في بندر عباس، لم تصل الهدنة قط

أنا باريسا، عمري 44 عامًا، وأم وحيدة من بندر عباس. في الحادي عشر من يوليو/تموز، استيقظنا ورأينا عمودي دخان يتصاعدان في السماء من جهتين متعاكستين في المدينة. في إحدى الجهتين كان ميناء الشهيد رجائي، أكبر ميناء تجاري في إيران، وفي الجهة الأخرى كان المطار. لقد ضربوا المكانين في الوقت نفسه، وكل هذا يحدث رغم الادعاءات الرسمية بوجود هدنة.

هذه هي الحرب الثالثة التي أعيشها. كنت طفلة أثناء الحرب الإيرانية العراقية التي استمرت ثماني سنوات في الثمانينيات، ولا أذكر منها إلا القليل، لكنني شعرت بهذه الحروب الثلاثة بكل كياني. كثيرون في إيران يجدون صعوبة في استيعاب حقيقة حرب الصيف الماضي، أو حتى حرب هذا الشتاء، لكن بندر عباس كانت هدفًا طوال الحربين معًا. واليوم توصف الهجمات على المدينة بأنها “حوادث طبيعية أثناء الهدنة”، أما بالنسبة لنا نحن سكان هذه المدينة، فهذه حرب شاملة.

لا أعرف هل أتحدث بصيغة الماضي أم المضارع، لكنني أعرف أن ما يحدث في بندر عباس هذه الأيام ليس طبيعيًا. بالنسبة لنا، بدأت حرب فبراير/شباط بضربة مدرسة ميناب، وبدأت حرب يوليو/تموز بالهجوم على مهجع الجنود في بامبور، حيث تمزقت أجساد أبناءٍ صغار لأمهات عاجزات وهم نائمون في أسرتهم. وكان معظم هؤلاء الفتيان على بعد أيامٍ قليلة من إنهاء خدمتهم العسكرية الإلزامية.

عمري 44 عامًا، وأنا أم وحيدة لابن يبلغ من العمر 23 عامًا. أنظر إليه كل صباح وكل مساء، فأتذكر الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن في مهجع بامبور. ابني معفى من الخدمة العسكرية لأنني أم وحيدة، لكن كونه ليس جنديًا لم يجعلني أتنفس بسهولة. ومثل كثير من شباب المدن الساحلية، يعمل في البحر، ولا يمر يوم واحد دون أن أقلق عليه وعلى ما قد يحدث له في الماء أثناء الحرب.

يقرأ  أُصيب عضو نيابي محافظ في هندوراس إثر تعرضه لعبوة ناسفة — أخبار الحكومة

تحاول عائلتي أن تهدئني وتقول إنه لا داعي للقلق، فقوارب الصيد ليست أهدافًا. لكن البحر لم يكن آمنًا طوال هذه الحروب؛ فقد استُهدفت قوارب صيد ومراكب تجارية كثيرة، وأبناء الناس لم يكونوا بأمان في الماء. كيف أهدأ وأنا لا أملك في هذه الحياة إلا ابني؟

بيتنا قريب من مطار بندر عباس. في ليالي القصف، كنا نضع آذاننا على الأرض وننتظر أن يتوقف الضجيج لننام. لكن أي نومٍ كان ذلك؟ حتى عندما تقول وسائل الإعلام: “انتهت هجمات الليلة”، لا شيء يضمن سلامتنا. لقد استُهدفت أبنية سكنية في وضح النهار، بحجة أن شخصًا داخل المبنى كان مستهدفًا، أمام أعيننا.

كيف يُطلب منا أن نبقى هادئين؟ إذا أغلق أحد الجيران الباب بعنف، أقفز خوفًا وأظن أنها ضربة جديدة. وكلما جاء صوتٌ مرتفع من الشارع، أقول: “الله يرحمنا، ضربوا من جديد”.

