فنزويلا بعد مادورو النفط والسلطة وحدود التدخل

صور مألوفة في كاراكاس

مشاهد من كاراكاس بدت لعديدين مقلقة من حيث أُلفتها: مدرعات تسير في شوارع خالية، وزعيمٌ وُصِف بأنه اختُطف بواسطة الولايات المتحدة، وإعلانٌ من واشنطن يصف العملية بأنها حاسمة وضرورية وكاملة، بينما حذّر الرئيس دونالد ترامب من «موجة ثانية أكبر» في حال نشأت مقاومة.

الهجوم العسكري الأميركي وامتداداته

الهجوم العسكري الأميركي على فنزوييلا واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو أحدثا صدمة تجاوزت حدود أمريكا اللاتينية. بالنسبة لأسواق النفط كان رد الفعل خافتاً، لكن بالنسبة إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فإن التداعيات أعمق، وتمسّ أمن الطاقة، والسابقة الجيوسياسية، والسؤال المزعج عما إذا كان النفط لا يزال يشكّل محور النظام الدولي كما كان في السابق.

ثروات نفطية وإفقار الإنتاج

تقع فنزوييلا فوق احتياطات مثبتة تُقدَّر بحوالي 303 مليارات برميل، أي نحو 17% من الإجمالي العالمي، وأكثر من المملكة العربية السعودية التي تُقدر احتياطاتها بنحو 267 مليار برميل. لكن معطيات الإنتاج تروي قصة مغايرة تماماً: بحسب بيانات منظمة أوبك أنتجت البلاد نحو 934 ألف برميل يومياً في نوفمبر، أقلّ من واحد في المئة من الطلب العالمي وباستطاعةٍ بعيدة عن أكثر من ثلاثة ملايين برميل يومياً كانت تُنتج في أواخر التسعينيات وبدايات الألفية.

تراجع الإنتاج بدأ في ظل حكم هوجو تشافيز واستمر في عهد مادورو، ثم جاءت عقوبات أمريكية في يناير 2019 استهدفت إبعاد مصادر الدخل النفطية للدولة عبر إغلاق ثغرات مثل مقايضات النفط مقابل الديون، ما سرّع انهيار اقتصاد البلاد وصناعتها النفطية. فرضت واشنطن حظراً شاملاً على معاملات شركة البترول الحكومية (PDVSA) وهدّدت بفرض عقوبات ثانوية على أي كيان أجنبي يتعامل معها، ما قطع بصفة فعّالة صادرات النفط إلى أسواق مهمة مثل الهند والاتحاد الأوروبي ومنع استيراد المواد المذيبة اللازمة لمعالجة الخام الثقيل الفنزويلي.

عندما جفّ مصدر النقد الأجنبي، لجأت الحكومة إلى طباعة النقود من المصرف المركزي، ما أشعل موجة تضخّم مفرط قضت على الأجور والمدّخرات، وكانت الأزمة الإنسانية الناتجة عن ذلك سبباً رئيسياً في خروج نحو ثمانية ملايين فنزويلي منذ 2019. كارول نخلة، الرئيسة التنفيذية لشركة Crystol Energy، أشارت إلى أن تآكل الصناعة بدأ قبل العقوبات: سوء إدارة مزمن، تسييس، ونقص استثمارات أضعف القطاع قبل أن تُضاعف القيود التدهور عبر تقييد التمويل والعمليات والوصول إلى الأسواق. سنوات من هروب رؤوس الأموال وفقدان الخبرات الفنية وتدهور البنى التحتية تركت PDVSA تكافح للحفاظ على أبسط مستويات التشغيل.

يقرأ  متحف اللوفر يعاود فتح أبوابِه بعد ثلاثة أيام من سرقةِ جواهرِ التاجِ الفرنسي

لماذا لم تنهَر الأسواق؟

رغم التدخّل العسكري الأميركي، هبطت أسعار النفط: خام برنت تراجع إلى حوالى ستين دولاراً للبرميل وWTI نزل تحت 58 دولاراً. ويعود السبب في الفتور السعري أساساً إلى فائض المعروض: براميل جديدة تدخل السوق من البرازيل وغيانا والأرجنتين والولايات المتحدة، وأوبك+ بدأت بتخفيف تخفيضات طوعية تقارب أربعة ملايين برميل يومياً، فيما توقّعت وكالة الطاقة الدولية أن يفوق العرض الطلب بما يصل إلى مليوني برميل يومياً في 2026.

الردّ الباهت للأسواق يسمح بتأطير عملية واشنطن كعمل نظيف وجراحي وضروري، لكنه يخفي واقعا طويل الأمد: إعادة بناء صناعة النفط الفنزويلية تتطلب عقداً من الزمن ومئات مليارات الدولارات من الاستثمارات ونقل تكنولوجي لن تُقدَّم إلا تدريجياً من مدراء محاذين لواشنطن سيسعون، كما يتوقّع بعض المحللين، إلى إضعاف أوبك+ هيكلياً وقد يلجأون إلى ضغط الأسعار عمداً لإلحاق ضرر بمنافسين مثل روسيا. كورنيليا ماير، رئيسة مجلس إدارة LBV Asset Management وكبير الاقتصاديين فيها، اعتبرت أن أي عودة كاملة للبراميل الفنزويلية المصنفة تحت العقوبات لا تمثل سوى أقل من واحد في المئة من الإمداد العالمي، والأسواق قادرة على امتصاصها دون فيضان.

