توتر أميركي‑إيراني: سباق دبلوماسي لاحتواء التصعيد ومنع اندلاع حرب

في ظل تصاعد التوتر وتزايد المخاوف من مواجهة عسكرية بين إيران والولايات المتحدة، تبذل مجموعة من الدول — وخصوصاً في محيط إيران الإقليمي الممتد — جهوداً دبلوماسية مُكثفة تهدف إلى احتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة.

ما الذي يحدث بين إيران والولايات المتحدة؟
جدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الأربعاء تهديداته بالتدخل العسكري في إيران ما لم يُبرم اتفاق يقيّد برنامجها النووي وقدراتها الصاروخية. ونشر ترامب على منصته بياناً قال فيه إن «أسطولاً ضخماً متجه إلى إيران»، ويضم اسطول السفن الحربية حاملة الطائرات النووية يو إس إس ابراهام لنكولن. وأكد القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) عبر منشور على منصة X إرسال الحاملة إلى الشرق الأوسط «للترويج للأمن والاستقرار الإقليميين».

حاملة الطائرات كانت قد غادرت قاعدة سان دييغو في كاليفورنيا في نوفمبر وكانت تعمل في بحر الصين الجنوبي حتى الأسبوع الماضي، وتُعدّ من أكبر سفن البحرية الأمريكية.

هددت الإدارة الأمريكية بالتدخل العسكري في أعقاب احتجاجات داخل إيران بدأت أواخر ديسمبر 2025 على خلفية تردي الأوضاع الاقتصادية، وتصاعدت إلى تحدّ أوسع لقيادة النظام منذ ثورة 1979. تراجع ترامب مؤقتاً عن التهديد بعد تلقيه تأكيدات بعدم إعدام المتظاهرين، لكنه أعاد تحريك اللهجة منذ ذلك الحين.

بدورها أكدت طهران أنها ليست على استعداد للتفاوض تحت تهديد الضربات وأنها ماضية في الاستعداد للدفاع عن البلاد. وقال كاظم غريب آبادي، عضو بارز في فريق التفاوض الإيراني، لإعلام الدولة إن «أولوية طهران الحالية ليست التفاوض مع الولايات المتحدة، بل بلوغ جاهزية تبلغ 200 بالمئة للدفاع عن الوطن». وأضاف أن رسائل نُقلت إلى واشنطن عبر وسطاء، وأن إيران حتى لو توفرت ظروف ملائمة للحوار ستبقى على أهبة الاستعداد للدفاع عن نفسها، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة شنت هجوماً على منشآتها النووية في يونيو الماضي بينما كانت مفاوضات لاحتواء حرب استمرت اثني عشر يوماً مع إسرائيل على وشك الانطلاق.

خلال ذلك الصراع سجلت خسائر إسرائيلية محدودة، لكن صواريخ إيرانية نجحت في اختراق منظومة «القبة الحديدية» مما أثار قلق تل أبيب وواشنطن. وفي تطور عسكري آخر أعلن الجيش الإيراني يوم الخميس عن إضافة ألف طائرة دون طيار «استراتيجية» جديدة تشمل نماذج هجومية باتجاه واحد وأنظمة قتال واستطلاع وقدرات إلكترونية مصمَّمة لضرب أهداف ثابتة ومتحركة على البر والجو والبحر. وقال القائد العسكري أمير هماتي إن «أولويات الجيش تشمل الحفاظ على المزايا الاستراتيجية وتحسينها للقتال السريع والرد الحاسم على أي عدوان».

يقرأ  وزير الدفاع الألماني يحذّر من «فخّ التصعيد» الذي تنصبه موسكو

في المقابل لا تزال القنوات الدبلوماسية مفتوحة في محاولة لخفض التصعيد.

