قلق يمني من تبعات اقتصادية إثر جرّ البلاد إلى الصراع بين الولايات المتحدة وإيران

صنعاء، اليمن — تواجه إيران الآن ضغوطاً هائلة من الولايات المتحدة واسرائيل، وترد بالمناورة ضمن الأوراق التي تملكها.

أثر التهديد الإيراني على حركة الملاحة في مضيق هرمز كان بالغ الخطورة، مسبّباً صدمة عالمية في قطاع الطاقة. وحلفاء طهران الإقليميون، وعلى رأسهم حزب الله في لبنان، منحوا طهران دعماً عسكرياً وسياسياً ملحوظاً.

لكن من بين أوراق النفوذ الإيرانية هناك ورقة لم تُفعّل بعد: المتمردون الحوثيون في اليمن. رغم أنهم برهنوا خلال العامين الماضيين على قدرتهم على استهداف السفن في البحر الأحمر منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية في غزة، فإنهم حتى الآن لم يشاركوا بشكل مباشر في التصعيد الحالي. سؤال كثيرين داخل اليمن وخارجه: إلى متى سيبقون على الحياد؟

زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي كرّر أن «الأياد على الزناد» وأن الحركة قد تتدخل في التوقيت المناسب. ومن جانب آخر حذّر مسؤول عسكري إيراني، في تصريح لوكالة تسنيم، من أن أي اعتداء أميركي على منشآت نفطية في جزيرة خارك قد يدفع طهران إلى زعزعة استقرار البحر الأحمر ومضيق باب المندب غرب اليمن، عند مدخل البحر الأحمر.

حصار باب المندب، وهو ممر ملاحي حيوي يربط البحر الأحمر بممرات التجارة العالمية، سيضاعف اضطراب سوق الطاقة العالمية، لكنه في الوقت نفسه قد يكون كارثةٍ مدمرة ومكلفة على اليمن اقتصادياً وإنسانياً، وفق محللين تحدثوا إلى الجزيرة.

عبد السلام محمد، رئيس مركز أبعاد للدراسات والبحوث في اليمن، يرى أن مشاركة الحوثيين إلى جانب إيران ستتركز على استهداف منشآت الطاقة والموانئ في دول الخليج وعرقلة مرور السفن عبر باب المندب. وأضاف أن مثل هذا التصعيد سيعيد إشعال الصراع الداخلي في اليمن، حيث إن خطوط المواجهة قد تعود لتتفجر، وقد تفتح صفحة جديدة من الحرب بين الحوثيين والقوات الموالية للحكومة.

الصراع بين الطرفين دار لسنوات طويلة وتوقّف فعلياً في أبريل/نيسان 2022 بعد توقيع هدنة مدعومة من الأمم المتحدة. لكن قوى معارضة للحوثيين قد تستغل أي ضعف يلحق بالتحالف الإيراني أو أي انشغال خارجي لشن هجوم لاستعادة مناطق خسرتها.

يقرأ  لماذا يخرج الإيرانيون إلى شوارع طهران وسط الحرب؟ — أخبار

خلال العام الماضي شنت الولايات المتحدة واسرائيل ضربات جوية استهدفت مناطق خاضعة للحوثيين وأسفرت عن مقتل عدد من القيادات السياسية والعسكرية في صنعاء، وفي المقابل توصل الحوثيون والولايات المتحدة في مايو/أيار إلى هدنة تضمنت إيقاف هجمات الحوثي على السفن الأميركية في البحر الأحمر. كما توقفوا لاحقاً عن استهداف اسرائيل وسفنها بعد صفقة تهدئة متعلقة بقطاع غزة. مع ذلك يرى المحلّل محمد الآن أن اتفاقية التهدئة بين الحوثي والولايات المتحدة على شفير الانهيار، وأن انهيارها سيزيد من احتمال تجدد الحرب البرية في اليمن.

المعسكر المؤيد للحكومة اليمنية يبدو اليوم أكثر جاهزية عسكرياً، لا سيما بعد استقرار الوضع في جنوب اليمن واستعادة الحكومة بدعم سعودي لأجزاء من المحافظات الجنوبية ومنها عدن. وهذا يعزز ثقة الحكومة بأنها قادرة على تجميع قدراتها وربما استئناف القتال ضد الحوثيين بمساندة دولية محتملة، لا سيما من الولايات المتحدة والسعودية.

التداعيات الاقتصادية

أي تصعيد في باب المندب سيعرقل حركة الوقود والبضائع القادمة من المنطقة، مضيفاً المزيد من الأعباء إلى المشكلات الاقتصادية العالمية الناجمة عن الحرب بين الولايات المتحدة واسرائيل وإيران. ويرى مصطفى نصر، رئيس مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي، أن ذلك سيكون «ضربة قاسية» للاقتصاد اليمني. فاليمن يعتمد اعتماداً شبه كلي على الاستيراد للوقود والسلع الغذائية؛ والفوضى في الممر المائي ستعطّل عمليات الشحن وتؤدي فوراً إلى ارتفاعات في الأسعار، بينما لا توجد بدائل محلية كافية، ليكون العبء الأكبر على المدنيين.

أبلغت شركات الشحن الدولية مؤخراً المستوردين في اليمن بفرض رسم «مخاطر حرب» بقيمة ثلاثة آلاف دولار على كل حاوية متجهة إلى اليمن، رغم أن مضيق باب المندب لا يزال حتى الآن سالكاً نسبياً للسفن. ولكن إذا تحوّل الممر إلى جبهة قتالية فستتسع التداعيات لتشمل ارتفاعات في أسعار الوقود وتكاليف الشحن والتأمين، ما سيكون بمثابة مأساة حقيقية للسكان، بحسب نصر. كما لفت إلى أن عدم الاستقرار في باب المندب سيؤثر سلباً على اقتصادات دول الخليج التي تؤمّن دعماً مالياً لليمن، وبالتالي فإن استمرار الحرب سيكبّد اقتصادات الخليج خسائر قد تنعكس بتحجيم الدعم لليمن.

