عادَ من بينِ الأموات ناجي قضى ٢١ ساعةً تحت أنقاض منجم بعد انهياره في جمهورية الكونغو الديمقراطية

غوما، جمهورية الكونغو الديمقراطية — بعد ظهر يوم الخميس 29 يناير، مرّت أكثر من أربع وعشرين ساعة على آخر اتصال بعائلة غريس باراتا فغابت عنه الأنباء تماماً.

كان باراتا يعمل في منجم بمدينة روبايا، على بعد نحو 60 كيلومتراً شمال‑غرب غوما، وقد قضى أيّاماً هناك. وفي اليوم الذي سبقه وصل إلى العائلة خبر عن انهيار ضخم في الموقع تسبب ـ حسب تقارير أولية ـ في مقتل مئات الأشخاص. مرت العائلة بلحظات من اليأس وبدأت ترتب للاستعدادات الجنائزية، قبل أن يعترضهم الفرح المفاجئ حين دخل باراتا البيت حوالي الساعة السادسة مساءً، ناشِداً ومتعباً، لكنه حي.

«كنا قد بدأنا بالفعل نودّع أخانا»، قال منجويكو نتاكيومبنزي، ابن عم باراتا، مبتسماً في حديثه مع الجزيرة من منزل العائلة في غوما. وأضاف: «صُدمنا وصعب علينا تصديق الأمر لأننا لم نتوقع أن يعود حياً. بحمد الله، عاد من الموت».

باراتا، البالغ من العمر 35 عاماً والذي بدأ العمل في المناجم عام 2012، يُعد من الناجين القلائل من الكارثة. وقد أعلنت السلطات المتمردة المسيطرة على البلدة أن انهيار منجم الكولتان في هذه المنطقة الغنية بالمعادن أودى بحياة ما لا يقل عن 200 شخص. توفي كثيرون نتيجة الاختناق لندرة الأكسجين تحت الأرض، فيما سُحق آخرون بثقل التراب الذي انهار فوقهم.

أعلى مناجم روبايا تكسوها تلال حادة وخضراء، وعلى جوانب الجبال حُفرت مصاطب بلون التراب البني البرتقالي. تنتشر أكوام من الطمي والصخور إلى جانب خنادق مملوءة بمياه آسنة. وفي سفوح تلك التلال يتبادل العمّال الصعود والهبوط يومياً: بعضهم يحمل أكياس التراب الرطبة على كتفيه، وآخرون يضربون بالمجارف جدران الحفرة.

روبایا بلدة صغيرة تقع فوق مخزون من بعض أهم المعادن الإستراتيجية والقيمة في العالم — الكولتان والقصدير والتنغستن — وهي خامات أساسية لصناعة التكنولوجيا الحديثة مثل الهواتف الذكية والسيارات الكهربائية. ومع ذلك، يعيش معظم سكانها حياة بسيطة، يومهم روتين من المخاطرة والكفاح من أجل البقاء، بينما تقود مواردهم التكنولوجيات الراقية في أماكن بعيدة.

يقرأ  مشتبه به في إحراق مقر إقامة حاكم بنسلفانيا بالولايات المتحدة يقرّ بالذنب

كانت يومية العمل نموذجية يوم الأربعاء 28 يناير في موقع تعدين ضمن محيط روبايا في منطقة غاساسا، حيث وقع الانهيار. ذلك الصباح كان غائمًا، وتجمّع عند الموقع مئات الأشخاص، غالبيتهم من الرجال عمال المناجم، ومعهم نساء يبيعن الطعام والمشروبات المحلية. وبعد الظهر انهمرت أمطار غزيرة أدّت، بحسب شهود، إلى انزلاق أرضي هائل عند موقع التعدين.

انتهى الأمر بانهيار المنجم واحتجاز مئات الأشخاص تحت الأرض. «بدأ المطر حوالى الثالثة عصراً فتجهنا إلى الاحتماء داخل المنجم»، يقول باراتا بصوت هادئ وعيون تائهة وهو يروي تفاصيل اليوم. «سمعت حجارة تفرك بعضها بعضاً وظننت أنها حصى تجرفها المياه، ثم وجدت نفسي في الظلام».

تحت الأرض ساءت الأوضاع: بعضهم تعرّض للسحق، والناجون كانوا يعانون الخوف وانعدام الأكسجين. «أكبر همّي تحت التراب كان نقص الأكسجين»، أضاف باراتا، لكنه قال إنه هدأ نفسه وسرعان ما «سمعنا أصوات الحشود التي جاءت لانقاذنا». فوق الأرض أطلقت السلطات المحلية مع أهل المنطقة عمليات بحث وإنقاذ، وتدخّل السكان بالمجارف وقطع الأرض بأيديهم العارية لاستخراج من تبقّى من الأحياء والضحايا من الطين السميك.

المصاطب المتراصة تحولت إلى منحدر طيني، والمسالك التي كانت واضحة غطتها الطمي، وتجمّع السكان حول موقع الانزلاق بوجوه يغشاها القلق والحداد، منتظرين أي خبر عن ناجين. وبعد نحو 21 ساعة تحت الأرض، استطاع المنقذون سحب باراتا الجمعة الماضية قرابة الساعة الواحدة ظهراً؛ نجا هو وصديقان معه، بينما فارق العشرات الآخرون الحياة داخل نفس العمود الذي وصفه بـ«قبر». «رأينا النور من بعيد وفهمنا أننا سنُنقذ،» قال وهو يضع ضمادة على رأسه، «لكن الآخرين ماتوا أمام أعيننا دون أن يلفظوا كلمة.»

