عودة النازحين واستعادة جذورهم الضائعة بينما تسعى سوريا لإعادة الإعمار

ترمسه، جب العيص وريف حمص — كانت البلدة الصغيرة شمال حماة تعيش نهار احتفال غير اعتيادي؛ الشوارع امتلأت بالسكان الذين خرجوا رغم لهيب الشمس وحرارتها الخانقة ليشهدوا لحظة تاريخية: عودة مئات الأبناء والبنات المنفيين إلى ديارهم.

قوافل شاحنات ملونة كانت تجوب الأزقة محملة بعائلات بكاملها وبأمتعتهم — فرش وأسرة وأثاث، وحتى دراجات نارية وأشجار مزروعة بمحاملها. شاهد المارة اللقطات عبر هواتفهم المحمولة، وعلت وجوههم تباشير الفرح؛ مجموعة رقصت على زفة محلية بينما أطلق بعض الرجال طلقات احتفالية في الهواء.

بعد سقوط نظام الرئيس بشار الأسد في ديسمبر، وما رافقه من نهاية حرب دامية دامت أربعة عشر عاماً، مَهَّدت الظروف لعودة أكثر من مائة وثمانين عائلة أمضت عقوداً في الغربة إلى ترمسه وجذورهم. قبل ساعات قليلة من الوصول، غادر معظمُهم مخيم عندمة على أطراف إدلب — واحد من أكبر مخيمات النزوح في البلاد — حيث كان أكثر من ثمانين ألف شخص يعيشون في ظروف صحية ومعيشية مزرية، على بعد نحو 150 كيلومتراً شمال ترمسه.

«عندما طُردنا، شعرت كأن أرواحنا قد انتُزعت من أجسادنا. والآن، بعد عودتنا، نشعر وكأننا استعدنا تلك الأرواح»، قال ممدوح السطوف، مدير مدرسة سابق في الخمسين من عمره، وهو يصف عاطفة العودة. مثل غالبية سكان ترمسه، غادر ممدوح بعد أحداث الثاني عشر من يوليو 2012، حين طوقته قوات النظام وقتلت عشرات من المقاتلين والمدنيين، وغادر معظم الناجين في الشهور التالية.

منذ سقوط الأسد ونهاية فترة حكم آل الأسد التي امتدت نحو خمسين عاماً، ازدادت مثل هذه القوافل تكراراً. بحسب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، من بين أربعة عشر مليوناً نزحوا داخل وخارج سوريا، عاد أكثر من مليوني شخص حتى الآن — منهم مليون وخمسمئة ألف نازح داخلياً وستمئة ألف لاجئ عادوا من الخارج.

«كنا نخبر أولادنا في المخيم دائماً أن ترمسه جنة على الأرض. الآن صار بمقدورهم رؤيتها بأعينهم»، أضاف ممدوح.

العودة بعد النفي

على بعد نحو مئة وثلاثين كيلومتراً شمال شرق ترمسه، شعر عزام فريج أيضاً بنبض الحياة يعود إليه. عزام (34 عاماً) عاد من لبنان إلى سوريا بعد عشرة أيام فقط من سقوط النظام، واستقر قرب حمص حيث عائلته الزوجية. لكنه حظي أخيراً بزيارة إلى مسقط رأسه جب العيص، القرية الزراعية جنوب حلب التي نشأ فيها.

يقرأ  إيران: عودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية لا تعني استئناف التعاون الكامل

الإقامة الدائمة في جب العيص تبدو صعبة: القرية صغيرة وفرص العمل فيها محدودة. مع ذلك، اغتنم عزام حريته الجديدة ليتجوّل بين ذكرياته. جلَس الصغير خيري على حضن والده في المقعد الأمامي يترقب الوصول، ونفد صبره وهو يشير بفخر إلى مجموعة من البيوت الطينية التقليدية: «هذا بيتنا!».

