طبيب فرّ من آخر مستشفى يعمل في المدينة يروي هجوم قوات الدعم السريع على عاصمة شمال دارفور في أكتوبر.
محمد إبراهيم، طبيب سوداني يبلغ من العمر 28 عاماً، قال إنه لم يكن متأكداً أنه سيبصر الشمس تغرب مجدداً.
«من حولنا رأينا الناس يركضون ويسقطون على الأرض أمامنا»، قال إبراهيم في شهادة نقلتها وكالة أسوشيتد برس السبت.
كان يتحدث عن هجومٍ على الفاشر، عاصمة شمال دارفور، شنّته ميليشيات الدعم السريع بدءاً من ٢٦ أكتوبر واستمرّ ثلاثة أيام، منهياً حصاراً دام ثمانية عشر شهراً على آخر معقل للجيش السوداني في الولاية.
منذ أبريل ٢٠٢٣ والجيش وقوات الدعم السريع يخوضان حرباً أهليةً ضارية على السلطة في السودان، خلّفت آلاف القتلى وملايين النازحين، وخلقت ما تصفه الأمم المتحدة بأنه أكبر أزمة نزوح وجوع في العالم.
«تحركنا من بيت إلى بيت، ومن سور إلى سور تحت قصفٍ متواصل. الرصاص كان يطير من كل الجهات»، قال إبراهيم وهو يروي فراره من آخر مرفق صحي وظيفي في الفاشر.
وفق الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان، تلا ذلك حملة منظمة من القتل الجماعي والتطهير العرقي، ما دفع إلى فتح تحقيقات في جرائم حرب وفرض عقوبات دولية.
من مدينة طويله، على بعد نحو ٧٠ كيلومتراً عن الفاشر، أدلى إبراهيم بهذا السرد النادر المفصل عما شاهده.
حين اجتاح المهاجمون المدينة، أطلقوا النار على مدنيين يحاولون التسلق فوق الأسوار والاختباء في الخنادق بغية الفرار، وقصفتهم عربات مسلحة وهم يسقطون واحداً تلو الآخر، بحسب وصف إبراهيم. رؤية هذا الكم من القتلى جعلته يشعر كما لو أنه يتجه نحو موته.
«كان شعوراً حقيراً»، قال. «كيف تسقط الفاشر؟ هل انتهى الأمر؟ رأيت الناس تركض مذعورة… كان المشهد كأنه يوم القيامة».
في غضون ساعات، اقتحمت قوات الدعم السريع المنازل، وطالبت بالهواتف مسددة بنادقها، ونهبت الممتلكات.
حلل مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل صور أقمار صناعية وحدد ما لا يقل عن 150 مجموعة أجسام تبدو متسقة مع بقايا بشرية في الفترة بين ٢٦ أكتوبر و١ نوفمبر. وثّق الباحثون كذلك محاولات منهجية لتدمير الأدلة عبر الحرق والدفن، مع وجود مركبات تابعة لقوات الدعم السريع قرب هذه المواقع.
صرّحت سارة مجدوب، خبيرة سابقة لدى مجلس الأمن حول السودان، بأن «آلية اختفاء» كانت تعمل بعد سقوط المدينة، مع الآلاف المفقودين دون أثر.
أُسر إبراهيم أيضاً على يد عناصر الدعم السريع وطالبوه بفدية. «لم أرد أن أخبرهم أني طبيب، لأنهم يستغلون الأطباء»، قال. وبعد مفاوضات نُخّصت المطالبة الأولية البالغة ٢٠ ألف دولار إلى ٨ آلاف دولار دفعتها عائلته مقابل إطلاق سراحه.
أفادت المنظمة الدولية للهجرة بأن أكثر من ٢٦ ألف شخص فرّوا من الفاشر خلال يومين فقط بعد استيلاء قوات الدعم السريع في ٢٦ أكتوبر، وأن عدد النازحين فاق ١٠٦٣٨٧ شخصاً بحلول أواخر نوفمبر.
الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي فرضوا في الأشهر الأخيرة عقوبات على قادة في قوات الدعم السريع.
قالت نزهت شميم خان، النائبة العامة للمحكمة الجنائية الدولية، إن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتُكبت في الفاشر «كتتويج لحصار المدينة الذي شنته قوات الدعم السريع». وأضافت أمام مجلس الأمن أن الصورة الناشئة «مروعة»، وأن «جريمة منظمة واسعة النطاق» استُخدمت لفرض السيطرة.