ما هي الجهود الدبلوماسية الجارية؟
تركيا
وصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى إسطنبول لإجراء مباحثات رفيعة المستوى مع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان والرئيس رجب طيب أردوغان. وصرح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بغائي أن طهران تسعى «تعزيز علاقاتها مع الجيران باستمرار على أساس المصالح المشتركة». تأتي هذه المحادثات في ظل تهديدات ترامب بالتدخل العسكري.

باكستان
جرى اتصال هاتفي بين عباس عراقجي ووزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار، حيث كرّر دار موقف إسلام آباد من احترام سيادة الدول ورفض التدخل في الشؤون الداخلية وإدانة «الإرهاب». وفي مكالمة منفصلة أكّد رئيس الوزراء شهباز شريف للرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان على التزام البلدين بتعزيز العلاقات الثنائية.

مصر
أفادت وزارة الخارجية المصرية أن وزيرها بدر عبد العاطي تحدث بشكل منفصل مع عباس عراقجي والمبعوث الأمريكي الخاص إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، سعياً إلى «إحراز هدنة وتفادي انزلاق المنطقة نحو دورات جديدة من عدم الاستقرار».

السعودية ودول الخليج
أجرى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مكالمة مع الرئيس الإيراني وأكد أن المملكة «لن تسمح باستخدام أجوائها أو أراضيها لأي إجراءات عسكرية ضد إيران أو لأي هجمات من أي طرف كان». وقدمت الإمارات تعهدات مماثلة بعدم السماح باستخدام أراضيها أو أجوائها لشن ضربات على إيران.

الهند
زار نائب مستشار الأمن القومي الهندي بافان كابور طهران لعقد لقاءات مع أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني ونائب الشؤون الدولية علي باقري كاني. وفي سياق متصل صوتت الهند الأسبوع الماضي ضد قرار لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة يدين إيران على خلفية قمع المتظاهرين؛ إذ صوّت لصالح القرار 25 عضواً، وامتنع 14، وعارض 7 دول من بينها الهند والصين وفيتنام وكوبا.

يقرأ  الهوس بشراب السعال في الهند

الصين
بجانب معارضتها لقرار المجلس، أعربت الصين عن دعمها لإيران في مداخلات أمام الأمم المتحدة. وقال فو كونغ، الممثل الدائم للصين لدى المنظمة، خلال مناقشة علنية للملف الإقليمي: «إن اللجوء إلى القوة لن يحلّ المشكلات، وأي مغامرة عسكرية ستدفع بالمنطقة نحو هاوية لا يمكن التنبؤ بها»، ودعا جميع الأطراف إلى احترام ميثاق الأمم المتحدة ورفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وحث الولايات المتحدة والجهات المعنية على الاستجابة لنداءات المجتمع الدولي والدول الإقليمية والقيام بما يعزز السلام والاستقرار بدلاً من تأجيج التوترات.

روسيا
أعلنت روسيا يوم الخميس أن ثمة مجالاً للتفاوض بين واشنطن وطهران، ودعت جميع الأطراف إلى ضبط النفس ورفض استخدام القوة كوسيلة لحل الخلافات.

الجهود الدبلوماسية مستمرة على أكثر من مسار؛ ومع ذلك تظل مقاربة الحسم العسكري مطروحة من قبل بعض الأطراف، ما يجعل مستقبل الهدوء الإقليمي مرهوناً بتوازن دقيق بين الضغوط العسكرية والدبلوماسية. «من الواضح أن إمكانات التفاوض لم تُستنفد بعد… يجب أن نركز بالدرجة الأولى على آليات التفاوض»، قال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف للصحفيين.

«أي إجراءات قسرية لا يمكن أن تنتج سوى فوضى في المنطقة وتؤدي إلى عواقب خطيرة للغاية من شأنها زعزعة منظومة الأمن على امتدادها».

ماذا عن الغرب؟
زعماء الغرب ركزوا إلى حد كبير على إدانة حملة القمع التي شنتها ايران على المتظاهرين هذا الشهر، وغاب عنهم إصدار مواقف حاسمة بشأن احتمال اندلاع حرب وشيكة بين إيران والولايات المتحدة.

