما أثارت إدارة بايدن في 2022 جدلاً بتأسيسها لمجلس إدارة المعلومات المضللة ثم توقيفه سريعاً، وسط اتهامات جماعات حرية التعبير بأنه يفتح باب التدخّل الحكومي الخاضع للذاتية في تقييد الكلام.

مع ذلك، يقول مراقبون إن نهج ترامب كان أكثر حدة على نحو استثنائي، إذ تحوّلت تهديداته الخطابية الطويلة الأمد إلى تحرّكات ملموسة في فترته الثانية. كلام كلينتون وبيئات حقوقية وصحفيون يصفون سياسات كار وترامب بأنها «تهويل منظّم» يهدف إلى إخافة المؤسسات الإعلامية وإضعاف قدراتها القانونية والمالية على الصمود أمام الضغوط.

يقرأ  وفاة لاعب كريكيت مراهق إثر حادث تدريبي في أستراليا— أخبار الكريكيت

القوة الجزائية للّجنة
تأسست لجنة الاتصالات الفدرالية بقرار الكونغرس عام 1934 لتكون هيئة تنظيمية مستقلة تُنظّم الاتصالات العابرة للولايات والحدود عبر الإذاعة والتلفزيون والأسلاك والأقمار والصِرّ. وهي أيضاً مسؤولة جزئياً عن توفير إطار تنافسي مناسب لسوق الإعلام، بما في ذلك مراجعة الاندماجات الكبرى بين شركات الاتصالات ووسائل الإعلام.

يرى أكاديميون مثل فيكتور بيكارد أن ما يحدث اليوم من محاولات لتسييس اللجنة يعد سابقة غير مسبوقة: «إن تحويل لجنة يفترض أنها مستقلة إلى أداة سياسية لصالح إدارة معينة لم يحدث بهذا الشكل خلال عقود»، كما قال. وحتى تصريح كار أمام لجنة مجلس الشيوخ بأن اللجنة «ليست وكالة مستقلة، من الناحية الرسمية» أثار ردود فعل من موظفين قانونيين سابقين في اللجنة، الذين أكدوا أن الكونغرس تصور للجنة صفة الاستقلال؛ لكن كلمة «المستقلة» حُذفت لاحقاً من موقع الوكالة على الإنترنت بعد شهادة كار.

خلال أشهر الولاية الثانية لترامب اتخذ كار مواقف تصاعدية تجاه المحطات؛ أعاد فتح شكاوى ضد شبكات كبرى بشأن تغطيتها لانتخابات 2024، وفتح تحقيقات تجاه مؤسسات عامة مثل بي بي إس وإن بي آر في سياق حملة جمهورية لخفض تمويلها بذريعة التحيّز الليبرالي. والنتيجة العملية كانت أن محطات محلية أقل قدرة على المواجهة القانونية عدلت من تغطياتها أو خفّفت منها عندما شعرت بالتهديد، كما حدث مع محطة KCBS-AM في خليج سان فرانسيسكو عقب تحقيقات كار، حيث تراجع مستوى تغطية ملفات حساسة أو أعيد ترتيب مقدمي البرامج.

نهج متعدّد الجوانب
اللجنة ليست السلاح الوحيد: اتسع نطاق الإجراءات لتشمل قانون الهجرة كأداة استهداف لأفراد بسبب كلامهم، لا سيما طلاب ونشطاء مؤيدين للقضية الفلسطينية؛ كما استُخدم الضغط على التمويل العام لابتزاز جامعات خاصة لتعديل سياساتها حول حرية التعبير والاحتجاج وبرامج التنوع؛ وجرى أيضاً السعي لمعاقبة شركات محاماة وظّفت أشخاصاً اعتُبروا خصوماً سياسيين للإدارة، رغم أن كثيراً من هذه المساعي لم تكلل بالنجاح القانوني.

يقرأ  انهيار شبكة الكهرباء في كوبا وسط حصار نفطي أميركي يتسبب في انقطاع التيار الكهربائي على مستوى البلاد — أخبار دونالد ترامب

تتبّع الإدارة «معارك» تبدو لها سوابق قضائية قليلة تمنحها هامشاً أكبر للمناورة، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالمتحدّين من غير المواطنين أو حاملي تأشيرات الإقامة. فقد ادّعت وزارة الخارجية أن المقيمين الدائمين وحاملي التأشيرات قد لا يتمتعون بنفس نطاق حماية حرية التعبير مثل المواطنين، ما دفع إلى محاولات لترحيل بعض النشطاء الطلابيين مثل محمود خليل ومحسن مهداوي، في قضايا لاقت اهتماماً شعبياً وقضائياً ولا تزال بعضها عالقة في المحاكم. وتستند هذه التحركات إلى فجوة في السوابق القضائية الحديثة رغم حكم لمحكمة عليا عام 1943 الذي أكد امتداد بعض حماية الكلام لغير المواطنين.

كما تبنّت الإدارة سياسات لتشديد الرقابة على نشاطات منصات التواصل الاجتماعي، واقترحت قيود تأشيرية تمنع دخول من تعتبرهم «مشاركين في رقابة الأمريكيين»، ما استدعى دعاوى قانونية وقلقاً لدى باحثين وأكاديميين غير مواطنين عن أثر ذلك على عملهم العلمي والبحثي.

خلاصة
يصف أصحاب الشأن هذه الاستراتيجية بأنها تبدأ دائماً من الهامش: اختيار قضايا أو أهداف ضعيفة قانونياً أو ذات قدرة محدودة على المواجهة، ثم توسيع النطاق تدريجياً إذا ما نجحت التجارب الأولى. هذه الديناميكية، كما يحذرون، قد تغيّر مناخ الحرية الإعلامية وتعيد تشكيل المشهد الإعلامي لصالح روايات وسياسات الإدارة الحاكمة، سواء عبر الضغط التنظيمي المباشر أو عبر تأثيرات السوق والملكية الإعلامية.

أضف تعليق