البيوت المتناثرة تحيط بها تلال قاحلة كانت خضراء قبل سنوات قليلة فقط. «كان أهل القرية كلهم يعملون في الزراعة. لكن بعد سنوات الحرب وغياب الرعاية، ماتت أشجارنا»، قال عزام بينما يترجل من السيارة. الأشجار تركت مهملة ومجتزأة على مدى أربعة عشر عاماً، شأن سوريا كلها، وعزام عازم على إنعاشها كما يحاول إنعاش بلده المكتشف مجدداً. لكن مثل ملايين العائدين، وجد أرضاً يابسة ومشهد تدمير واسع.

بفضل بئر في الحديقة، استطاع عزام ري بعض الأشجار منذ عودته، وبدا بعضها متحسناً حتى نمت رمانات تحت شمس لامعة. وكلما عبر بوابة بيت الطفولة، تعلّق قلبه بمشاعر الفرح؛ كان خيري يركض ويتسلق فوق قباب البيت الطيني، وضحك والده قائلاً: «ليس خطراً، كنت ألعب نفس الألعاب حين كنت صغيراً».

الجدران السميكة المصنوعة من الفخار الطيني — تقنية بناء قديمة تمتد لآلاف السنين — تمنحُ برودة مدهشة داخل البيوت. ورغم أن البيوت الحديثة بدأت تستخدم مواد معاصرة، لا تزال هذه المنازل التقليدية حاضرة في المنطقة. تجوّل عزام في أركان منزله الذي نُهبت محتوياته على يد قوات النظام وميليشياته مثل كثير من بيوت القرية؛ «لم يبق إلا ثريا ومِرْآة عمرها ثمانون عاماً»، قال الأب وهو يسير بين الغرف. ثم أضاف الطفل خيري بجدية ظريفة: «الحمد لله تركوا القرآن»، فابتسم الكبار.

يقدّر عزام أن نحو خمسين عائلة عادت إلى جب العيص، وأن العدد في ازدياد رغم العوائق الكبيرة: افتقار لمستلزمات الحياة الأساسية من مياه وكهرباء، وتدمّر البنى التحتية. بخلاف الجدران، لم يبقَ في القرية شيء تقريباً.

يقرأ  قاضٍ أمريكي يرفض رفع السرية عن سجلات هيئة المحلفين الكبرى في قضية إبستين— أخبار المحاكم

مصاعب في لبنان

عزام فرّ من سوريا في 2012 لأنه كان مطلوباً لدى الجيش والأمن بسبب تعليقاته المعارِضة على وسائل التواصل الاجتماعي. كما فعل معظم أفراد عائلته، استقر بعد ذلك في مدينة طرابلس الشمال اللبنانية.

شغل عدة أعمال في آنٍ واحد؛ باع القهوة وعمل كهربائياً. وتزوج رشا، امرأة سورية من حمص التقاها عبر فيسبوك، فانتقلت إلى طرابلس لتلتحق به بعد فترة وجيزة.

لم تكن حياتهما هناك سهلة أو مريحة بأي حال.

«في لبنان كانت حياة ملؤها الخوف والعنصرية»، قالت رشا للجزيرة خلال مقابلة على فنجان شاي في غرفة معيشتهما المريحة في حمص، حيث استقرا في ديسمبر.

يُقدَّر عدد اللاجئين السوريين في لبنان بنحو مليون ونصف المليون، وقد أثارت وجودهم مقاومة متنامية من كثير من اللبنانيين، وتفاقمت الأمور بعمليات قمع حكومية تستهدفهم.

كما واجهوا ضغوطاً اقتصادية في بلد يعاني أزمة اقتصادية حادة وفرص العمل فيه نادرة.

عندما سقط نظام الأسد، لم يتردّد عزّام ورشا لحظة: عادا إلى سوريا بأسرع ما يمكن مع ولديهما، خيرو وآدم، الذي يبلغ من العمر ثلاث سنوات.

«عندما وصلوا إلى دمشق، كنت في قمة السعادة! في أقل من أسبوع زرت سوريا وقلت في نفسي: انتهى الأمر! لبنان وراءي»، قال عزّام مبتسماً ابتسامة عريضة.

