على دول المحكمة الجنائية الدولية ألا تتجاهل استنتاجات الخبراء القضائيين في قضية خان

منذ أسبوع، أفادت عدة وسائل إعلام بتطوّر مهم في ملف الانضباط المتعلق بالادعاءات بشأن سلوك جنسي غير لائق منسوب إلى المدّعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، كريم خان. في تقرير سري موجّه إلى مكتب جمعية دول الأطراف، خلُصت لجنة الخبراء القضائيين المنوط بها تقييم نتائج تحقيق الأمم المتحدة بالإجماع إلى أنه لا يمكن إثبات واقعة سلوك غير مشروع أو إخلال بالواجب بحق خان بموجب الإطار القانوني المعمول به.

المسألة الآن مرهونة لقرار الدول الـ21 الممثلة في مكتب الجمعية: إما أن تؤيد استنتاجات اللجنة أو تنحرف عنها. وإذا قرّر المكتب وجود سلوك أقلّ خطورة، فبإمكانه فرض عقوبات؛ أما إذا تمّ تبيان سلوك خطير فسيكون الأمر مرهوناً بتصويت الجمعية العامة لدول الأطراف على احتمال الإعفاء.

أبلغتنا تقارير أنّ أقلية من أعضاء المكتب تدفع نحو تجاوز تقرير الخبراء القضائيين واستبدال استنتاجاته باستنتاجات المكتب. ستكون هذه خطوة محفوفة بالمخاطر. نخشى أن تقوّض جودة القرارات اللاحقة في ملف خان وتضرّ بصدق منظومة حكم المحكمة، كما أنها ستثير تساؤلات خطيرة حول مصداقية الدول الأطراف والتزامها بسيادة القانون في إدارة شؤون المحكمة.

موقفنا لا يتعارض مع إيماننا المطلق بضرورة عدم التسامح مطلقاً مع التحرّش أو أي شكل من أشكال الإساءة في بيئة العمل — سواء في القطاع العام أو الخاص — لا سيما في مؤسسات تكافح الإفلات من العقاب وتناضل من أجل العدالة الدولية. المساءلة عن مثل هذه الانتهاكات أمر لا يقبل المساومة.

وفي الوقت ذاته، وبخاصة في القضايا الحساسة سياسياً، فإن الالتزام الصارم بمبادئ الإجراءات العادلة ومعايير صنع القرار الرفيعة وسيادة القانون أمر بالغ الأهمية لتفادي قرارات مرتجَلة أو تدخلات سياسية أو إساءة استعمال السلطة. هذه القناعات ليست متناقضة: بالنسبة إلينا، الغايات لا تبرر الوسائل.

يقرأ  تحت وهج الشاشاتكيف يمكن للذكاء الاصطناعي المناسب أن ينقذ المعلمين الذين يحافظون على نبض المدارس

من الناحية القانونية، لا يلتزم المكتب رسمياً باستنتاجات اللجنة: فقد أدت اللجنة وظيفة استشارية، وتقريرها ليس ملزماً رسمياً. كانت مهمتها مساعدة المكتب على التوصل إلى تقييم قانوني موثوق وسندٍ لاستنتاجات واقعية وردت في تقرير التحقيق التابع للأمم المتحدة.

السؤال المحال إلى اللجنة كان مسألة قانونية بحتة: إعطاء توصيف قانوني للوقائع التي أثبتها محققو الأمم المتحدة. إن النتائج الواقعية مختلفة عن الادعاءات أو عن الأدلة التي استندت إليها، وعلى ما يظهر من تقارير وسائل الإعلام، فإن اللجنة لم تتعدَّ هذا الحاجز.

على الدبلوماسيين أن يمتنعوا عن تقلد دور الخبير القضائي في هذه المرحلة، لا سيما بعد صدور مثل هذا الرأي القضائي المتخصص. كمؤسسة سياسية، اعترف المكتب في البداية بعدم أهليته لاتخاذ هذا التقدير القانوني بنفسه — وهو أمر مفهوم بالنظر إلى مخاطر تسييس العملية وتآكل مصداقية أي نتيجة. لذلك وفّق بتكليف جسم شبه قضائي وغير سياسي — لجنة من خبراء قضائيين ذوي اختصاص وخبرة متخصصة — للقيام بهذا التقييم. كان ذلك قراراً سليماً.

