لعائلات الروما التي تقطن في نيا زوي، الحي العشوائي قرب اسبروبيرغوس في اليونان، صار همس الطائرات المسيرة قبل الفجر جزءاً من أصوات حياتهم اليومية. مع بزوغ الفجر تحجب وحدات كلاب الشرطة والفرق التكتيكية الطرق الترابية الضيِّقة، وتشكل عناصر درع الشغب سياجاً حول الحي، ويقتحم ضباط مسلحون أبواب المساكن المؤقّتة، تحت غطاء ما يسمى بـ«النظام العام».
منذ أواخر 2025 تكررت هذه المشاهد بوتيرة تخيف الأنفس: ما لا يقل عن 76 مداهمة خلال ستة أشهر، شارك فيها 473 ضابطاً واستهدفت 152 تجمعاً رومياً في عموم اليونان. هذا يعني أن هناك أكثر من مداهمة أسبوعياً على مستوى البلاد. سجل المركز الأوروبي لحقوق الروما هذه الحملة كأوسع عملية شرطة ضد الروما منذ عقود، وتقدمها السلطات اليونانية كاستجابة تكتيكية للجريمة المنظمة. لكن نمط العنف البوليسي يحمل في طياته أمراً أخطر: تقاطعاً استراتيجياً بين ضبط الهجرة، أمن الحدود والشرطة المحلية يجرّم حياة الروما.
عند تفحص آليات ما سميَ بـ«عملية إنتوس» (من الداخل) ضمن سياق إجراءات مضادة للروما في أوروبا، يتبين أن اليونان ليست إلا طرف السكين في تحول سياساتي قاري يعامل الأقليات العرقية ليس كمواطنين، بل كمخاطر داخلية يجب إدارتها واحتواؤها ومحوها. أصبحت اثينا مختبراً لهذا التجربة الجديدة الخطرة في حوكمة أوروبية، وتقدم نموذجاً لسياسة شرطية وقائية تهدد حقوق المجتمعات المهمشة في الاتحاد الأوروبي وخارجه.
نموذج «الشرطة الوقائية»
اللغة التي تعتمدها السلطات مغلفة بعناية لتفادي الرقابة القانونية. لن تجد كلمة «روما» في بيانات الشرطة الرسمية عن عملية إنتوس؛ بدلاً منها يتحدث المسؤولون عن «مجموعات اجتماعية متجانسة» و«بؤر اللاشرعية». يتيح هذا الالتفاف البيروقراطي للدولة الالتفاف على قوانين مكافحة التمييز بينما يتم استهداف أحياء محددة صراحة. ليست هذه بدعة يونانية؛ إنها حيلة تشريعية تتكرر: كما جنّمت سلوفينيا «التجمعات غير القانونية» مستهدفةً أحياء الروما بشكل شبه حصري، وكان مرسوم أمني في إيطاليا يستهدف نساء رومن وبدون مأوى. اليونان نفذت نسخة موسّعة من ذلك. المصطلحات المحايدة تُستعمل لتقشير الاستهداف العرقي بلباس «النظام العام»، فتبنى بذلك بنية قانونية لعقاب جماعي يُفترض أنها معصومة من تهمة التمييز.
اندماج الحدود مع الداخل
في أوروبا يتلاشى الخط الفاصل بين الشرطة الداخلية وإنفاذ قوانين الحدود، وتسارع هذا التلاشي بفعل «ميثاق الهجرة» للاتحاد الأوروبي الذي اعتمد في 2024 ودخل حيز التنفيذ في يونيو 2026. هذا التشريع يُسرّع من اتجاه قائم سابقاً عبر دمج إجراءات اللجوء مع عمل أجهزة الأمن المحلية، مما ينقل «منطق الحدود» إلى داخل الدول، ويقرب نموذج عمل الشرطة من أنشطة وكالات مثل ICE في الولايات المتحدة.
الروما والأقليات الممثلة عرقياً يجدون أنفسهم مجدداً في خط النار: أطراف أحياء ذات أغلبية رومانية تُعامل كالحدود الداخلية، تتعرّض لنفس المراقبة العسكرية، والعقوبات الجماعية والتهجير السريع التي كانت مخصّصة في السابق للمهاجرين عند حدود القارة. طائرات مسيرة تحوم فوق أطفال يلعبون في الشوارع؛ مداهمات فجرية دون مذكرات تفتيش فردية؛ كلاب مسعورة تُسحب بأحزمة لتهديد العائلات — كانت كل هذه تكتيكات تقتصر على الحدود، لكنها صارت الآن إجراءً معيارياً في أحياء الروما اليونانية. العملية تستعين حتى بتجنيد «حراس خاصين» من داخل المجتمعات نفسها للمساعدة في جمع المعلومات، استراتيجية مسروقة من كتب الاستعمار تفرّق النسيج الاجتماعي وتدفع السكان الأكثر هشاشة للتجسس على جيرانهم وأقاربهم.
