خلال العقدين الماضيين، باتت الصين بهدوء تتفوّق على الوليات المتحدة كشريك تجاري مهيمن في أجزاء من أمريكا اللاتينية.
لكن منذ ولوجه إلى ولاية رئاسية ثانية، دفع رئيس الولايات المتحدة دونالد ترمب إلى عكس تقدم بكين.
قصص موصى بها
يشمل ذلك خطوات عدائية موجهة إلى حلفاء الصين في المنطقة.
فقد جردت إدارة ترمب بالفعل مسؤولين في كوستاريكا وبنما وتشيلي من تأشيراتهم الأميركية، بحسب تقارير، احتجاجاً على علاقاتهم مع الصين.
كما هددت بالتحكّم مجدداً في قناة بنما على خلفية ادعاءات بتشغّل عملاء صينيين للممر المائي. وبعد غزو فنزويلا واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، أجبرت الولايات المتحدة البلاد على وقف صادرات النفط إلى الصين.
لكن يوم السبت، اختار ترمب مقاربة مختلفة، عندما استضاف قادة من أمريكا اللاتينية في منتجع مار-أ-لاجو خلال قمة أُطلق عليها اسم «درع الأمريكتين».
لا يزال غامضاً كيف يعوّل على إقناع القادة بالابتعاد عن أحد أكبر الشركاء الاقتصاديين في المنطقة.
غير أن الخبراء يرون أن الاجتماع رفيع المستوى قد يشير إلى استعداد واشنطن لطرح عروض ملموسة على الطاولة.
الحصول على تعهدات ذات مغزى من قادة أمريكيا اللاتينية يتطلب أكثر من صورة تذكارية ووعود غامضة، وفقاً لفرانسيسكو أردينيز، المختص في العلاقات الإقليمية مع الصين بجامعة الكنيسة الكاثوليكية في تشيلي.
حتى لدى حلفاء ترمب، يرى أردينيز أن حوافز اقتصادية كبيرة ستكون ضرورية. «ما يأملون فيه فعلاً هو أن تُدعم المحاذاة السياسية بفوائد اقتصادية ملموسة»، كما قال.
«تعزيز عقيدة مونرو»
أكد البيت الأبيض أن ما يقرب من عشرة دول ستُقَدم ممثلةً في قمة نهاية الأسبوع.
تضم القائمة قادة محافظين من الأرجنتين وبوليفيا وتشيلي وكوستاريكا والإكوادور والسلفادور وجمهورية الدومينيكان وهندوراس وبنما وباراغواي وترينيداد وتوباغو.
أما المكسيك والبرازيل، أكبر اقتصادين في المنطقة، فغُيبتا عن الدعوة بشكل لافت، إذ تقودهما حالياً حكومات تميل إلى اليسار.
في منشور على وسائل التواصل، عرضت إدارة ترمب الحدث باعتباره «اجتماعاً تاريخياً يعزّز عقيدة مونرو»، أي خطة الرئيس لإرساء الهيمنة الأميركية على نصف الكرة الغربي.
جزء من الاستراتيجية يرتكز إلى تجميع تحالف من الحلفاء الإيديولوجيين في المنطقة.
لكن تقليص النفوذ الصيني في منطقة باتت تعتمد أكثر فأكثر على اقتصادها لن يكون بالمهمة السهلة، بحسب خيمينا سانشيز، مديرة برنامج الأنديز في مكتب واشنطن لأمريكا اللاتينية (WOLA)، وهو مركز أبحاث ودفاع عن السياسات مقره الولايات المتحدة.
قالت سانشيز: «تحاول الولايات المتحدة إقناع الدول بأنها لا تجعل من الصين أحد شركائها التجاريين الأساسيين، وهذا عملياً غير ممكن في هذه المرحلة».
«في معظم البلدان، تحتل الصين المرتبة الأولى أو الثانية أو الثالثة بين الشركاء التجاريين».
فالصين تملك، بطبيعة الحال، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، واستثمرت بكثافة في أمريكا اللاتينية من خلال مشاريع بنية تحتية وقروض ضخمة.
برز العملاق الآسيوي كشريك تجاري أول في أمريكا الجنوبية على وجه الخصوص، حيث بلغ حجم التجارة الثنائية 518 مليار دولار في 2024، وهو رقم قياسي لبكين.
ومع ذلك، تظل الولايات المتحدة القوة التجارية الخارجية الأكبر في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي عموماً، بفعل علاقاتها الوثيقة مع جارها المكسيك. ففي 2024 قفزت واردات الولايات المتحدة من أمريكا اللاتينية إلى 661 مليار دولار، بينما بلغت صادراتها 517 مليار دولار.
بدلاً من اتخاذ موقف حاسم، تحاول كثير من دول المنطقة التوازن بين القوتين، كما أوضحت سانشيز.
وقالت أيضاً إن الولايات المتحدة لا يمكن أن تأتي إلى محادثات نهاية الأسبوع فارغة الأيدي. «إذا طالبت الولايات المتحدة الدول بقطع وتعليق تقوية علاقاتها مع الصين»، فإنها ستضطر إلى «عرض شيء ما مقابل ذلك».
