أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صباح السبت أن قوات بلاده نفّذت ضربة جوية واسعة واعتقلت رئيس فنزويلا نيكولاس مادرو وزوجته سِليا فلوريس في هجوم عسكري مفاجئ خلال الليل، بعد أسابيع من تصاعد التوترات.
الحكومة الفنزويلية اتهمت الولايات المتحدة بضرب ثلاث ولايات إلى جانب العاصمة، بينما نشر رئيس كولومبيا غوستافو بيترو قائمة أطول للأماكن التي قال إنها تعرّضت لهجمات. العملية نادرة في التاريخ المعاصر؛ فقد سبق للولايات المتحدة أن اعتقلت زعماء أجانب مثل صدام حسين ومانويل نورييغا، لكن ذلك جرى عقب غزو رسمي وتعبئة حرب.
كيف جرى الهجوم؟
أبلغ سكان كراكاس — مدينة يزيد تعدادها عن ثلاثة ملايين نسمة — عن سماع طائرات تحلّق منخفضة وسلسلة انفجارات في نحو الثانية صباحاً بالتوقيت المحلي (06:00 بتوقيت غرينتش). أبلغت مراسلة الجزيرة في أمريكا اللاتينية عن أن أحد الانفجارات بدا قريباً من فورت تيونا، القاعدة العسكرية الرئيسية في العاصمة.
إدارة الطيران الفيدرالية الأمريكية كانت قد أصدرت سابقاً توجيهات لشركات الطيران التجارية الأمريكية بتفادي المجال الجوي الفنزويلي. بعد دقائق من الانفجارات أعلن مادورو حالة طوارئ وحمّل الولايات المتحدة مسؤولية الضربات، مبيّناً أن الضربات طالت كراكاس والولايات المجاورة ميراندا، أراغوا ولا غوائيرا.
سفارة الولايات المتحدة في بوغوتا أصدرت تحذيراً لمواطنيها بتجنب التوجّه إلى فنزويلا لكنها لم تؤكد ضلوع واشنطن في الهجوم؛ الإعلان الرسمي عن مشاركة قوات أمريكية جاء بعد أكثر من ثلاث ساعات عبر ترامب نفسه.
ماذا قال ترامب؟
في منشور على منصته “تروث سوشيال” قال ترامب، بعد نحو التاسعة صباحاً بتوقيت غرينتش، إن الولايات المتحدة “نفّذت بنجاح ضربة على نطاق واسع ضد فنزويلا وزعيمها الرئيس نيكولاس مادرو، الذي تم اعتقاله مع زوجته ونقله خارج البلاد”. أضاف أن العملية نفذت بالتعاون مع أجهزة إنفاذ القانون الأمريكية دون أن يحدد قيادة القوات التي قادت الهجوم، ودعا إلى مؤتمر صحفي في منتجع مار-أ-لاجو بفلوريدا للإفصاح عن مزيد من التفاصيل.
أين استهدفت الضربات؟
لم تحدد سلطات البلدين بدقة المواقع التي استُهدفت، لكن بيترو نشر قائمة تضمنت عدداً من المواقع العسكرية والمدنية التي قال إنها تعرضت للقصف، منها قواعد جوية وآبار ومجمعات عسكرية وقصر ميرافلوريس الرئاسي. كما أفاد بتقطُّع التيار الكهربائي عن أجزاء واسعة من العاصمة ومناطق جنوبية منها، مع تقارير عن هجمات في وسط كراكاس وتعطّل قواعد طائرات مروحية ومطارات خاصة.
ما أسباب التصعيد؟
اتهم ترامب في الأشهر الأخيرة مادورو بالتورّط في تهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة وبادل الاتهامات بصلته بعصابة “ترين دي أراجوا” المصنّفة من قبل واشنطن كمنظمة إرهابية أجنبية. ومع ذلك، قالت أجهزة الاستخبارات الأمريكية أنه لا توجد دلائل تُثبِت صلة مادورو بالمنظمة، وتُظهر بيانات رسمية أن فنزويلا ليست مصدراً رئيسياً للمخدرات المهربة إلى الولايات المتحدة.
منذ سبتمبر الماضي شنت القوات الأمريكية سلسلة ضربات على زوارق في البحر الكاريبي زعمت أنها كانت تحمل مخدرات، في سياق تصعيد طويل بين البلدين. قتل أكثر من مئة شخص في ما لا يقل عن ثلاثين تفجيراً بحرياً من هذا النوع، غير أن إدارة ترامب لم تقدّم حتى الآن أي دليل علني يثبت وجود مخدرات على متن هذه القوارب، أو أن السفن كانت متجهة إلى الولايات المتحده، أو أن الأشخاص على متنها ينتمون إلى منظمات محظورة كما تدّعي واشنطن.