استخدام «الجريمة» لتبرير العنصرية
التبرير المعلن لعملية إنتوس، بحسب وزير حماية المواطن ميخاليس خريسوخويديس، هو «منع ومكافحة الجريمة من دون التسامح مع مناطق خاصة خارج نطاق القانون». الجملة التي تكررت في كل بيان صحفي بعد مداهمة حي روماني كانت: «تمت عمليات شرطية مستهدفة بهدف تعزيز إحساس الأمن لدى المواطنين ومنع ومكافحة الجريمة».
تلك الخطابية حول «مكافحة الجريمة» عملت كقناع ملائم وخطير للحملات المعادية للروما في أوروبا منذ قرن. من إجبار المسافرين في فرنسا (1912–2017) على حمل بطاقات هوية خاصة، إلى اختلاق النازية للروما كـ«عنصر مجرم غير اجتماعي» لتبرير الإبادة، النمط نفسه يتكرر. السياسيون المعاصرون يكملون هذا الإرث: من «طوارئ الرحّل» الإيطالية في 2008 التي علّقت الحماية القانونية للروما باسم الأمن، إلى خطاب اليمين المتشدد في أنحاء أوروبا. هذه الخيوط التاريخية تتلاقى في اليونان عبر حملات شرطية واسعة ضد ما يزعم أنه «جريمة رومانية منظمة». تأطير أحياء الروما كبؤر «للاشرعية» يطبق أحد أقدم صور اللعب البغيض—مُحدَّث بالطائرات المسيرة والبيانات الضخمة.
المزج بين هوية الروما والجريمة ينتج سردية تقنّع القسوة البوليسية، الإخلاءات القسرية والسياسات الإقصائية كضرورات أمنية لا كاستهدافات عرقية غير قانونية. كما أن خطاب الجريمة يصبح أداة لتطهير فضائي: وصف مناطق سكنية ذات أغلبية رومانية كمناطق بلا قانون يوازي المبرر الذي استُعمل في أنحاء أوروبا لتفريغ أراضٍ من سكانها لصالح الاستثمارات والتحديث. يخدم هذا السرد «الأمني» غرضين: تعليقه الإجراءات القانونية لتسهيل الإخلاء الفوري، ومحو سكان مهمشين من المشهد الحضري لتمهيد الطريق للتجديد العمراني. منذ التسعينيات نفذت السلطات اليونانية عمليات «تنظيف» متكررة تضمنت إخلاءات قسرية بذريعة النظام العام، كثير منها لفتح المجال لمشاريع تنموية وبنى تحتية، ومرافق رياضية، وحتى للألعاب الأولمبية في أثينا.
قبل أن يصبح معياراً
ما يجعل عملية إنتوس مقلقة بشدة، بخلاف حجمها ووحشيتها، هو غياب الرقابة الدولية. حتى الآن تكاد تغيب التغطية الملموسة باللغة الإنجليزية لهذا الحملة الممنهجة. يمتلك المركز الأوروبي لحقوق الروما وحده مجموعة بيانات شاملة للمداهمات، جُمعت ليس من حكومة أو مؤسسة دولية، بل من نشطاء محليين وتحليل دقيق لبيانات الشرطة.
وفي الوقت نفسه، الصمت من بروكسل يثير القلق. مع دفع الاتحاد نحو تشديد السيطرة على الحدود، يبدو أنه يغض الطرف عن استعمال هذه السياسات كسلاح ضد مواطنيه. إن استمرّت هذه الحملة من دون إدانات، كما يبدو أنها ستفعل، فستكوّن نموذجاً خطيراً قد يتكرر في أنحاء القارة.
كلمة «فاشية» قد تُستعمل اليوم بخفّة أحياناً. لكن عندما تستعمل الدولة احتكارها للعنف لتصرّف مواطنيها كغزاة في بيوتهم على أساس العرق، فهي تتجاوز خطاً أخلاقياً وقانونياً. سواء سُمّي هذا الانحراف استبدادياً أو بشيء أكثر سواداً، فالنهاية واحدة: تطبيع فكرة أن بعض الأرواح قابلة للتصريف، والقبول بمعيار مقلق يقود نحو سياسات مناهضة للديمقراطية. في مثل هذه اللحظات، الصمت ليس مجرد تواطؤ بل إهمال جسيم. ثمن التغاضي الآن سيكون باهظاً على ديمقراطياتنا لاحقاً، عندما تمتد هذه التكتيكات لتطاول مزيداً من الناس في مجتمعنا. بالنسبة للروما في نيا زوي باسبروبيرغوس، الطائرات والكلاب ستعود. يعود الأمر إلينا كي نضمن هذه المرّة أن هناك من يراقب، وأن لا تُترك الأمور دون محاسبة وإجرءات عادلة.