إنها أكبر حرب تشهدها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، كما أنها أخطر حرب لحقت بروسيا منذ ذلك الصراع. وقد أعادت تشكيل الاقتصاد العالمي، بينما تواجه موسكو أقسى عقوبات واجهها أي بلد في التاريخ الحديث.
الناس
أرقام الضحايا — قتلى وجرحى ومن قد يصابون بعجز — تتباين تفاوتًا كبيرًا، مع تقديم كل من روسيا واوكرانيا أرقامًا تميل إلى تضخيم خسائر الخصم وتقليل خسائرها الخاصة. ومع ذلك، تعطي الأرقام المتباينة مؤشرًا على حجم الدمار والوفيات.
تُقدَّر الخسائر العسكرية الروسية خلال الحرب بنحو مليوني ضحية إجماليًا. وذكرت الأركان العامة الأوكرانية أن نحو 418,000 من القوات الروسية قُتلوا أو جرحوا عام 2025، ما رفع إجمالي خسائر روسيا في الحرب إلى نحو 1.25 مليون. واتفقت مؤسسة دراسات استراتيجية شهرية مع هذا التقدير تقريبًا، مُقدرَةً أن روسيا تكبدت نحو 1.2 مليون خسائر عسكرية (بما في ذلك ما لا يقل عن 325,000 وفاة) من بدء الغزو الشامل في 24 فبراير 2022 وحتى ديسمبر 2025، فيما أضافت أوكرانيا نحو 31,680 خسائر روسية في يناير 2026.
وصفت المؤسسة هذه الأرقام بأنها استثنائية، قائلة إنه منذ الحرب العالمية الثانية لم تُسجَّل للخلافات الكبرى خسائر بهذا القدر. من جهته، أعلن الرئيس فولوديمير زيلينسكي في وقت سابق من الشهر أن 55,000 جندي أوكراني قُتلوا في مجمل الحرب. وتقدر المؤسسة نفسها أن أوكرانيا تكبدت ما يصل إلى 600,000 خسائر عسكرية، من بينها نحو 140,000 وفاة. لا تستطيع الجزيرة التأكد من دقة تقديرات أي من الطرفين بشكل مستقل.
ترى أوكرانيا أن معدلات الوفيات الروسية على خطوط الجبهة ترتفع إلى مستويات لا يمكن للآلية الحالية للتجنيد الطوعي تحملها. وأفاد زيلينسكي في أوائل يناير بأن “في ديسمبر، تم القضاء على 35,000 من المحتلين — وقد تم تأكيد ذلك بمواد مرئية”، مقارنةً بـ30,000 في نوفمبر و26,000 في أكتوبر. وتؤكد مؤسسة الدراسات أن الخسائر الروسية في ازدياد عبر مجمل الحرب. من بين التفسيرات المحتملة لارتفاع الخسائر: فشل روسيا في قيادة حرب مشتركة فعالة، وتكتيكات وتدريب ضعيفان، وفساد، وانخفاض الروح المعنوية، واستراتيجية أوكرانيا الفعّالة في الدفاع عميقًا في أراضيها، وهي حرب تُعطِي الأفضلية للدفاع.
تكبدت أوكرانيا أيضًا خسائر كبيرة في صفوف المدنيين. ترى بعثة رصد حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في أوكرانيا أن 15,168 مدنياً أوكرانياً قُتلوا و41,534 جُرحوا خلال أربع سنوات من الحرب الشاملة، مع تصاعد الخطر على المدنيين وجعل عام 2025 السنة الأكثر دموية حتى الآن. وأفادت مجموعة مفتوحة المصدر أن ما لا يقل عن 2,919 مدنياً قُتلوا و17,775 جُرحوا في 2025، معظمهم جراء ضربات الطائرات المسيرة الروسية وأنشطة في المناطق التي تحتلها روسيا، مشيرة إلى ارتفاع مقارنة بعام 2024.
إلى جانب الخسائر البشرية، فقدت أوكرانيا نحو ربع عدد سكانها قبل الحرب الذي كان يقارب 42 مليون نسمة. قدّرَت الحكومة في 2023 أن نحو خمسة ملايين شخص يعيشون تحت الاحتلال الروسي. كما غادر البلاد نحو 5.9 مليون أوكراني، منهم 5.4 مليون إلى أوروبا، بحسب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. وتقول أوكرانيا أيضًا إن آلاف الأطفال نُقلوا قسراً من الأراضي المحتلة ليربّوا ويعاد تأهيلهم بحيث يصبحون “روسيين” — وتقدّر كلية الطب في ييل أكثر من 19,000 مخطوف، ولم يُعد من بينهم سوى 1,238 طفلاً رغم المناشدات المتكررة.
