نيويورك — فصلت بين آخر هدفين لها في كأس العالم والهدفين اللذين سجّلتهما ضد المغرب يوم الأربعاء فاصل زمني امتد خمسةً وخمسين؟ لا، اثنان وخمسون عاماً — عمرٌ كامل لمورييل لودفيل، التي شهدت انتظار فريقها ينعكس طوال حياتها.
جلست مورييل وسط منارات “ليتل هايتي” في نيويورك، حيث خيم الصمت على الحانات والمطاعم أمام شاشات العرض حتى انفجرت المباراة في فوضى متلاحقة: التعادل، ثم هدف، ثم تعادل آخر في شوط أولٍ شديد الاندفاع.
هوتي دخلت مواجهة المغرب وقد حُسم أمر خروجها من المجموعة بعد خسارتين أمام اسكتلندا والبرازيل في المجموعة الثالثة. رغم أن الفريق استقبل هدفين إضافيين، إلا أن النتيجة لم تذِر من بهجة اللحظة لمورييل.
كهدية عيد ميلاد لنفسها اشترت تذاكر لها ولأختها باربرا البرت، البالغة 41 عاماً، لمتابعة مباراة هايتي أمام البرازيل الأسبوع الماضي.
“لذلك كان لعودة هايتي إلى هذه المنصة العالمية معنى خاص بالنسبة لي،” قالت مورييل. “كل لحظة من هذه التجربة لها قيمتها، وإن انتهت بهدفين فقط، يظل الأمر ذو مغزى.”
أضافت السيدة ألبرت أن تجربة حضور المباراة أمام البرازيل جَسَّدت الفخر الذي شعر به كثير من المشجعين لمجرد رؤية هايتي تعود إلى مسرح كأس العالم.
“التمثيل كان رائعاً. نحن فخورون بمجتمعنا الهايتي. حضرنا بكثافة من أجلهم”، قالت.
وكانت نفس الحسّ بالفخر ظاهرة أيضاً في صالة يو بي إس أرينا في إلمونت، نيويورك، حيث يقيم ثاني أكبر تجمع هايتي في الولايات المتحدة، ويقدر عدد المقيمين الهايتيين هناك بنحو 113,000 حسب مكتب الإحصاء الأمريكي لعام 2024.
قبل ساعة من انطلاق مباراة هايتي والبرازيل اختفت الأعلام الهايتية من الأيدي. أمّا أعلام البرازيل، التي وزّعت بجانبها على الأبواب، فبقيت مرصوصة نصف مرصوصة على طاولات التوزيع.
امتلأت المدرجات البالغ سعتها نحو 19,000 مقعد — وهي شبه مباعة بالكامل — بآلاف المشجعين ذوي الباروكات، والقمصان الهايتية، والأعلام الملفوفة حول الأكتاف، مع قلة قليلة ارتدت أصفر وأخضر البرازيل. وسط بحرٍ من الأحمر والأزرق، كانت مود شوارز تلوّح بعلم هايتي وهي ترقص في المدرج برفقة عائلتها، رافعةً يديها في الهواء.
مود، صاحبة استوديو بيلاتيس البالغة 58 عاماً، التي هاجرت من هايتي إلى الولايات المتحدة عام 1990 بتأشيرة طالب، جاءت لتلتقط من أجواء كأس العالم قسطاً من الحماس. بينما حضر توأماها المباراة، اكتفت هي بتذكرة لمشاهدة العرض بقيمة عشرة دولارات.
“يا إلهي، كل عائلتي هنا”، قالت مود مشيرةً إلى الحشد حولها.
لكن ليس كل من تمنى الحضور استطاع ذلك. “لدي ابنة أخت رُفضت تأشيرتها مراراً للحضور إلى الولايات المتحدة”، أضافت.
تجربة مود تعكس قيوداً أوسع واجهت المشجعين الهايتيين: حظر سفر فرضته إدارة ترامب، بدأ في العام الماضي وتوسّع في يناير، منع بعض المنتسبين كالابنة من القدوم.
حتى اللاعبون تضرروا. لاعب الوسط الدفاعي وودنسكي بيير، المقيم في هايتي، لم يتمكن من السفر إلى الولايات المتحدة للالتحاق بالمنتخب إلا قبل عشرة أيام من مباراته الافتتاحية ضد اسكتلندا في 13 يونيو.
“هذه فعالية عالمية ولا يجب أن يُمنع الناس من دخول هذا البلد”، قال جان-مارك، البالغ 55 عاماً، لاعب سابق في دوري كرة القدم في لونغ آيلاند، مرتدياً قميص هايتي وباروكة مصبوغة بألوان الوطن. وُلد في الولايات المتحدة لأبوين هايتيين، وقضى جزءاً من طفولته في هايتي قبل أن يعود عام 1986 بعد سقوط نظام دوڤالييه الذي وصفه كثيرون بأنه ديكتاتوري.
مشاهدة هايتي تتنافس في البلد الذي عاش فيه عقوداً جعله يصف الحدث بأنه “حدث جلل لجميع الهايتيين”.
‘خوفٌ من عمليات المداهمة’
في فلاتبوش، الحيّ الباريوكي الذي يشتهر باسم ليتل هايتي، فتحت نادج فلوريموند أبواب مطعمها الكاريبي الهايتي “بونان” لكل مباراة لهايتي، لتقدّم لمن لم تتيَسَر لهم تذاكر الملعب فرصة الحضور من خلال شاشات العرض في المطعم.
قدمت إلى الولايات المتحدة وهي في السابعة من عمرها، وشوهدت آثار قلق الهجرة على كل أسرة هايتيّة تقريباً تعرفها. مشاهدة طريق هايتي في كأس العالم في بلد بنت فيه حياتها كانت لحظة محملة بالمعاني.
“أنا هايتيّة، وأنا أيضاً أمريكية”، قالت نادج. “الولايات المتحدة منحتني فرصاً وتعليماً والقدرة على إنشاء أعمال وتوفير وظائف. هايتي منحتني جذروها، قيمي، صمودي وثقافتي.” — هنا وقع سهو بسيط في كلمة “جذورها”.
“هذه تذكرة أن المهاجرين لا يضطرون لاختيار هوية واحدة على حساب الأخرى”، أضافت.
بالنسبة لنادج، التي ترعرعت وهي تسمع قصصاً عن ما لا تستطيع هايتي فعله أكثر من ما يمكنها تحقيقه، كان ظهور الفريق وحده في كأس العالم دليلاً كافياً.
“كان إثباتاً أننا ننتمي إلى الغرف والمناسبات التي غالباً ما يُستبعدنا منها”، قالت.
الاحتفالات في ليتل هايتي