النوع الذي لا يزال ذا قيمة

أهمية فنزويلا لا تتوقف على الحجم فقط بل على الجودة: غالبية نفطها خام «ثقيل» مشابه لخام الرمال النفطية في كندا، والعديد من مصافي ساحل الخليج الأميركي صُمِّمت أصلاً لمعالجة هذا النوع. ومع أن بعض المصافي تكيفت مع الزمن، يبقى الخام الثقيل مادة حاسمة في منظومة التكرير الأميركية. الولايات المتحدة، رغم كونها أكبر منتج نفط في العالم، ما تزال تستورد كميات كبيرة من الخام؛ نحو 70% من وارداتها هي من الخام الثقيل، وحوالي 60% من ذلك يأتي من كندا.

يقرأ  زعيم المعارضة في الكاميرون يلجأ إلى غامبيا طلبًا للأمان بعد اقتراع مثير للجدل

نخلة شدّدت على أن عودة فنزويلا إلى السوق ستكون بطيئة: زيادة ملموسة على المدى القصير غير مرجحة، والنشاط مقتصر إلى حد كبير على استقرار الإنتاج القائم، في حين أن أي نمو حقيقي يتطلب رأس مال مستدام، نقل تكنولوجي وإصلاحات مؤسساتية. بالمقابل، توني فرانجيه من SynMax Intelligence يرى أن الشركات النفطية الأميركية، وعلى رأسها شيفرون، قادرة على تسريع الإنتاج الفنزويلي أكثر مما يتوقعه كثيرون، ويتنبأ بضغط نزولي قد يدفع WTI إلى ما دون 50 دولاراً، مع كون كندا من أكبر الخاسرين. لكن ماير نصحت بالحيطة، مشيرة إلى أن الإنتاج في الحقول ليس مفتاح كهربائي يمكن تشغيله فوراً: القيود البنيوية لا تختفي بين ليلة وضحاها.

ماذا يعني الأمر للشرق الأوسط؟

في سوق وفرة النفط الحالي تبدو فنزويلا هامشية نسبياً، لكن للشرق الأوسط رسالة مختلفة: التدخّلات العسكرية نادراً ما تبقى محصورة، والنفط، وإن تضاءل تأثيره، لا يزال يحرّك السياسات في اتجاهات خطرة. من حيث المعروض الفوري، لا تشكّل زيادة إنتاج فنزويلا تهديداً مباشراً لمنتجي الشرق الأوسط الذين يعملون على مقاييس لا تستطيع فنزويلا بلوغها قريباً؛ أما الأهم فهو «السابقة» التي تضعها العملية الأميركية. التدخّلات في العراق وليبيا مثّلتا بوادر عدم استقرار طويل الأمد امتدّت عبر المنطقة، وفنزويلا ذات الثلاثين مليون نسمة قد تواجه مصيراً مشابهاً. بحسب نخلة، المخاطر الحقيقية ليست في البراميل بل في اضطراب مستمر يصعب على الأسواق تسعيره.

ما وراء النفط: تيارات استراتيجية

واشنطن أكّدت أن العملية لم تكن مجرد مسألة طاقة. الصين تهيمن على نسبة كبيرة من قدرات تكرير معادن الأرض النادرة، ولها علاقات اقتصادية متعمقة مع فنزويلا، دعمت PDVSA مالياً ونسجت علاقات في عمليات تعدين تنتج معادن حيوية تُستخدم في أنظمة أسلحة متطورة. إيران، وفق تقارير، أقامت مرافق لتصنيع الطائرات المسيّرة، وروسيا نشرت مستشارين عسكريين — تطورات تتقاطع مع تهديدات وردت في استراتيجية الأمن القومي الأميركية 2025 التي تميل إلى واقعية «أمريكا أولاً» وتبتعد عن مطامع الهيمنة العالمية السابقة.

يقرأ  السعودية تُعرب عن قلق بالغ إزاء غزة بعد تقرير الأمم المتحدة عن المجاعة

من منظور واشنطن، تحوّلت فنزويلا إلى نقطة استراتيجية لخصماء داخل الفناء التقليدي للتأثير الأميركي. وأحيَت العملية ادعاءات قديمة بأن المسّ بتجارة النفط المسعّرة بالدولار قد يستدعي ردود فعل أميركية؛ فنزويلا كانت تقبل اليوان وعُملات أخرى للخام وسعت تقاربها مع مجموعة بريكس التي تضم روسيا والصين. لكن خبراء ينصحون بعدم المبالغة في ذلك: النفط اليوم يُتداول بعدة عملات، وسيطرة الدولار تعتمد أكثر على عمق الأسواق المالية والثقة منها على الفرضيات بالقوة وحدها. كما لخصت ماير: «البترودولار في طور تطور وليس في طور انهيار؛ وفنزويلا بمفردها لا تطيح به».

الدرس التاريخي والمآل غير المؤكد

ترامب أعلن أن شركات أميركية ستشارك في إعادة بناء صناعة النفط الفنزويلية، لكن التاريخ لا يقدّم ضمانات: التجارب في العراق وليبيا تُبيّن أن تغيير الحكومات لا يضمن التعافي، وأن البنى التحتية للنفط تحتاج سنوات لإعادة الإعمار والمؤسسات تحتاج زمنًا أطول. احتياطيات فنزويلا ما زالت مدفونة تحت الأرض؛ ما إذا ستصبح مصدر استقرار أم فصلاً آخر في تاريخ الصراعات النفطيّة يبقى أمرًا لم يُحسم بعد.

أضف تعليق