على مدى أشهر، كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب يطلق عليه ألقاباً قاسية مثل «رجل مريض» وزعيم مخدرات غير قانوني. ومع ذلك، استقبله الثلاثاء نظيره الكولومبي غوستافو بيترو في البيت الأبيض في أول لقاء حضوري بينهما في واشنطن.
أثنى الزعيمان على اللقاء ووصفاه بالإيجابي والإنتاجي، مع إقرار متبادل بأن ثمة توترًا لا يزال قائمًا بينهما. في مؤتمر صحفي عقب الاجتماع، تجاوز بيترو الأسئلة المتعلقة بماضيه المتقلب مع ترامب، الذي اتهمه علنًا بانتهاكات لحقوق الإنسان، واعتبر اللقاء «اجتماعًا بين ندين مختلفين في طرائق التفكير».
قال بيترو: «لم يغير هو طريقة تفكيره، ولم أغير أنا طريقتي. لكن كيف تتم صياغة اتفاق أو ميثاق؟ ليس الأمر كما لو كنا إخوة توائم؛ إنه بين خصمين». من جهته وصف ترامب اللقاء بأنه كان «رائعاً» وقال للصحفيين من المكتب البيضاوي إنه يشعر بأن الأمور جرت بشكل جيد.
شملت محاور النقاش مكافحة تهريب المخدرات عبر الحدود والأمن في أميركا اللاتينية. وفيما يلي أهم ما يمكن استخلاصه من لقاء الثلاثاء:
– دفعة دبلوماسية خلف أبواب موصدة
طيلة العام الماضي اعتاد ترامب دعوة وسائل الإعلام لتغطية لقاءاته مع قادة أجانب، وغالبًا ما كان يعقد مؤتمرات صحفية في المكتب البيضاوي. هذه المرة اختلف الأمر؛ استمر الاجتماع ما يقرب من ساعتين كلها مغلقة أمام العامة، لكن كلا الزعيمين خرجا بتصريحات إيجابية نسبياً عن بعضهما البعض. نشر بيترو لاحقًا على وسائل التواصل صورة تذكارية موقعة من ترامب ومذكرة كتب عليها: «غوستافو – شرف عظيم. أحب كولومبيا»، كما أهداه نسخة موقعة من كتاب ترامب «فن الصفقة» مع عبارة «أنت عظيم».
– نقطة تحوّل في علاقة متوترة؟
تعود خلافات بيترو وترامب إلى الأيام الأولى من عهد ترامب الثاني؛ فقد اشتعلت المواجهة في أواخر يناير 2025 بسبب رفض بيترو قبول رحلات ترحيل من الولايات المتحدة احتجاجًا على انتهاكات مزعومة لحقوق المرحلين، ورد ترامب بتحذيرات من أنها تهدد «الأمن القومي». تواصلت تبادلات الاتهامات والانتقادات بينهما، منها إدانة بيترو لهجمات أميركية أودت بحياة أشخاص في البحر الكاريبي والمحيط الهادئ، واتهامه للعملية الأميركية في فنزويلا بأنها «اختطاف». وردت إدارة ترامب بالعقوبات وإلغاء تأشيرة بيترو، واتهامه بتساهل سمح لتهرُّب عصابات المخدرات. مع ذلك، بدا أن الاتصال الهاتفي في السابع من يناير واللقاء الحضوري الأخير يمثّلان نقطة تغيير في مسار العلاقة.
– الاتفاق على الاختلاف
رغم تلطيف الأجواء، حرص كل من ترامب وبيترو على إبراز الخلافات العميقة بينهما. تحدث ترامب من المكتب البيضاوي بعد توقيعه تشريعًا لإنهاء إغلاق حكومي، مشيرًا إلى أن العلاقة بينهما لم تكن ودية سابقًا لكنه أكّد أن اللقاء كان لطيفًا وسار بشكل جيد. أما بيترو فعَقَد مؤتمراً أطول في سفارة بلاده بواشنطن، واستعرض قضايا اختلف مع ترامب بشأنها؛ من دعم الولايات المتحدة لحرب إسرائيل في قطاع غزة، إلى السياسات المتعلقة بالطاقة المستدامة التي يصفها ترامب سابقًا بأنها «نصب». كما ضرب بيترو على وتر التاريخ الاستعماري والتدخلات الأجنبية في منطقتهم.
– إشارات رمزية ومحلية
جاءت هدايا ترامب الرمزية – صورة تذكارية وملاحظة موقعة ونسخة موقعة من كتابه – كمحاولات تهدئة رمزية ولقطف لحظات من الدبلوماسية الشخصية. من جانب بيترو، بدا المزاح حول صعوبة فهمه الإنجليزية وسيلة لتخفيف حدة التوتر الإعلامي.
– عمل جاد رغم الاختلافات
ترك اللقاء انطباعًا بأن هناك رغبة عملية لدى الطرفين في التعاون على قضايا ملموسة مثل مكافحة شبكات المخدرات العابرة للحدود وتعزيز الأمن الإقليمي، حتى وإن ظلت الخلافات الأيديولوجية والسياسية عائقًا أمام توافق كامل.