نزاهة المحكمة ونظام روما على المحك كما لم يحدث سابقاً. ونظراً لجدية وتعقيد هذه المسأله، كان من المناسب أن يُسند التقييم القانوني إلى هيئة مستقلة وحيادية من الخبراء القضائيين. في السياقات المشحونة سياسياً، تكون مثل هذه الهيئات في أفضل موقع لمساعدة صناع القرار السياسي على بلوغ استنتاجات قائمة على أساس قوي وموثوق — وبأقصى قدر ممكن محمية من التأثير السياسي.

وهذا بالضبط ما سعى المكتب إلى تحقيقه: ابتكر إجراءً جديداً ينطبق على هذه الحالة، واختار وعيّن الخبراء القضائيين بنفسه. وكما كشفت صحافة دولية، تكوّن الفريق من ثلاثة قضاة مخضرمين ذوي سمعة طيبة وسجلات مهنية لا تشوبها شائبة وخبرة في أعلى المحاكم الوطنية والدولية. كُلّفوا بالتحليل القانوني لنتائج محقّقي الأمم المتحدة، وأدّوا المهمة الموكلة إليهم — حيث وُجدت نتائج يمكن تحليلها قانونياً.

يقرأ  هجمات إيران على الخليجحرق جسور حسن الجوار — الصراع الإيراني الإسرائيلي

الآن، وبعد أن استكمل الفريق عمله المكثف على مدى ثلاثة أشهر وتوصل إلى استنتاجاته، يبدو أن بعض الدول وبعض المدافعين عن الحقوق يستعدون لتجاهل هذه النتائج لمجرّد عدم الاتفاق معها. إذا كان بالإمكان ببساطة إنكار نتيجة عملية شبه قضائية أُنشئت من أجل ضمان دستوريتها وموثوقيتها، فبأي منطق تُبرر سعي الدول إلى مثل هذه الآليات؟

نحن مقتنعون بأنه، بالنظر إلى المرحلة الراهنة وطبيعة العملية التي اختيرت للوصول إلى هذا الموضع، ينبغي أن يحظى تقرير اللجنة بالاحترام الكافي من قبل المكتب وأن يُؤخذ بجدّية من قبل دول المحكمة، لا أن يُستخفّ به. وإذا بدّلت الدول استنتاجاتها بآراء المكتب، فستكون النتيجة في الواقع أخطر مما لو لم تُنشأ لجنة من البداية.

تجاهل التقرير سيشيع الانطباع بأن وجود اللجنة لم يكن سوى وسيلة لمساعدة الدول على بلوغ نتيجة بعينها. فهل يمكن تجنّب هذا الانطباع حين يرفض مسؤولو الجمعية وأعضاء المكتب، الذين وضعوا ودعموا هذه الآلية، نتائجها لأنّها لم تَرُق لهم؟ قد يلوح شبح محاكمة صورية في الأفق.

علاوة على ذلك، إذا خالفت الدول اللجنة، فبأي وقائع تستند ومَن الذي يقدّم التحليل القانوني الذي يبرر الخروج عن استنتاجاتها؟ سيحتاج المكتب إلى أساس متين جداً ليتنحى عن استنتاجات الخبراء القضائيين. وبالواقع، ليس بإمكانه إجراء تحقيق تكمِيلي لجمع أدلة إضافية أو إعادة النظر في الوقائع من الصفر على نحو قانوني مستقل.

في رأينا، إهمال تقرير الخبراء القضائيين واستبداله بحكم المكتب سيكون ضاراً بسيادة القانون وبالإجراءات العادلة وبنزاهة التحديد القانوني لوجود، أو عدم وجود، سلوك مسيء منسوب إلى المدعي العام خان. كما سيقوض سلطة آلية الخبراء القضائيين المُرسَّخة الآن في قواعد المحكمة لمثل هذه الحالات مستقبلاً.

لا ينبغي السماح لصنع القرار السياسي بأن يحلّ محلّ التقييم القانوني الذي أُجرِي وفق أعلى معايير الكفاءة والحياد والقوة القضائية؛ وهي المعايير التي أصرت الجهة السياسية نفسها على احترامها عند تكليفها بهذه المهمة.

يقرأ  ترامب يختتم محطته اليابانيةضمن جولته الآسيوية بعد لقائه بسناء تاكايتشي

القول بأن الشكل القانوني استُخدم فقط ستاراً لقرارات تعسفية سيكون اتهاماً يصعب تبرئته. نخشى أن يغرق ذلك منظومة المحكمة في أزمة أعمق من دون أن يوفّر الخلاص الذي يرجوه البعض. دول المحكمة تدرك جيداً أن هذه تكلفة لا تحتملها في هذا الظرف الدقيق.

الآراء الواردة أعلاه تعبّر عن كاتبَيها ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

أضف تعليق