«كان الأمر أسهل لأنني من هنا وكل عائلتي ما زالت موجودة. نحن سعداء هنا، والحمد لله»، أوضحت رشا.

تعود رشا أحياناً إلى طرابلس لزيارة أقاربها، بينما يرفض عزّام العودة ويقول إنه مرتاح في حمص. ورغم أنه لم يجد عملاً بعد في سوريا، فإن حياته في لبنان كانت بائسة ويشعر الآن بالحرية، وقد بات قادراً أخيراً على «أن يكون شخصاً، لا مجرد لاجئ».

وأثناء مرافقة الجزيرة له في أسواق حمص القديمة بدا فخره المستجد واضحاً وهو يحيي أصدقاءه القدامى، كثيرون منهم قضوا أيضاً فترات في طرابلس؛ تبادلوا أطراف الحديث وتفقدَ محلاتهم التي افتتحوها حديثاً.

مستقبل سوريا

في حمص—كما في سائر المدن السورية—لا تزال الكثير من المباني مهدمة، والعمالة نادرة، وانعدام الأمن مشكلة قائمة تُثني كثيرين عن العودة.

يقرأ  كيفية تعزيز جاهزية الطلاب لسوق العمل بربط الفصول الدراسية بالمسارات المهنية

عزّام واحد من القلائل في عائلته الذين عادوا إلى سوريا. أما أخوه محمد فريح، الملقب «حمودي»، فلا يزال في طرابلس حيث التقت به الجزيرة.

الشاب الذي لم يتجاوز العشرين يعيش مع والده وزوجة الأب وأبناء العمومة في قلب الأسواق العثمانية للمدينة القديمة تحت القلعة الصليبية.

مثل كثيرين، لا يطيق الانتظار للعودة إلى وطنه، لكنه يؤجل الخطوة قليلاً.

«ربما أذهب إلى سوريا خلال عامين. البلد لا يزال في مراحل مبكرة من إعادة الإعمار وبناء البنية التحتية، لأنّ الأسد أعادنا إلى القرن الخامس عشر وعلينا أن نبدأ من جديد»، قال الشاب وهو يرتشف قهوته تحت ظلال اللبلاب وأشجار مقهى تل العليّة الشعبي.

«أريد أن أستقر في مدينة لا في الريف، فالريف مُهمَل من النظام والحياة هناك لا تزال صعبة جداً. أصدقائي الذين انتقلوا إلى المدينة سعداء»، أضاف.

يفضل محمد الانتظار حتى تُبنى سوريا وتستقرّ اقتصادياً. في الوقت الراهن ما يزال السكان يكافحون؛ البنية التحتية متضررة أو مدمرة في أجزاء واسعة من البلاد، والكهرباء لا تتجاوز في كثير من المناطق ساعتين أو ثلاث ساعات يومياً، إضافة إلى نقص مياه حاد، خصوصاً في المناطق الريفية.

أكثر من تسعين بالمئة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر والوظائف شحيحة، لذلك تحتاج البلاد بعض الوقت لاستيعاب عمالة جديدة.

هناك سيستطيع أن يدرس العلوم السياسية وعلوم الحاسوب، كما يحلم بفتح بيت ضيافة يستقبل السياح الأجانب.

ورغم أن محمد يتطلع إلى العودة يوماً ما، فقد أحب حياته في لبنان. «طرابلس جزء مني. احتضنتني أثناء الحرب ولن أنسى ذلك. قضيت نصف حياتي هنا. لا يمكنك أن لا تُحب بلداً احتضنك»، قال ذلك بوقار. وعلى عكس عزّام، قال إنه لم يعش تجربة عنصرية في حياته اليومية بلبنان.

قبل انتهاء الحرب كان يرى مستقبله في الخارج، مثل أخٍ آخر تزوج وهاجر إلى إنجلترا. «لكن الآن لا أرى سوى سوريا. إنها بلدي. سأعود إليها دائماً»، قال ذلك بعزم جيل كامل مصمّم على استعادة مستقبله.

أضف تعليق