غزة — مدينة غزة
بخطوات مُنهكة وعيون تملؤها الدموع، تتنقّل هناء المبحوح بين قاعة تعرض صوراً لجثث ومشرحة مستشفى الشفاء بحثاً قاتماً عن أي أثر لابنها المفقود. تمسح هذه الأم البالغة من العمر 56 عاماً دموعها بظهر يدها وتحدق في الوجوه المتحللة المعروضة على الشاشات، متأرجحة بين رغبة جامحة لمعرفة مصير أصغر أبنائها ومخاوف عميقة من أن يكون من بين القتلى الذين سلّمتهم إسرائيل بموجب اتفاق لوقف إطلاق النار بوساطة الولايات المتحدة.
آلاف الفلسطينيين في غزة يتنقّلون بلا كلل بحثاً عن أخبار أحبائهم الذين اختفوا منذ بدء الحرب بعد غارة 7 أكتوبر 2023. وبدافع الحاجة إلى معرفة الحقيقة، تعود هناء مراراً لتفحص الصور واللوائح مرة أخرى، أملاً في بصيص يقودها إلى ابنها عمر، البالغ 18 عاماً، الذي اختفى مع ابن عمه علاء حينما حصلا لتفقد خراب منزلهما في مخيم جباليا في شمال القطاع في يونيو الماضي. كان عمر طالب ثانوية وأصغر إخوتِه السبعة.
“هذا الولد قطعة مني”، تقول هناء، والدموع تنهمر على خديها وهي تتجه نحو المشرحة. تواصل العائلة التواصل مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر وعدد من منظمات حقوق الإنسان بحثاً عن أي أثر لعمر وعلاء، لكن دون جدوى. تصف هناء الانتظار بأنه مفجع ومعذّب: “لا نعرف إن كانوا أسرى أم قتلاهم قد نُقلت أم اعتُقلت جثثهم مع الجثث التي يسلّمونها على دفعات.”
بحث لا ينتهي
منذ بدء إسرائيل إعادة جثث فلسطينيين إلى غزة عبر معبر كرم أبو سالم، صارت هناء واحدة من مئات العائلات التي تتنقّل بين المستشفيات ونقاط الاستلام باحثةً عن أي دليل قد يوضّح مصير أحبائها. وصلت الدفعة الأخيرة في الرابع من فبراير، وأعلنت وزارة الصحة في غزة استلام 54 جثة و66 صندوقاً يحتوي بقايا بشرية، تم تسليمها عبر اللجنة الدولية.
وصلت الرفات إلى مستشفى الشفاء في مدينة غزة، حيث باشرت الفرق الطبية والفنية الفحوصات الأولية وتوثيق المعطيات قبل عرضها على العائلات للتعرّف المحتمل. وتقول منظمات حقوقية إن إجراءات التسليم تتم عبر الصليب الأحمر وفق القواعد الدولية، إلا أن هذه الإجراءات لا تتضمن في كثير من الأحيان توثيقاً مفصلاً أو ظروف الوفاة، مما يثقل على السلطات في غزة مهمة تصنيف الجثث ومحاولة التعرف عليها وسط محدودية القدرة لإجراء اختبارات الحمض النووي.
بعد الدفعة الأخيرة، توجّهت هناء مرات عدة إلى المستشفى لمراجعة القوائم والصور. “لم أترك مكاناً إلا وذهبت إليه. حتى أني ذهبت إلى خان يونس في جنوب القطاع لأتفحص الصور”، تقول. وجاءت الجثث في إطار اتفاق تهدئة تم بين إسرائيل وحماس بوساطة أمريكية في أكتوبر 2025، والذي نص على تبادل رفات 15 فلسطينياً مقابل كل جثمان إسرائيلي محتجز في غزة. ومع ذلك، لا تزال السلطات الإسرائيلية تحتجز رفات أكثر من 770 فلسطينياً فيما يعرف بـ”مقابر الأرقام والمشرحات”، وفق الحملة الوطنية لاسترداد رفات الشهداء وكشف مصير المفقودين.
لا يتوقف ألم هناء عند مراجعة جثث الفلسطينيين فقط، بل تتابع أيضاً قوائم الأسرى التي تفرج عنهم إسرائيل، وتتصل مراراً باللجنة الدولية لتتحقق مما إن كان اسم ابنها مدرجاً. تضحك ملامح من شفقة الموظفين، وتقول هناء: “بالله، الصليب الأحمر حفظني وحفظ صوتي من كثر ما أتصال. يقولون لي: ‘أختي، أليست أنت من اتصلت آخر مرة؟’ وأرد عليهم: ‘نعم، سامحوني، ليس بيدي شيء.'”
رغم هذا السعي المضني، لا يزال الجواب الحاسم غائباً. “قلبي كأم يتمنى أن يكون ابني حياً، لكنني أتهيأ للأسوأ. وحتى هذا الاستعداد النفسي لم يجنِ نتيجة”، تضيف هناء بصوتٍ متهدج.
“لماذا يتركوننا تائهين؟”
تقول هناء إن الأصعب من الفقدان بحد ذاته هو حالة الضياع والارتباك التي تعيشها هي ومئات العائلات الأخرى: “لماذا يتركوننا تائهين هكذا؟ لا نعرف إلى أين ذهبوا ولا ما مصيرهم.” ويزيد من حدة المعاناة المشهد المؤلم للجثث التي تُعاد إلى غزة في حالة تُشحذ القلب: “كل الملامح مدفونة تماماً، ولا أستطيع حتى تمييز ملامح ابني.”