في المجمل، مثّل اللقاء خطوة عملية نحو إدارة الخلافات بين زعيمين يلتقيان عند تقاطعات مصالح ملموسة، مع الإقرار بأن المسافة بين مواقفهما الفكرية والسياسية لا تزال كبيرة. أخبر الصحفيين أنه من الضروري أن تتخذ دول أمريكا اللاتينية قراراتها بنفسها، حرة من أي «إكراه» خارجي. «نحن لا نعمل تحت ابتزاز»، قال ذلك في إشارة واضحة الى حملات الضغط التي يقوم بها ترامب.
نهج مغاير في مواجهة إنتاج المخدرات
من نقاط الخلاف الأساسية كان نهج جوستافو بيترو في مكافحة تهريب المخدرات. فكولومبيا تظل أكبر منتج للكوكايين في العالم، إذ تنتج نحو 68% من المعروض العالمي. استخدمت إدارة ترامب الحرب على تجارة المخدرات مبررًا لتنفيذ ضربات عسكرية مميتة في المياه الدولية وفي فنزويلا، رغم إدانة خبراء دوليين لتلك العمليات واعتبارها خرقًا للقانون الدولي. كما سحبت واشنطن تصنيف كولومبيا كشريك رئيسي في جهود مكافحة المخدرات الدولية.
أشار البيت الأبيض إلى أنه قد يعيد النظر في هذا القرار إذا اتخذ بيترو «إجراءات أكثر عدوانية» للقضاء على الكوكا وتقليص إنتاج وتهريب الكوكايين. لكن بيترو رفض أي محاولة لاتهامه باللين في مواجهة مهربي المخدرات، مؤكداً على عمليّات ضبط وصادرة وصفها بالتاريخية التي نفذتها حكومته، ومؤكداً أن لا إدارة كولومبية سابقة فعلت ما فعلته حكومته في هذا المضمار.
بدلاً من اعتماد نهج عسكري لتدمير محاصيل الكوكا — المكون الخام للكوكايين — شدد بيترو على أن برامجه الطوعية لم تكن أقل فعالية، وأنها نجحت في «دفع آلاف الفلاحين إلى اقتلاع النبتة بأنفسهم». وقال إن هناك طريقتين مختلفتين لفهم مكافحة التهريب: «واحدة وحشية وأنانية تعزز سلطة المافيا والمهرّبين، والأخرى ذكية وفاعلة».
ورأى أن التركيز الاستراتيجي يجب أن يكون على استهداف رؤوس شبكات المخدرات بدل معاقبة الفلاحين الفقراء بقتلع محاصيلهم بالقوة. «قلت لترامب: إن أردتم حليفاً في مكافحة المخدرات فالمطلوب هو ملاحقة كبار الزعماء»، قال بيترو.
لمسة ترامبية
مثل اللقاء يوم الثلاثاء منعطفًا آخر في علاقة ترامب المتقلبة مع زعماء العالم؛ فهو معروف بتغيّر مواقفه بسرعة. العام الماضي، على سبيل المثال، احتدّ خلافه مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في المكتب البيضاوي، ثم تلطّف معه بعد أشهر.
وتقترب كولومبيا من انتخابات رئاسية حاسمة في مايو، حيث ستسعى ائتلاف بيترو اليساري، «العهد التاريخي»، للدفاع عن الرئاسة أمام صعود اليمين المتطرف. ولا يحق لبيترو الترشح لفترة متتالية وفق القانون الكولومبي، لكن هناك تقديرات تفيد أن التهدئة مع ترامب قد تساعد ائتلافه على تجنّب انتقادات أمريكية قد تتحوّل إلى عبء انتخابي. فحتى وقت قريب كانت كولومبيا أكبر متلقٍ للمساعدات الأمريكية في أمريكا الجنوبية، والروابط التاريخية مع واشنطن تجعل قطعها مخاطرة سياسية.
ومع اعترافه بالفوارق مع ترامب خلال تصريحاته، أبدى بيترو في بعض المواقف وجهات نظر تتقاطع مع الرئيس الأمريكي. وكما فعل ترامب سابقًا، تساءل بيترو عن دور الأمم المتحدة في حفظ الأمن العالمي، قائلاً: «ألم تُظهر أنها عاجزة؟ أليس مطلوبًا إصلاح؟ هل هناك هيئة أسمى من الأمم المتحدة تجمع الإنسانية بشكل أفضل؟»
وعلى صعيد رمزي، امتنَع بيترو عن ارتداء قبعة «لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً» على نسختها الأصلية، بل شارك صورة لتعديل بسيط أدخله عليها: خط حاد بقلم تحديد أضاف حرفًا ليشمل الشعار كامل نصف الكرة الغربي، فحوّل العبارة إلى «لنجعل الأمريكيتين عظمتين مجدداً».