الأراضي
في ذروتها خلال مارس 2022، كانت روسيا تسيطر على نحو 26% من مساحة أوكرانيا، شاملاً شبه جزيرة القرم التي استولت عليها روسيا في 2014 وأجزاء واسعة من إقليمي لوهانسك ودونيتسك حيث تصارع قوات انفصالية موالية لروسيا صفوف كييف منذ 2014. في الشهر التالي، دفعت أوكرانيا القوات الروسية إلى الوراء في سلسلة مدن شمالية — كييف، خاركيف، سومي وتشيرنيهيف — مما ترك موسكو تسيطر على نحو 20% من البلاد.
في أغسطس وسبتمبر 2022 قاد القائد الأرضي آنذاك، أوليكسندر سيرسكيي، حملة دفعت روسيا شرق نهر أوسكِل بمنطقة خاركيف الشمالية، وانسحبت قوات روسيا شرق نهر دنيبرو في الجنوب بمنطقة خيرسون، فباتت تحت سيطرتها نحو 17.8% من البلاد. خلال السنوات الثلاث التالية جمدت خطوط القتال إلى حد كبير: كافحت روسيا لتحقيق مكاسب إقليمية ذات بال، ومع ذلك حرّكت قواتها مواقعها تدريجيًا مع تحملها خسائر فادحة لرفع نسبة الأراضي المحتلة إلى نحو 19.3% بحلول ديسمبر 2025 — ما يعادل نحو 116,000 كيلومتر مربع.
المال
ارتفعت الإنفاقات العسكرية الروسية من أقل من 66 مليار دولار في 2021 إلى 102 مليار دولار في 2022 مع بداية الغزو الشامل، ثم إلى 109 مليارات دولار في 2023 بحسب معهد ستوكهولم لأبحاث السلام (SIPRI). وبعدها قفزت في 2024 إلى 149 مليار دولار، وفق نفس المصدر.
تتباين التقديرات بالنسبة لإنفاق روسيا العسكري في 2025: قال باحث ألماني إن الإنفاق بلغ 142 مليار دولار في الأشهر التسعة الأولى من العام، ما لو مُدَّ على مدار العام لكان قد فاق مستوى 2024. لكن اقتصاديًا آخر يرى أن الإنفاق الفعلي كان في طريقه للانخفاض بنسبة نحو 15% على مدار العام بسبب تخفيضات الميزانية في الربع الأخير، والعجز المتفاقم، وتراجع الإقراض المصرفي لقاعدة الصناعة الدفاعية. وذكر أن التمويل للحرب في 2025، بما في ذلك الإقراض الموجه من الدولة لصانعي السلاح، مهيأ للانكماش بنحو 15% ذلك العام. وتشير وثائق اطلعت عليها وكالة رويترز إلى أن موسكو مهيأة أيضاً لخفض الإنفاق الدفاعي بنحو 7% على الأقل في 2026.
كما ارتفع إنفاق أوكرانيا الدفاعي من 6.9 مليارات دولار في 2021 إلى 41 مليارًا في 2022، ثم إلى 65 مليارًا لكل من 2023 و2024 بحسب SIPRI، ورُفع ميزانيتها الدفاعية لعام 2025 في أكتوبر إلى رقم قياسي بلغ 71 مليار دولار. وقد مولت التحالفات هذه الزيادات، وبالأخص الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة اللتان قدَّمتا معًا أكثر من 300 مليار دولار كمساعدات عسكرية وميزانية لأوكرانيا منذ 2022.
بعد أداء دونالد ترامب اليمين كرئيس للولايات المتحدة في يناير 2025، تراجعت واشنطن عن 99% من دعمها، فانتقل العبء المالي إلى أوروبا. ومع ذلك، يظهر متتبع دعم أوكرانيا لدى معهد كيل أن الدعم ظل مستقرًا بعد انسحاب الولايات المتحدة لأن أوروبا زادت مساهمتها بما يقرب من ثلثيِ الزيادة؛ ففي العام الماضي قدّمت أوروبا نحو 70 مليار دولار كمساعدات عسكرية ومالية لأوكرانيا، في حين تراجع ما قدمته الولايات المتحدة إلى 0.4 مليار دولار فقط.
للصراع تكلفة مالية إضافية على روسيا: نصف احتياطي المصرف المركزي من ذهب وعُملات أجنبية — نحو 300 مليار دولار — محتجز لدى مؤسسات مالية غربية، منها نحو 230 مليارًا في بلجيكا، ما جعل هذه الأصول مجمَّدة غير قابلة للسحب أو استثمار العوائد. وفي مايو 2024 قررت المفوضية الأوروبية تخصيص عوائد تلك الأصول لأوكرانيا، وتحديدًا 90% للمتطلبات العسكرية و10% لإعادة الإعمار. كما جمدت أوروبا أصولًا خاصة روسية إضافية بقيمة نحو 33 مليار دولار تعود لأفراد خاضعين للعقوبات.