عيدروس الزبيدي: من هو الرجل الموصوم بـ«الخيانة» في اليمن؟ — ملف خاص

لعدة سنوات كان عيدروس الزُبيدي الرجل القوي غير المِنَازع في جنوب اليمن؛ ضابط سلاح جو سابق تحوّل من قائد متمرّد إلى رجل دولة يجذب دبلوماسيين غربيين. لكن، يوم الأربعاء، أخذ مساره السياسي منعطفًا حادًا.

في مرسوم هزّ ترتيب تقاسم السلطة الهش في البلاد، أقال رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي الزُبيدي من عضوية المجلس، ورفع عنه الحصانة وأحالَه إلى النيابة العامة بتهم “الخيانة العظمى”. ويتهم المرسوم الزُبيدي بـ”تشكيل عصابات مسلّحة” و”الإضرار بالمكانة السياسية والعسكرية للجمهورية” وقيادة تمرد عسكري.

وفي الوقت نفسه أعلنت التحالف السعودي أنه “فرّ إلى جهة مجهولة” بعد إخفاقه في الاستجابة لاستدعاء إلى الرياض — وهو ما ينفيه المجلس الانتقالي الجنوبيه بشدّة مؤكداً أن زعيمه لا يزال في عدن.

من هو الرجل الذي يقف في مركز هذه التطورات السريعة في اليمن؟

الضابط «المتمرّد»
وُلد الزُبيدي عام 1967 في قرية زبيد بمحافظة الضالع الجبلية، وكانت حياته انعكاسًا لتقلبات تاريخ الجنوب اليمني. تخرّج من أكاديمية سلاح الجو في عدن برتبة ملازم ثانٍ عام 1988، لكن مسيرته العسكرية تقطعت إثر حرب 1994 التي سحق فيها قادة الشمال الحركة الانفصالية الجنوبية بقيادة حينها علي عبدالله صالح. قاتل الزُبيدي إلى جانب الخاسرين واضطر للجوء إلى جيبوتي.

عاد إلى اليمن عام 1996 فأسّس حركة “حق تقرير المصير” التي نفّذت عمليات اغتيال ضد مسؤولي الجيش الشمالي، وصدر حكم بالإعدام غيابيًا بحقه قبل أن يمنحه صالح العفو عام 2000. وبعد سنوات من التمرّد منخفض المستوى، عاود الظهور أثناء احتجاجات الربيع العربي عام 2011، متبنّيًا هجمات ضد آليات للجيش في الضالع.

من حاكم إلى زعيم انفصالي
أتاحَت سيطرة الحوثيين على صنعاء في 2014 ودفعهم جنوبًا في 2015 للزُبيدي فرصةً كبيرة. قاد مقاومة جنوبية مهمة في صدّ الحوثيين عن الضالع وعدن، ومنحَه الرئيس عبد ربه منصور هادي منصب محافظ عدن في ديسمبر 2015 اعترافًا بتأثيره الميداني. لكن التحالف سرعان ما احتدّ؛ وتصاعد التوتر بين حكومة هادي والانفصاليين الجنوبيين إلى أن أُقيل الزُبيدي في أبريل 2017.

يقرأ  طقم «ديكودر كيدز» للصوتيات: نقلة نوعية في اكتساب مهارات القراءة

بعد أقل من شهر أسّس الزُبيدي المجلس الانتقالي الجنوبي بدعوى تمثيل شعب الجنوب، وبدعم إماراتي بنى قوة شبه عسكرية قوية اصطدمت مرارًا بقوات الحكومة وسيطرت لاحقًا على عدن. وفي أبريل 2022، وفي محاولة لتوحيد الصفوف ضد الحوثيين، عُيّن الزُبيدي عضوًا في مجلس القيادة الرئاسي ذي الثمانية أعضاء.

رؤية «جنوب عربية»
رغم مشاركته في الحكومة الموحدة، لم يتخلَّ الزُبيدي عن هدفه النهائي: استعادة الدولة الجنوبية السابقة قبل عام 1990. في حوارات مع وسائل إعلام دولية — منها صحيفة “ذا ناشيونال” الإماراتية وقناة “الحرة” — عرض رؤية لدولة فدرالية باسم “دولة جنوب العرب”، مؤكّدًا أن “عملية السلام مجمدة” وأن حلَّ الدولةَين هو الطريق الواقعي الوحيد للمضيّ قُدمًا. وأثار جدلاً بإعرابه عن انفتاح على اتفاقيات أبراهام، قائلاً إنه إذا استعادت فلسطين حقوقها فسيقرر الجنوب سياسة علاقاته بنفسه وقد ينخرط ضمن تلك الاتفاقيات.

وكان أحدث تحرّك له في 2 يناير 2026 إصدارُ إعلان دستوري يعلن فترة انتقالية مدتها عامان تسبق استفتاءً على الاستقلال — خطوة بدت كافية لإطاحة به من منصبه.

القطيعة النهائية
ترمز أحداث 7 يناير إلى انهيار التحالف الهش بين الحكومة المعترف بها دوليًا والمجلس الانتقالي. قال المتحدث باسم التحالف العميد تركي المالكي إن الزُبيدي وزّع أسلحة في عدن “لإحداث فوضى” وفرّ من البلاد بعد مهلة 48 ساعة للحضور إلى الرياض، كما أكّد تنفيذ “ضربات استباقية محدودة” ضد قوات الانتقالي التي كانت تتحشّد قرب مخيم الزند في الضالع.

ورفض الانتقالي هذه الرواية، وجاء في بيان صباح الأربعاء أن الزُبيدي “يمارس مهامه من العاصمة عدن”. وفي المقابل عبّر المجلس عن قلقه حيال وفدِه المكوّن من أمين عام المجلس عبدالرحمن شاكر السُبيحي الموجد في الرياض، مشيرًا إلى فقدان الاتصال تمامًا به، ومطالبًا السلطات السعودية بضمان سلامة وفده، ووصَف الضربات الجوية على الضالع بأنها “تصعيد غير مبرر”.

يقرأ  كيف قفزت صادرات الهند بنسبة 20% رغم حرب ترامب التجارية؟— أخبار الحرب التجارية

ومع توجيه تهم “الخيانة العظمى” والإبلاغ عن ضربات جوية في الجنوب، يبدو أن سعي الزُبيدي الطويل نحو الاستقلال قد أدخل اليمن في مرحلة جديدة وخطيرة من الصراع.