ترى هناء أن هذا التشويه متعمّد لرفع معاناة العائلات الفلسطينية: “كأنهم يريدون أن يتركوا علينا حزن العمر… لنفجع بأطفالنا بلا قرار.” تضيف أنها لم تخفّ حلم ابنها الذي كان في ربيع شبابه، يستعد للامتحانات الثانوية مع ابن عمه، فتتساءل بمرارة: “ماذا فعلوا حتى يختفوا هكذا ولا نعرف مصيرهم حتى الآن؟”
منذ بدء الحرب في أكتوبر 2023، برزت قضية مصير الرفات التي تحتجزها إسرائيل كأحد القضايا الإنسانية والقانونية المركزية في الصراع. إسرائيل لا تنشر قائمة موحّدة بالأسماء. ووفق بيان للصليب الأحمر، فقد سهّل نقل 360 رفات فلسطيني إلى غزة منذ أكتوبر 2023، ونسّق تسليم 195 محتجزاً إسرائيلياً من بينهم 35 متوفى، كما أُعيد 3,472 أسيراً فلسطينياً أحياء. أما وزارة الصحة فتوصلت إلى تعريف 99 جثة فلسطينية فقط بشكل قاطع منذ استلامها. البقية لا تزال بلا هوية أو ما زالت قيد إجراءات التعرف.
قالت الوزارة إن بعض الجثث عليها آثار طلقات نارية في الرأس والصدر، وإصابات بشظايا، وكسور في الجمجمة والأطراف، إلى جانب حالة تحلل متقدمة — ما يعقد كثيراً عمليات التعرف الجنائي.
«كل طفل ثمين لدى أسرته، لكن ابني جزء مني» تقول الأم المكلومة هناا المبحوح [عبدالحكيم أبو رياش/الجزيرة]
نداء للمساعدة الدولية
دعت هناء المنظمات الدولية للتدخل لمساعدة العائلات الثكلى مثلها في معرفة مصير الاطفال لديها.
«لا نستطيع أن نهدأ أو نستقر نفسياً أو اجتماعياً. نحن تحت ضغط نفسي هائل»، تقول.
«حرثوا التراب بالكامل ونقبوا القبور بحثاً عن جثث إسرائيلية بمعدات وفحوصات. لكن أطفالنا، لا أحد يسأل عنهم. بأي منطق يحدث هذا؟»
في دائرة الطب الشرعي بغزة، فريق صغير يتحمل هذا العبء الثقيل في ظروف تحرمهم من أدوات «التأكيد الحاسمة»، ما يترك طواقم المستشفيات والعائلات في حيّز واسع من الشك.
أحمد أبو طه، رئيس ملف الجثث والمفقودين في وزارة الصحة، يخبر الجزيرة أن 120 جثة وصلت مؤخراً إلى غزة عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر. بعضها كان كاملاً، والبعض الآخر عبارة عن بقايا عظمية وأجزاء بشرية متفرقة.
من بين المئة والعشرين، تم التعرف على جثتين فقط، ولم تكن تلك الهوية مثبتة علمياً بشكل قاطع.
فحوصات «التأكيد» مثل تحليل الحمض النووي، والأنثروبولوجيا الشرعية، وطب الأسنان الشرعي غير متوفرة في منظومة الرعاية الصحية المدمرة في غزة، ما يجعل المتاح هو فحوصات «افتراضية» أو ظنية أقل دقة، بحسب أبو طه.
«تبدأ الخطوات بالفحوص الظنية — النظر إلى علامات مميزة، والملابس، والجنس، تقدير العمر، وتحديد معالم مميزة مثل حالات بتر أو وشوم… ثم ينتقل المرء إلى الفحوص التأكيدية. لكن، للأسف، في غزة لدينا فقط فحوصات ظنية.»
هذا النوع من الفحوص «عرضة لزلات كثيرة» قد تؤدي إلى خطأ في التعرف، يضيف.
عندما يتحول الخطأ إلى مأساة
يقول أبو طه إن أكثر ما يؤلمه هو أثر «الخطأ» على عائلات تترقب بفزع العثور على جثة طفل مفقود. سُجلت حالات تكرار للتعرف الخاطئ، مسببة صدمة وإعادة فتح لجراح كثيرة لدى الفلسطينيين.
يروي أبو طه حادثة أثّرت فيه بشدة وتوضح الضرر النفسي والعاطفي الذي تلحقه غياب اختبارات الحمض النووي الدقيقة على العائلات.
«في مناسبة، حضر أفراد عائلة وحددوا جثة باعتبارها ابنهم. قدموا أدلة تطابقت إلى حد كبير مع الجثة. فحص الفريق الشرعي ووجد تشابهات، فعُلمت الجثة لتلك العائلة.»
أكمل ذوو المكلوم الإجراءات الرسمية لاستلام الجثة، وحصلوا على شهادات وفاة، ثم أجروا مراسم الدفن والإعلان عن عزاء لتلقي المعزين.
لكن وقع صادم حدث بعد يومين فقط من الدفن، حين قدمت عائلة أخرى أدلة أكثر قناعة تبين أن المتوفى ينتمي إليهم.
يقول أبو طه إن الحادثة المروعة تكررت داخل مستشفيات غزة المنهكة.
وهو يناشد التدخل الدولي لممارسة ضغط على إسرائيل للسماح بدخول معدات تعريف الهوية وأدوات فحص الحمض النووي كقضية أخلاقية وإنسانية، لإنهاء معاناة العائلات في معركة التعرف على أحبائها ومنحهم دفناً كريمًا.
«ملف الجثث ليس مجرد مسألة رقمية»، يقول أبو طه.