ما الذي يمكن تقديمه؟
مدّ ترمب بالفعل خطوط إنقاذ اقتصادية لحكومات في أمريكا اللاتينية ذات التوجه السياسي الموالي له.
ففي حالة الأرجنتين، أعلن في أكتوبر عن تبديل عملات بقيمة 20 مليار دولار، يهدف إلى دعم قيمة البيزو. كما سمح بزيادة حصة استيراد لحم البقر الأرجنتيني إلى الولايات المتحدة، داعماً القطاع الزراعي في بلاده رغم اعتراض مزارعي المواشي الأميركيين.
وربط ترمب إلى حد بعيد هذه الحوافز الاقتصادية باستمرار قيادة حركات سياسية موالية له. فعلى سبيل المثال، جاء اتفاق التبديل المالي قبل انتخابات حاسمة لحزب اليمين الذي يقوده الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، الذي يحظى بدعم ترمب.
قد يخدم عزل الصين عن مصادر موارد في أمريكا اللاتينية أيضاً مصالح ترمب فيما يسعى للحصول على شروط تجارية أفضل مع بكين. ومن شأن إظهار تضامن نصفي أن يمنحه نفوذاً إضافياً قبيل زيارته إلى بكين مطلع أبريل للقاء الرئيس شي جينبينغ، بحسب أردينيز.
ثم ثمة بُعد الأمن الإقليمي. أعربت واشنطن عن قلق خاص بشأن سيطرة الصين على بنى تحتية استراتيجية في أمريكا اللاتينية والمعادن الحرجة التي قد تستغلها لتعزيز قدراتها الدفاعية والتكنولوجية.
على سبيل المثال، يُعتقد أن بوليفيا والأرجنتين وتشيلي تضم أكبر مخزونات عالمية من الليثيوم، المعدن الضروري لتخزين الطاقة والبطاريات القابلة للشحن.
أشارت إدارة ترمب إلى مثل هذه المخاطر في استراتيجيتها للأمن القومي المنشورة في ديسمبر. وذكرت الوثيقة أن «بعض التأثير الأجنبي سيكون من الصعب عكسه»، ملقية اللوم على «التحالفات السياسية بين بعض حكومات أمريكا اللاتينية وبعض الجهات الفاعلة الأجنبية».
غير أن منصة ترمب الأمنية زعمت أيضاً أن قادة المنطقة يبحثون بنشاط عن بدائل للصين. وأضافت الوثيقة أن الولايات المتحدة تستطيع مكافحة النفوذ الصيني عبر تسليط الضوء على «التكاليف الخفية» للقرب من بكين، بما في ذلك «أفخاخ الديون» والتجسّس.
أكثر طموحاً من واقع
ترى هنرييتا ليفين، زميلة أولى في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن، أن كثيراً من دول أمريكا اللاتينية تفضّل تعميق الارتباط الاقتصادي مع الولايات المتحدة بدلاً من الصين. لكن في حالات كثيرة لم يكن ذلك خياراً متاحاً.
أشارت إلى قرار الإكوادور توقيع اتفاقية تجارة حُرّة مع الصين في 2023 بعد فشلها في التوصل إلى اتفاق مماثل مع الولايات المتحدة خلال رئاسة جو بايدن. وقد عارض بعض سياسيي الولايات المتحدة الصفقة خشية تأثيرها على الصناعات المحلية، بينما دعوا آخرون بايدن إلى رفضها بسبب اتهامات فساد في حكومة الإكوادور. وانتقد المراقبون أن هذا الرفض دفع الإكوادور نحو علاقة أوثق مع الصين.
وعندما وقعت الإكوادور اتفاقية التجارة الحرة مع الصين قبل عامين تقريباً، أوضح قائدها أنه كان يفضّل إبرام اتفاق مع الولايات المتحدة لكنه لم يجد تجاوباً منها، بينما فعلت الصين.
وبناءً على ذلك، أصبحت الإكوادور خامس دولة في أمريكا اللاتينية توقع اتفاق تجارة حرة مع الصين، بعد تشيلي، بيرو، كوستاريكا، ونيكاراغوا.
بالنسبة إلى ليفين، السؤال المطروح على قمة نهاية الأسبوع هو ما إذا كانت إدارة ترمب ستتقدّم بخيارات بديلة للتعامل الاقتصادي الذي وفرته الصين بالفعل.
قد تتضمن هذه الخيارات اتفاقيات تجارية أو تمويلاً للتنمية أو استثمارات بشروط جذابة. لكن من دون مثل هذه العروض، يحذر أردينيز، الأستاذ التشِيلي، من أن طموح ترمب لاحتواء نمو الصين في أمريكا اللاتينية سيصطدم بحدود.
«ما لم تكن واشنطن على استعداد لملء الفراغ الاقتصادي الذي تطلب من الدول تفريغه، ستبقى استراتيجية التراجع طموحاً أكثر منها واقعاً.»