توضّحت رسالة السلطات الإيرانية تدريجياً: أنها تتهم دولاً أجنبية بالوقوف وراء موجة الاضطرابات المنتشرة في البلاد وبالمساهمة في إذكاء التوترات ميدانياً.
في يوم الاثنين، حوّل الرئيس مسعود بيزشكيان النقاش بعيداً عن تردّي الاقتصاد وقمع المعارضة صوب خصوم طهران الجيوسياسيين القدامى: اسرائيل والولايات المتحدة. على شاشة الإذاعة الحكومية IRIB قال إن «نفس الأشخاص الذين ضربوا هذا البلد» خلال الحرب التي شنّتها اسرائيل في حزيران الماضي، يحاولون الآن «تصعيد هذه الاضطرابات على خلفية الجدل الاقتصادي». وأضاف أنهم «دربوا بعض الأشخاص داخل وخارج البلاد؛ وأدخلوا بعضاً من الإرهابيين من الخارج»، متّهماً من يقف وراء الهجمات التي طالت سوقاً في مدينة رشت الشمالية وإحراق بعض المساجد.
يبدو احتمال تدخل خارجي مباشر لدعم المحتجين أنه يتصاعد يوماً بعد يوم، في ظل تكرار إشارات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إلى استعداده لشن ضربات. وفي تل أبيب قال وزير التراث من اليمين المتشدد أميخاي إلياهو في مقابلة مع إذاعة الجيش الأسبوع الماضي: «عندما هاجمنا في إيران خلال عملية “رايزنغ ليون” كنا على أرضها وعرفنا كيف نمهّد لعملية ضرب. أستطيع أن أؤكد لكم أن بعض عناصرنا يعملون هناك الآن»، من دون أن يذهب إلى حدّ القول إن عملاء إسرائيليين يسعون لتغيير النظام.
وعلى وسائل التواصل الاجتماعي هذا الشهر، اعترف وزير الخارجية الأمريكي السابق ومدير الـCIA السابق مايك بومبيو بوجود عناصر إسرائيلية تعمل داخل إيران، فكتب متمنّياً «سنة جديدة سعيدة لكل إيراني في الشوارع. وأيضاً لكل عميل من الموساد يمشي بجانبهم».
عدو إسرائيل
على الرغم من حروب إسرائيل مع سوريا واليمن ولبنان والدمار الهائل الذي ألحقته في غزة، تبرز إيران في أذهان كثير من الإسرائيليين بوصفها الأخطر من بين أعدائهم. يكرر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن طهران على شفير امتلاك أسلحة نووية وأنها تدعم خصوم إسرائيل في كل المنطقة. كما قال عالم السياسة الإسرائيلي أوري غولدبيرغ: «لا أدري إن كان نتنياهو إذ يدفع بهذا الخطاب أم أن المجتمع ككل؛ الإسرائيليون يائسون لأي مؤشر على وجود خطة كبرى توحّدهم ضد أي خصم يهدد بوجودهم».
لإسرائيل تاريخ طويل في العمليات السرية داخل إيران. استهدفت عمليات سابقة برامج طهران النووية والصاروخية وزرعت عملاء وأنظمة أسلحة داخل الأراضي الإيرانية. كما استغلت الاستخبارات الإسرائيلية تواجدها لإجراء سلسلة اغتيالات بارزة لعلماء ومسؤولين نوويين، ومن بينهم قائد حركة حماس السياسي إسماعيل هنية، الذي قُتل أثناء حضوره مراسم تنصيب بيزشكيان في يوليو 2024.
تعترف التقديرات أيضاً بأن إسرائيل اخترقت بعمق شبكات الأمن الإيرانية في الأسابيع التي سبقت حرب حزيران؛ فقد أمكنها آنذاك ليس فقط استهداف علماء ومسؤولين للاغتيال، بل أيضاً تجميع وإطلاق طائرات مسيرة من داخل الأراضي الإيرانية.
يقول أهرُن بريغمان من كينغز كوليدج لندن، وُجهت إليه تساؤلات حول نشاط الموساد في طهران: «افتراضي أن الموساد نشط في طهران خلف الكواليس. المسؤولون الإسرائيليون صامتون بصورة غير اعتيادية؛ هناك تعليمات واضحة بعدم الكلام وعدم الظهور كمتورطين بأي شكل». وأضاف: «أفترض أن هناك عملاء للموساد على الأرض يراعون الوضع ويبلغون عن مشاهد الشارع، خصوصاً الآن مع انقطاع الإنترنت في إيران. عملياً، يصبح تنفيذ أمور على الأرض أسهل في ظل هذا الفوضى».
يرى كثير من المحللين أن التماسك الداخلي لإيران تآكل جذرياً بفعل سلسلة الاحتجاجات المطولة، ما سهّل تسرّب وكالات أمنية أجنبية إلى داخل الساحة الإيرانية. وقد عمّق الانقسام خليط سام من العقوبات المدمّرة والفساد ووفيات المتظاهرين.
يقول المحلل الدفاعي حمزة عطار: «سأندهش جداً لو لم يكن عملاء إسرائيليون نشطين داخل إيران الآن. سيبذلون كل ما في وسعهم لضمان استمرار هذه الاحتجاجات وتصعيدها». ويضيف عطار أن الهدف الأساسي سيكون «توفير ما يحتاجه المتظاهرون أكثر من غيره: البروز والإيصال». «الناس اعتادوا على عنف النظام الإيراني. ما يحتاجونه الآن أن يعرفوا أن دماءهم ليست بلا جدوى. هذا ما ستركّز عليه اسرائيل والولايات المتحدة: توفير الوصول إلى الإنترنت الذي يمكّن الناس من مشاركة لقطات لما يتعرضون له. المتظاهرون سيعرفون من أين تأتي هذه المساندة، لكن في خضم الفوضى من غير المرجّح أن يهتمّوا كثيراً».