في الوقت نفسه بدأ الجيش الأمريكي أكبر نشر عسكري في البحر الكاريبي منذ عقود، بقيادة حاملة الطائرات يو إس إس جيرالد فورد، أكبر حاملة طائرات في العالم.
في ديسمبر، استولت الولايات المتحدة على سفينتين كانتا تقلان نفطاً فنزويلياً، ومنذ ذلك الحين فرضت عقوبات على عدة شركات وسفن ناقلة متهمة بمحاولة التهرب من قيود أمريكية صارمة مفروضة على صناعة النفط في فنزويلا.
وفي الأسبوع الماضي استهدفت الولايات المتحدة ما وصفه ترامب بـ«رصيف» في فنزويلا زعم أنه مكان تحميل المخدرات على القوارب.
هل كل هذا يتعلق بالنفط؟
حتى الآن قدّم ترامب ضغوطه وإجراءاته العسكرية ضد فنزويلا وفي البحر الكاريبي بذريعة وقف تدفّق المخدرات الخطرة إلى الولايات المتحدة، لكنه في المقابل بدا يسعى بشكل متزايد إلى رحيل نيكولاس مادوروا عن السلطة، رغم مكالمة هاتفية مطلع ديسمبر وصفها الرئيس الفنزويلي بأنها «ودية».
وخلال الأسابيع الأخيرة بدأ بعض كبار مساعدي الرئيس الأمريكي يتحدثون بصراحة عن نفط فنزويلا: احتياطيات الخام الهائلة في البلاد، التي لا مثيل لها عالمياً، قُدِّرت بنحو 303 مليار برميل حتى عام 2023.
في 17 ديسمبر ادّعى المستشار البارز لترامب، ستيفن ميلر، أن الولايات المتحدة «خلقت صناعة النفط في فنزويلا» وأن نفط الدولة الأمريكية الجنوبية يجب أن يعود — بحسب رأيه — إلى الولايات المتحدة.
ومع أن شركات أمريكية كانت من أوائل من استغلّ النفط في فنزويلا في مطلع القرن العشرين، فإن القانون الدولي واضح: للدول ذات السيادة — وفي هذه الحالة فنزويلا — ملكية الموارد الطبيعية داخل أراضيها بموجب مبدأ السيادة الدائمة على الموارد الطبيعية.
أممت فنزويلا صناعتها النفطية عام 1976. ومنذ وصول الرئيس الاشتراكي هوغو تشافيز إلى السلطة عام 1999، وهو المرشد والسلف لمادوروا، ظلت العلاقة مع الولايات المتحدة متوترة.
مع ذلك تواصل شركة نفط أمريكية كبرى، شيفرون، العمل في البلاد.
قادت المعارضة الفنزويلية، بزعامة الحائزة على جائزة نوبل للسلام ماريا كورينا ماتشادو، دعوات علنية لتدخل أمريكي ضد مادوروا، مشيرة إلى احتياطيات النفط التي يمكن للشركات الأمريكية استغلالها بسهولة أكبر إذا تغيّر الوضع السياسي في كراكاس.
لطالما كان النفط أكبر صادرات فنزويلا، لكن العقوبات الأمريكية منذ 2008 قوّضت المبيعات الرسمية، وتحصِّل البلاد اليوم جزءاً يسيراً فقط مما كانت تكسبه سابقاً من صادراتها.
كيف ردّت الحكومة الفنزويلية؟
رغم أن فنزويلا لم تؤكد اعتقال مادوروا، قالت نائبة الرئيس دلسي رودريغيز لقناة التلفزيون الحكومي إن الحكومة فقدت الاتصال بمادوروا والسيدة الأولى فلاوريس ولا تملك وضوحاً حول مكان وجودهما.
وطالبت بتقديم «دليل على الحياة» لمادوروا وفلاوريس، وأضافت أن دفاعات البلاد فُعّلت.
وفي بيان سابق قالت الحكومة الفنزويلية إنها «ترفض وتندّد وتستنكر» هذه الهجمات، معتبرةً أن العدوان يهدد استقرار أمريكا اللاتينية والكاريبي ويعرّض حياة ملايين الناس للخطر. واتهمت واشنطن بمحاولة فرض حرب استعمارية وفرض تغيير نظام، مؤكدةً أن هذه المحاولات ستفشل.
ماذا سيحصل لمادوروا بعد ذلك؟
نشرت المدعية العامة لترامب، بام بوندي، تصريحاً على منصة إكس أعلنت فيه أن مادوروا وزوجته مُلاحَقان بتهم في المقاطعة الجنوبية لولاية نيويورك.