في 25 يناير قالت وزيرة الجيوش الفرنسية أليس روفو لوسائل الإعلام المحلية إنه، بينما تريد فرنسا دعم الشعب الإيراني، «التدخل العسكري ليس الخيار المفضّل».

وأضافت أنه «من حق الشعب الإيراني أن يتخلص من هذا النظام».

لكن ذلك كان ربما أقرب ما اقتربت إليه دولة أوروبية من معارضة خطط ترامب العسكرية. ففي حين كانت السلطات الإيرانية منخرطة الخميس في مساعٍ دبلوماسية مع جيرانها الإقليميين، اعتمد المجلس الأوروبي عقوبات جديدة طالت 15 شخصية و6 كيانات.

قال المجلس في بيان إن هذه القيود فُرضت ردًا على «انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في ايران، عقب القمع العنيف للاحتجاجات السلمية، بما في ذلك استخدام العنف والاحتجاز التعسفي وتكتيكات الترهيب من قبل قوات الأمن ضد المتظاهرين».

يقرأ  هل تحوّلت إسرائيل إلى محور انقسام في أوروبا؟غزة

كما صنف الاتحاد الأوروبي الحرس الثوري الإسلامي (IRGC) كـ«منظمة إرهابية».

وكانت الولايات المتحدة وكندا وأستراليا قد أدرجت الحرس الثوري على قوائم المنظمات الإرهابية في أعوام 2019 و2024 و2025 على التوالي.

كتبت كاجا كالاس، نائبة رئيس المفوضية الأوروبية، على منصة X يوم الخميس: «أي نظام يقتل آلافًا من شعبه يعمل نحو زواله».

وكتب وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو يوم الأربعاء على X أن «فرنسا ستدعم إدراج الحرس الثوري الإسلامي في قائمة المنظمات الإرهابية للاتحاد الأوروبي».

مثّل هذا تحوّلًا في سياسة باريس، التي كانت تجادل سابقًا بأن عقبات قانونية وإجرائية تمنع الاتحاد من تصنيف الحرس الثوري كمنظمة إرهابية.

وانتقدت القيادة الإيرانية بشدة قرارات الاتحاد الأوروبي.

وكتب علي باقري-كنيغشي (عراقجي) على وسائل التواصل الاجتماعي: «بعيدًا عن نفاقها الصارخ وغضبها الانتقائي — عدم اتخاذ أي إجراء ردًا على ما تجريه إسرائيل في غزة وفي المقابل التسرع لـ‘الدفاع عن حقوق الإنسان’ في إيران — فإن استعراض العلاقات العامة الأوروبي يهدف أساسًا إلى تمويه أمرٍ واحد: أنها فاعل في انحدار حاد».

مع تجدد تهديدات ترامب بالتدخل العسكري يوم الأربعاء، قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس إن «أيام النظام معدودة».

«نظام لا يستطيع أن يبقى إلا عبر العنف والرعب ضد شعبه: أيامه معدودة»، قال ميرتس في مؤتمر صحفي مع رئيس وزراء رومانيا إيلي بولويان.

«قد يكون الأمر مسألة أسابيع، لكن هذا النظام لا يملك شرعية لحكم البلاد».

هل يمكن للدبلوماسية أن تنجح؟
يرى الخبراء أن الدبلوماسية من المرجَّح أن يكون لها تأثير محدود عند محاولة تهدئة التوترات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران.

قال عدنان هياجنة، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة قطر، إن دعوات خفض التصعيد من الجهات الإقليمية من غير المرجح أن تُلعب دورًا رئيسيًا في التأثير على قرارات الولايات المتحدة بشأن توجيه ضربة لإيران.

«[ترامب] لا يهتم فعلًا بالفاعلين الإقليميين»، قال. «في نهاية المطاف، هو يستمع إلى نفسه.»

أضف تعليق