أرقام عبور الحدود ليست مقياساً دقيقاً للهجرة
أجمع عدد من الخبراء الذين تحدّثوا إلى وكالة فرانس برس على أن أرقام “الوصولات والمغادرات الخارجيّة” لا تعكس بدقة تدفّق الهجرة إلى أستراليا، خلافاً لما ورد في تصريحات مذيع إذاعي وداخل دوائر يمينية ادّعت وجود «انفجار» في أعداد القادمين خلال فترة الحكومة الوسطية اليسارية الحالية. تُحصي بيانات مكتب الإحصاء الأسترالي عدد عمليات عبور الحدود — أي كل دخول وخروج — ولا تميّز بين زائرٍ مؤقت ومهاجر دائم، كما أوضح المكتب بشكل منفصل.
ادّعى مذيع إذاعي شهير في سيدني أن أكثر من 1,500 شخص يصلون إلى أستراليا يومياً، مستنداً إلى عملية طرح بين «الوصولات الدائمة وطويلة الأمد» و«المغادرات الدائمة وطويلة الأمد» للفترة من يناير إلى يونيو 2025 ثم قسم النتيجة على عدد الأيام، فحصل على معدل يقارب 1,544 شخصاً يومياً. لكنّ المكتب أكد في بيان أن استخدام بيانات الوصولات والمغادرات قد يؤدي إلى استنتاجات خاطئة حول الهجرة.
لماذا البيانات مضلّلة؟
– بيانات الوصولات والمغادرات (OAD) هي عدّ لعبور الحدود، لا عدّ للمهاجرين. تُستخدم هذه الأرقام لفهم أنماط حركة المسافرين، كسياحة ومواسم السفر، لا لقياس تغيير السكان.
– شخص يعيش في أستراليا بتأشيرة مؤقتة ويسافر خارجها عدّة مرات خلال سنة قد يُحتسب عدة مرات كوافد طويل الأمد في سجل OAD، بينما لا يُحتسب مهاجراً ما لم يبقَ داخل البلاد 12 شهراً أو أكثر خلال فترة 16 شهراً (المعيار المستخدم لإضافة شخص إلى عدد السكان كمهاجر).
– تاريخياً، كان صافي التحركات الدائمة وطويلة الأمد وفق OAD أعلى باستمرار من صافي الهجرة الخارجية الفعلي الذي يعلن عنه مكتب الإحصاء.
الأرقام الرسمية والمشهد الأوسع
أعلن مكتب الإحصاء في يونيو أن صافي الهجرة الخارجية للسنة المنتهية في ديسمبر 2024 بلغ 340,800 شخصاً — ما يقارب 933 شخصاً يومياً. بيانات 2025 حول الهجرة لم تُنشر بعد، وقد جدّدت المؤسسة أن الإصدار التالي مقرّر في 18 سبتمبر. من جهة أخرى، أشارت مراكز بحثية حكومية إلى أن عبور الحدود قد يكون مؤشّراً مبكراً لتدفّقات الهجرة المستقبلية، لكنّ ذلك لا يغيّر حقيقة أن OAD ليست مقياساً نهائياً للهجرة.
آراء الخبراء
قال بيتر ماكدونالد، أستاذ الديموغرافيا المتقاعد، إن مكتب الإحصاء توقف منذ أكثر من عشرين عاماً عن استخدام صافي أرقام الوصولات الدائمة وطويلة الأمد كمقياس للهجرة لأنها مضلّلة. وشرح أن فتح الحدود بعد إغلاق جائحة كوفيد خلق تراكم طلبات: طلاب دوليون وعاملون مؤقتون وسياح عمل (working holiday) الذين كانوا محظورين عن الدخول عادوا دفعة واحدة، ما أنتج ارتفاعاً مؤقتاً في أرقام الوصولات. بالتالي من المتوقَّع أن ترتفع مغادرات هؤلاء في السنوات التالية وينخفض صافي الهجرة.
وأضاف أن كثيراً من النقاش يدور حول المهاجرين المؤقتين، في حين أن برنامج الهجرة الدائمة لأستراليا ظلّ متوازناً تقريباً عند نحو 190,000 وظيفة سنوياً خلال خمسة عشر عاماً شملت حكومات يسارية ويمينية على حد سواء.
التحريض والواقع الاقتصادي
حذّرت خبيرة الهجرة كارين بلوك من أن التركيز على بيانات OAD يتحول إلى طُعم سياسي لتصويب أصابع الاتهام نحو المهاجرين فيما يتعلق بأزمة الإسكان وتكاليف المعيشة. وأكدت أن قطاعات كثيرة، خصوصاً التمريض والرعاية الصحية، ما تزال تعتمد بشدّة على العمالة المهاجرة، وأن تبسيط المشكلة بإلقائها على المهاجرين لا يضيء على الأسباب الحقيقية والمعقّدة.
التدقيق الصحفي
قامت وكالات تدقيق الحقائق والمؤسسات الإعلامية الأسترالية، بينها Australian Associated Press وAustralian Broadcasting Corporation، بفحص هذه الادعاءات وبيّنت أن تفسير أرقام OAD على أنها صافي هجرة يومية يُعدّ تحريفاً للوقائع. كما نشرت وكالة فرانس برس فحوصات سابقة لنماذج مضلّلة متعلقة بسياسات الهجرة في أستراليا.
الخلاصة
أرقام الوصولات والمغادرات تعد مؤشراً لحركة المسافرين عبر الحدود وليست مقياساً مباشراً للهجرة الدائمة. لفهم التغيّر السكاني بدقّة، يجب الاعتماد على تعريفات ومناهج مكتب الإحصاء التي تتطلب إقامة 12 شهراً أو أكثر خلال فترة 16 شهراً، ومتابعة بيانات صافي الهجرة المنشورة رسمياً بدل الاستناد إلى حسابات مبسّطة قد تسيء التمثيل. الحديث السياسي والاجتماعي حول الهجرة يحتاج إلى سياقات أوسع لتجنّب تحريف النقاش أو تحويل المهاجرين إلى كبش فداء.