زيارة البابا ليو تكشف خيوط السياسة الإسبانية المتشابكة بين الدين والهجرة

مع ختام زيارة البابا ليو الرابع عشر إلى إسبانيا، بدت الأكثر حماسةً نظرياً لاستقبال زيارة بابوية — حزب فوكس اليميني المتشدد بقيادة سانتياغو أباكال — الأكثر إحراجاً. إذ يعتبر فوكس الكاثوليكية علامة أساسية للهوية الإسبانية، لكن زيارة البابا كشفت التوتر بين هذا التعريف وتعاليم الكنيسه بشأن المهاجرين والحرب وكرامة الإنسان.

في كلمته أمام البرلمان الإسباني يوم الاثنين لم يبدُ البابا وكأنه يساند سياسات أباكال، مهما ادّعى الأخير من تشدده الكاثوليكي. مستحضراً مدرسة سالامانكا، حركة القرن السادس عشر التي دافع علماؤها عن حقوق وكرامة الشعوب الأصلية في الأمريكيتين ضد منطق الغزو، استدعى البابا تقليداً كاثوليكياً يقوِّم السلطة بمدى معاملتها للضعفاء. وفي بلد تهزه اليوم سياسات الهجرة، لم يكن لدى أحد شك في أن التاريخ المشار إليه يقصد بوضوح نقد نوع السياسات الراهنة.

يمثل فوكس الوجه السياسي الذي ندد به البابا: دعا الحزب إلى ترحيل جماعي أعاد تسميته بـ«العودة»، شمل من دون وثائق وبعض أبناء المهاجرين الذين وُلدوا في إسبانيا، ومن يتهمهم أباكال بالاعتماد على الإعانات العامة أو بالامتناع عن التكيف مع العادات الإسبانية، كما عارض وصول القاصرين المهاجرين غير المصحوبين. زار البابا جزيرة غراند كناريا ليلتقي بمن خاطروا بحياتهم على طريق الهجرة عبر الأطلسي من أفريقيا إلى أوروبا؛ أعلنت المنظمة الدولية للهجرة أن 1,214 شخصاً على الأقل قضوا أو فقدوا أثناء محاولتهم الوصول إلى جزر الكناري العام الماضي، وتقدّر منظمات غير حكومية الحصيلة بأرقام أعلى بكثير. موقف البابا الواضح من معاناة طالبي اللجوء والمهاجرين وضعه سلفاً في حالة احتكاك مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي يُعجب بها أباكال. بالمقابل، كان لدى رئيس الحكومة بيدرو سانشيز، الذي فتحت حكومته مؤخراً مساراً لتسوية أوضاع ما لا يقل عن 500,000 مهاجر وطالب لجوء بلا وثائق، مبرر كافٍ للترحيب بالزيارة.

يقرأ  من هما جوليان كوينونيس وراؤول خيمينيز؟اللذان سجلا هدفي مباراة افتتاح المنتخب المكسيكي — كأس العالم ٢٠٢٦

لفهم سياق زيارة البابا ليو، لا بد من تذكر أن إسبانيا ليست ذات الطابع الكاثوليكي الذي كانت عليه قبل جيل. سجَّل المعهد الاحتياطي للإحصاء أن نحو 68 في المئة من الإسبان عرفوا أنفسهم ككاثوليك قبل عقد؛ وبحلول ربيع 2025 انخفضت النسبة إلى 52.8 في المئة، مع 17.3 في المئة فقط يصفون أنفسهم بالممارسين. ومع ذلك، تشهد إسبانيا إحياءً مفاجئاً للهوية الكاثوليكية بين الجيل زد والشباب من الألفية الصغرى: حسب مسح مؤسسة SM «الشبان الإسبان 2026»، قفزت نسبة الشبان الذين يعرفون أنفسهم ككاثوليك من 31.6 في المئة إلى نحو 45 في المئة خلال خمس سنوات، مع تزامن هذا التحول مع انحراف حاد نحو اليمين بين الناخبين الشباب.

خاطب البابا هذا المشهد الجديد بشكل مباشر. ففي قداس علني الأحد الماضي في مدريد، حضره أكثر من مليون شخص، رسم الحبر الأعظم خطاً فاصلاً بين القيم المسيحية وسياسات اليمين المتطرف حين قال للحشد: «لا أحد يركع أمام الرب ويحتقر أخاه».