يقرأ  الأمم المتحدة تناشدفتح ممرّ آمن للمدنيين المحاصرين في مدينة سودانية متضررة من الحرب

يعتمد اليمن على الواردات لتأمين نحو 85% من حاجته الغذائية، لذا فإن أي تعطيل سيترجم سريعاً إلى تفاقم أزمة الأمن الغذائي.

«الجوعى سيزدادون جوعاً»

ليلى، خريجة جامعية تبلغ 26 عاماً وتعمل متطوعة في مبادرات إنسانية محلية بصنعاء، تقول إن أي توسع إقليمي يشمل اليمن «سيجعل الجائع أكثر تجويعاً». تروي أن أسرة مكونة من أربعة أفراد قد تعيش بمعدل ثلاثة دولارات في اليوم، وأن أي ارتفاع في أجور النقل أو قفزات في أسعار السلع بسبب مخاطر الشحن سيجعل هذا المبلغ غير كافٍ لحمايتهم من الجوع.

ليلى ترى أن امتناع الحوثيين عن الانخراط المباشر خلال الأسابيع الماضية كان حكيماً وتأمل ألا يُجرّهم التصعيد إلى «حلقة الصراع» لأن التداعيات الإنسانية على اليمن ستكون بالغة الألم والمعاناة في حال تورّطوا. الحرب الحوثية إلى جانب إيران قد تخلق إشكالات كبيرة أمام الولايات المتحدة واسرائيل، لكنها في المقابل ستمثل كارثة إنسانية لا تُحتمل لليمنيين. «من شأن تعطيل خطوط الملاحة وفرض حصار على الموانئ أن يكون وصفة لمزيد من الجوع هنا»، قالت.

اليمن أفقر دول الشرق الأوسط، وقد وصفت الأمم المتحدة سابقًا أزمته بأنها الاسوأ أزمة إنسانية في العالم.

كتبت سامیة عوض بطاهر، منسقة قطاع الصحة لدى اللجنة الدولية للإنقاذ، في مقال رأي حديث للجزيرة أن تركيز الاهتمام الدولي على الصراع في إيران وانتشاره الإقليمي أخفى تقريبًا أزمة مدمرة في اليمن لا تحظى بأي رصد يذكر.

وأضافت: «لدى كثير من الأسر في اليمن أصبحت الوجبات حصّة يومية من الخبز والماء، ولدى آخرين يمتنع البالغون عن الطعام حتى يأكل أطفالهم.»

حذر يوم الإثنين خورخي موريرا دا سيلفا، نائب الأمين العام للأمم المتحدة والمدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع، من أن حصار مضيق هرمز سيزيد من تفاقم الأوضاع في دول تعاني من الجوع، بينها السودان وجنوب السودان وأفغانستان واليمن والصومال.

يقرأ  تحديات التعلم العصبي القابل للتكيف في صناعة التعلم الإلكتروني

وقال في بيان: «إن الاضطرابات في مضيق هرمز تقوض إيصال إمدادات الطاقة. وتتأثر أسواق الأسمدة، مما يهدد الأمن الغذائي في الدول التي تسجل أعلى معدلات المجاعة أو انعدام الأمن الغذائي.»

كما سيقوّض أي صراع محتمل عمل المنظات الإنسانية الدولية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين؛ تلك المنظمات اضطرت بالفعل في الأشهر الماضية إلى سحب موظفيها عقب حملة اعتقالات شنّها الحوثيون بحق موظفي الأمم المتحدة والعاملين في الإغاثة.

خسائر الوظائف وارتفاع الأسعار

في اليمن يمكن لأزمات الوقود والغذاء أن تكون مدمرة بقدر الضربات الجوية، لأنها تمس المدنيين في كل أنحاء البلاد وتفضي إلى كوارث اقتصادية وإنسانية.

صالح أحمد، البالغ من العمر خمسين عامًا والمقيم في صنعاء، يتابع أخبار الحرب في إيران بانتظام، وخصوصًا أخبار مضيق هرمز. أحمد، سائق حافلة، يخشى أن يكون إغلاق هرمز مقدمة لإغلاق باب المندب.

وشرح سبب قلقه قائلاً: «ما إن يشتعل باب المندب بنيران الحرب، سيختفي الوقود من محطات صنعاء وتبدأ مبيعات السوق السوداء. يعني هذا أنني لن أستطيع تشغيل حافلتي متى احتجت لذلك.»

وأضاف: «بالنسبة إليّ ستكون مشكلة مزدوجة: نقص الوقود سيعيق عملي، وارتفاع أسعار المواد الأساسية سيكون عبئًا ماليًا لا يُطاق.»

عندما بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل في ضرب إيران الشهر الماضي، هرع أحمد ومئات من أصحاب المركبات إلى محطات الوقود. لكن بعد تأكيدات من السلطات الحوثية في صنعاء بأن الإمدادات مستقرة، قال إن الناس تراجعوا عن الهلع. ومع ذلك، قد لا يبقى الحال هكذا إذا تورط الحوثيون في الصراع.

قال أحمد: «حين ينزلق باب المندب إلى الفوضى سيكون من الصعب طمأنتنا. ستندلع أزمة الوقود وسترتفع الأسعار. سنكون الضحايا الأوائل.»

أضف تعليق