ووجّهت إلى مادوروا تهم «التآمر للإرهاب المرتبط بالمخدرات، والتآمر لاستيراد الكوكايين» إلى جانب تهم أخرى، وقالت بوندي إنه لم يتّضح بعد إن كانت زوجته تواجه نفس التهم، لكنها أشارت إلى أن الزوجين وُصِفا بأنهما «مشتبه بهما في تجارة مخدرات دولية».
وأضافت: «سيواجهان قريباً كامل صرامة العدالة الأمريكية على أرض أمريكية وفي محاكم أمريكية».
أورد السيناتور الجمهوري مايك لي على منصة إكس أنه تحدث مع وزير الخارجية ماركو روبيو الذي أخبره أن مادوروا «اعتُقل بواسطة عناصر أمريكية ليُصار إلى محاكمته لجرائم جنائية في الولايات المتحدة، وأن الإجراء الحركي الذي شهدناه الليلة نشر لحماية المصادقين والمنفذين لأمر الاعتقال».
في عام 2020 سبق وأن وجهت النيابات الأمريكية اتهامات لمادوروا بإدارة شبكة لتهريب الكوكايين.
غير أن المسؤولين الأمريكيين يلتزمون الصمت بشأن شرعية اعتقال مادوروا والعمليات العسكرية ضد فنزويلا، وهي عمليات تنتهك — بحسب محللين — مبادئ ميثاق الأمم المتحدة المتعلقة بسيادة الدول وسلامة أراضيها.
أدانت روسيا وكوبا، الحليفان المقربان لمادوروا، الهجوم. ورفضت كولومبيا، وهي جارة فنزويلا وواقعة أيضاً تحت مرمى سياسات ترامب، العدوان على سيادة فنزويلا وأمريكا اللاتينية، رغم أن بوغوتا نفسها لا تعترف بحكومة مادوروا.
أما معظم الدول الأخرى فبدت أكثر تحفظاً في ردودها على هذا التصعيد الأمريكي حتى الآن. ما التالي في فنزويلا؟
يُعتبر رودريغيز وكابيو ولوبيز من بين القادة الذين يُنظر إليهم على نطاق واسع كمقربين من مادورو.
دستورياً، رودريغيز، نائبة الرئيس، هي التالية في ترتيب التسلسل لتتولى السلطة إذا كان مادورو قد أُخِذ بالفعل من فنزويلا على يد الولايات المتحدة.
من بين القادة الكبار الآخرين الذين يُعدّون مقربين من مادورو وذوي نفوذ داخل التسلسل الهرمي الفنزويلي: وزير الداخلية ديوسدادو كابيو، ورئيس الجمعية الوطنية — وأخو ديلسي — خورخي رودريغيز، والقيادة العسكرية برئاسة الجنرال فلاديمير بادرينو لوبيز.
لكن لا يتضح ما إذا كان الجهاز الرسمي الذي بناه تشافيز ومادورو بعناية على مدى ربع قرن سيصمد بدونهما، أم أن النطام سينهار تدريجياً.
«اعتقال مادورو يعد ضربة معنوية مدمّرة للحركة السياسية التي أطلقها هوغو تشافيز عام 1999، والتي تراجعت إلى ديكتاتورية منذ تولي نيكولاس مادورو السلطة»، قال كارلوس بينا، محلل فنزويلي مقيم في المكسيك، لـــ«الجزيرة».
إذا ما قامت الولايات المتحدة — أو إن كانت قد نجحت بالفعل — في تحقيق تغيير نظامي، فقد تكون مرشحة المعارضة، ماشادو، في مقدمة المرشحين لتولي أعلى منصب في فنزويلا، رغم غموض مستوى شعبيتها الفعلي. في استطلاع أجري في نوفمبر داخل فنزويلا، كان 55 في المئة من المشاركين معارضين للتدخل العسكري في بلادهم، ونسبة مماثلة كانت معارضة للعقوبات الاقتصادية ضد فنزويلا.
قد يكون ترامب مخطئاً إذا افترض أن الولايات المتحدة تستطيع البقاء خارج الفوضى التي من المرجح أن تعقُب سيناريو ما بعد مادورو، وفقاً لكريستوفر ساباتيني، الباحث الأول لبرنامج أميركا اللاتينية والولايات المتحدة وكندا في تشاتام هاوس.
«حتى إذا حدث تغيير للنظام — وهو أمر غير مؤكد ما إذا كان سيكون ديمقراطياً — فإن العمل العسكري الأميركي سيستلزم على الأرجح انخراطاً أميركياً مستداماً من نوع ما»، قال ساباتيني. «هل ستتحمل إدارة ترامب ذلك؟» سيتطّلب الإجابة وقتاً وموارد لا يستهان بها.