لا بد أن أباكال وفوكس وهؤلاء الناخبين الشباب المحافظين لاحظوا أن أجندة البابا السياسية ليست متعاطفة مع سياساتهم. ولهذا السبب، بعد خطاب الحبر الأعظم أمام البرلمان قال زعيم اليمين المتطرف إن «علينا التمييز بين الخطب والسياسات العملية. هذه كلمات متوقعة من زعيم ديني». ورغم محاولته التقليل من أثر رسالة البابا، فإن أباكال يدرك أن الدفاع عن النسخة التي يقدمها حزبه من القيم المسيحية يزداد صعوبة. وهجوم الحزب الأخير على أساقفة إسبانيا بسبب دعمهم لعفو المهاجرين دفع البابا إلى التحذير من توظيف الكنيسة لأغراض سياسية.

قد يهدد كل ما سبق نتائج الانتخابات العامة المقررة العام المقبل. يعيد فوكس بناء تحالفاته الإقليمية مع حزب الشعب المحافظ (PP)، وهو ما تجلى في اتفاقات PP-فوكس في إكستريمادورا وأراجون وكاستيا وليون، ويأمل أن ينقل هذا الشراكة إلى مستوى السلطة الوطنية إذا فاز حزب الشعب كما تتوقع الاستطلاعات. ومع استمرار تحالف الحزبين، بما في ذلك تبني سياسة «الأولوية الوطنية» ذات الطابع اليميني المتطرف التي تفضّل الإسبان على المولودين في الخارج في السكن والإعانات، قد يبدأ حزب الشعب أيضاً بفقدان جزء من الأصوات الكاثوليكية التي اعتمد عليها طويلاً.

يقرأ  قطر للطاقة: هجمات إيران تخفض قدرة قطر على إنتاج الغاز الطبيعي المسال بنسبة 17٪ وقد تستمر آثارها حتى خمس سنواتأخبار تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران

على جبهتي الهجرة والحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، بدا البابا وسانشيز متوافقين: وصف البابا الحرب بأنها «غير عادلة» واعتبرها رئيس الحكومة «غير قانونية». لكن إن كان اليمين المتطرف غير راضٍ عن هذه الزيارة، فلا ينبغي للحزب الاشتراكي أن يفترض أنه وجد حليفاً في البابا الأمريكي. فالكنيسة تلعب لعبة أطول وأكثر حذراً من السياسيين الحزبيين، وكانت عبر القرون ميالة إلى التسوية، وهو غريزة خدمت مصالحها. ثم ثمة حسابٌ أعمق: مع تراجع المسيحية في أجزاء من العالم وانخفاض نسبة ممارسيها ضمن السكان العالميين، يتحول مركز الثقل إلى الجنوب العالمي — وهي المناطق التي تأتي منها غالبية الهجرة إلى أوروبا؛ لذلك ترتبط دفاعات الكنيسة عن المهاجرين ليس فقط بالمبدأ، بل بمستقبلها أيضاً. والمبدأ أمر، والاصطفاف السياسي الفعلي أمر آخر.

في معظم القضايا الأخلاقية، مثل مسألة الأسرة والإجهاض، لا تزال الكنيسة أقرب إلى مواقف فوكس منها إلى الحزب الاشتراكي؛ وهذا لن يتبدل لأن هذه المواقف تستند إلى العقيدة والوحي لا إلى الارتياح السياسي. لذلك، تبقى أفضل حظوظ سانشيز في التقارب التكتيكي مع الحبر الأعظم، واستغلال لحظة مواتية لفصل تصويت الكاثوليك التقدميين عن التقليديين. وفي «إسبانيا الأكثر كاثوليكية» المتخيلة تاريخياً، يعد هذا بالفعل نتيجة كبيرة.

ومن اللافت أنه في زمن لم تعد فيه المشاعر الدينية عملة مشتركة، تظل الكنيسة الكاثوليكية مركزية في النقاش السياسي، خصوصاً في بلد مثل إسبانيا حيث لا تزال الدين يشكّل جزءاً من الهوية السياسية. وفي عالم تعجز السياسة فيه عن منح معنى مشترك للحياة، وتخاطب أفراداً مُقتلعين غالباً ما يربطهم خوف عابر، ما زالت الكنيسة تقدم إحساساً قديماً بالجماعة. ولهذا يسعى السياسيون المتنازعون إلى استرضاء بابا يرفض أن يتكلم كأحدهم، ولهذا كانت كلماته في مدريد لا محالة سياسية.

يقرأ  غارة بطائرة إسرائيلية مسيّرة تقتل طفلين أثناء جمع الحطب في غزة أخبار الصراع الإسرائيلي الفلسطيني

الآراء الواردة هنا للمؤلفين ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

أضف تعليق