ساءت الروايات حول عدد الضحايا، فقد أعلنت إدارة المنطقة تحت سيطرة المتمردين أن الحصيلة الأولية لا تقل عن 200 قتيل، بينما تقول منظمات مجتمع مدني محلية إن العدد قد يرتفع. وفي سياق التوتر السياسي، اتهمت السلطات في كينشاسا حركة 23 مارس (M23) ورواندا بدعم المتمردين وتحمّل مسؤولية التدهور الأمني الذي يؤثر حتى على الأنشطة المدنية مثل التعدين. وصرّح المتحدث باسم الحكومة باتريك مويايا بأن منطقة روبايا مصنفة على أنها «حالة حمراء»، ما يمنع أي نشاط تعدين أو تسويق للمعادن، بما في ذلك التعدين التقليدي. يؤكد المسؤولون أن أعمال الحفر المستمرة هناك تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون ولا تلتزم بأدنى معايير السلامة. كما اتهمت كنشاسا وخبراء إقليميون حركة M23 بتهريب المعادن من داخل جمهورية الكونغو الديمقراطية إلى رواندا لبيعها في الأسواق الدولية، وهو ما تنفيه رواندا. واعتبر مويّايا أن “الزيادة التي تزيد على مئتي في المئة في صادرات الكولتان من رواندا هي نتيجة لهذا الاستغلال غير القانوني وغير المنضبط”.

يقرأ  مارك كارني يلتقي ترامب سعياً لتحقيق «أفضل صفقة» لكندا

ترفض ائتلاف AFC‑M23 هذه الاتهامات، مدعيةً بدلاً من ذلك أن كينشاسا تحاول “استغلال” حادث ناجم عن أمطار غزيرة لأغراض سياسية. وفي بيان صدر في الأول من فبراير وصف الائتلاف موقف الحكومة الكونغولية بأنه “غير مسؤول ومسيّس ومضلّل”، واتهمها باختيار “التلاعب بالرأي العام لتغطية سجلها المريع في حماية العمال المنقبين”. ودعا البيان كينشاسا إلى إجراء مراجعة لحوكمتها خاصة في قطاعات التعدين وإدارة الفيضانات والصرف الصحي.

ثروات طبيعية.. فقر مادي

يقول دانيال كلاليزي، محلل بيئي، إن انهيار منجم روبايا هو مأساة إنسانية وكارثة بيئية مكشوفة. ويضيف أن مثل هذه الانهيارات غالباً ما تكون نتيجة للتعدين العشوائي وغير القانوني، إذ تُضعف هذه الممارسات التربة، وتدمر الغطاء النباتي، وتتجاهل متطلبات السلامة الأساسية.

“المسؤولية تقع على الدولة الكونغولية، التي يتعين عليها تنظيم قطاع التعدين، وتطبيق قوانين البيئة، وحماية المواطنين”، بحسب قوله. ونبه إلى أن غياب الرقابة الفعالة على المواقع التعدينية يساهم مباشرة في وقوع مثل هذه الفواجع، داعياً المنقبين إلى إعطاء الأولوية للسلامة على الربح، ومطالباً سلاسل توريد المعادن بأن تجعل الاستدامة معياراً أساسياً في مصادرها.

تُنتج المناجم في روبايا ما بين 15 و30 في المئة من الكولتان العالمي، ويُعتقد أنها تمثل أكثر من 60 في المئة من احتياطيات الكولتان العالمية. ومع ذلك، ورغم هذه الثروة الطبيعية الهائلة، لا يزال السكان المحليون يعيشون في احياء غير كريمة، يعملون في ظروف قاسية وغير آمنة لكسب لقمة العيش.

باراتا، الذي يتعافى الآن في غوما من صدمة ما عايشه، يقول إنه مضطر للعودة إلى المناجم بسبب الضغوط الاقتصادية. وفي الوقت نفسه يحاول أن يتمسك بذكريات الرفاق الذين كانوا معه تحت الأرض. ورغم أن عدداً من الذين عرفهم لقوا حتفهم في ذلك اليوم، يتذكر آخر الساعات الطيبة التي قضاها مع رجل يُدعى بوسكو، أب لطفلين، أُقيمت له جنازة يوم الجمعة 30 يناير في غوما.

يقرأ  نتنياهو يتهم رئيس وزراء أستراليا بخيانة إسرائيل

يتذكر باراتا أنهما تشاركا في الليلة التي سبقت الانهيار الطعام والمناشف ومكان النوم، وأنهما تحدثا عن احتمال الخروج أحياء. “قبل أن ينفد الأكسجين في الممر، تذكرنا بعضنا بعضاً بالتوبة حتى لا نفوت ما أتينا من أجله أو ملكوت السماوات”، يقول باراتا. ولم يصمد بوسكو، لكنه يضيف بصوت متهالك: “لقد عدتُ من بين الأموات”.

أضف تعليق