قبل الحرب، كنت أعتبر نفسي إنسانة شديدة التحمل. لكن الهجمات المتكررة على المدينة والمآسي التي حملتها أجبرتني على إعادة النظر في الصورة التي كنت أتصورها عن نفسي. كنت أعتقد دائمًا أنني إذا فقدت شخصًا عزيزًا، سأكون قادرة على أن أكون سندًا لأحبائي. عندما فقدت صديقتي المقربة زوجها في إحدى الهجمات الصاروخية، أدركت أن الأمر أصعب بكثير مما كنت أتخيل. في المرة الأولى التي اتصلت بها بعد مقتله، لم أستطع أن أنطق بكلمة واحدة. وفي جنازة زوجها، رأيت طفليها الصغيرين يسألان الجميع: “إذن لماذا لم يعد أبي بعد؟” فشعرت أنني لا أستطيع التنفس.

مرت أشهر على تلك الضربة، وما أزال أبتعد عن طفلي صديقتي، رغم أنني أحبهما مثل ابني. لا أطيق أن أراهما وهما ما يزالان يعتقدان أن أباهما سيعود، وأن حياتهما ستعود إلى طبيعتها يومًا ما.

يقرأ  ضربات الفرشاة تتحول إلى تضاريس مرصعة بالخرز في أعمال ليزا لو متعددة الوسائط — كولوسال

الحقيقة أن حياتنا لن تعود إلى طبيعتها أبدًا. أهل بندر عباس، مثل الناس في جنوب إيران، وأعتقد في كل البلاد، لديهم شعور استثنائي بالتضامن. في ليالي القصف، كان جيراننا يأتون أحيانًا للاطمئنان علينا، وكنا نذهب معًا إلى الشاطئ وننتظر انتهاء الهجمات. لكن حتى معًا، لم نكن نستطيع الهروب من القلق.

أحد إخوتي يعمل في ميناء الشهيد رجائي، الذي استُهدف مرارًا. وأخي الآخر يعمل في مجمع بتروكيماويات يتهدده الهجوم باستمرار. أحيانًا أتصل بإخوتي في النهار مرات كثيرة حتى أُتعبهم. لكن ماذا أفعل؟ لا أستطيع الهروب من الخوف من أن تكون هذه آخر مرة نتحدث فيها، وآخر مرة نسمع فيها صوت بعضنا.

لكي أُلهي نفسي ولو قليلًا، انضممت إلى مجموعة من رائدات الأعمال في بندر عباس. نحاول معًا مساعدة النساء اللواتي تضررت أعمالهن بسبب الحرب والانقطاعات المتكررة للإنترنت. أن أتمكن من مساعدة امرأة واحدة فقط على إعادة فتح متجرها الإلكتروني أو مشروعها الغذائي، يمنحني إحساسًا بالهدف، ولو للحظة واحدة.

لكن كم يستطيع فريق صغير مثل فريقنا أن يغيّر حقًا؟ إن إعادة فتح مشروع واحد مغلق تمنحك ارتياحًا وإحساسًا بالمعنى. وبعد ذلك مباشرة، تتذكر فجأة حجم الدمار الهائل، ومدى محدودية قدرتك على تغييره، فتجد نفسك تعود إلى نقطة البداية.

في هذه الأيام، مع استمرار تهديدات الحرب صباحًا ومساءً، وبينما يعلن الإعلام الرسمي أن إيران في هدنة، أجد نفسي أفكر في شيء واحد فقط: أن أعطي هذه الحالة اسمًا. لو عرفنا هل نعيش حربًا أم هدنة أم سلامًا، لاستطعنا أن نتخذ قرارات بشأن حياتنا. لكن مهما كانت هذه الحالة، فهي ترفض أن تُسمى.

يبدو الأمر وكأنك عالق في تعليق لا نهاية له. أينما تنظر، لا تجد أفقًا. نصائح الصلابة تقول لك ركّز على ما يمكنك تغييره، على ما هو في حدود سيطرتك. لكن عندما لا يكون هناك شيء تشعر أنه في سيطرتك، ماذا يفترض بك أن تفعل؟

يقرأ  هل تتخلى الولايات المتحدة عن مستقبل أوكرانيا عبر مفاوضات تُفضّل روسيا؟حرب روسيا وأوكرانيا

ملاحظة المحرر: لأسباب أمنية، تُعرَّف الكاتبة باسم “باريسا” فقط.

أضف تعليق