كبار السن الفلسطينيون متمسّكون بالبقاء في غزة رغم الظروف القاسية

معبر رفح بين غزة ومصر فُتح جزئياً هذا الأسبوع بعد إغلاق دام عامين بقرار إسرائيلي، وهو خبر جلب بعض الاطمئنان خاصة لأولئك الفلسطينيين الذين هم بأمسّ الحاجة للعلاج في الخارج. ومع ذلك، فإن كثيرين من كبار السن في غزة يعتبرون البقاء داخل القطاع خياراً مرتبطاً بالبقاء، والمقاومة، والذاكرة التاريخية. رفح قد تفتح، لكنهم لا ينوون الرحيل.

في ذهن كفاية العصر، يعود قرار البقاء محاولة لتصويب ما تعتبره خطأً تاريخياً ارتكبه والداها حين نزحا عن قريتهما جُلِيس التي تهجرت في نكبة 1948 وأصبحت ضمن الأراضي الإسرائيلية. قالت كفاية، البالغة من العمر 73 عاماً، إنهم ظلوا يحمّلون والديهما مسؤولية ترك البيت. واجهت كفاية التهجير خمس مرّات منذ بدء الحرب الإسرائيلية التي وصفتها بأنها إبادة شعبية؛ وهي، في الأصل من جباليا شمالي غزة، تقيم حالياً داخل فصل دراسي في مدرسة بمنطقة النصيرات.

أصبحت أرملة في أوائل 2023 وليس لديها أبناء، وتقول إن التهجير يعيد إحياء الصدمة التي ورثتها عن والديها. «التاريخ يعيد نفسه الآن»، تردف. «والداي فقدا كل أموالهما عندما أجبرهما النزوح، وكنا نحن أيضاً أملنا مالاً ولكننا الآن مهجرون وفقدنا كل شيء». حين كانت طفلة، عاش أفراد أسرتها في خيام مخيمات اللاجئين قبل أن تتحول المساكن إلى مبانٍ أكثر ثباتاً في عقود لاحقة؛ والآن تشعر أنها تعيش مصيراً مشابهاً.

تؤكد كفاية أنها لا تريد إعادة التاريخ، وتفضّل أن تموت على أرضها: «لن أغادر للعلاج خارجاً… أختار أن أموت في أرضي على أن أُعالج في الخارج». ورغم معاناتها من ضغط الدم المرتفع ونقص الرعاية الطبية الملائمة بسبب الحرب، تظل مصممة على البقاء.

أزمة خفية

انفتح معبر رفح جزئياً يوم الاثنين بعد أن ظلّ مغلقاً إلى حد كبير بقرار إسرائيلي منذ مايو/أيار 2024. جاء الفتح كجزء من المرحلة الثانية مما عُرف بـ«وقف إطلاق النار» في غزة، مع استمرار اسرائيل في انتهاك الاتفاق عبر شنّ هجمات متكررة على القطاع وأسفرت عن مئات القتلى. حتى الآن سُمح لعدد قليل من الفلسطينيين بمغادرة القطاع، وجلّهم مرضى يتلقون علاجاً ترافقهم عائلاتهم.

يقرأ  بفضل الشعب الإيطالي... ابتسامة في غزةالصراع الإسرائيلي الفلسطيني

وضَع آخرون أسماءهم على قوائم الانتظار، بعضهم على أمل السفر للدراسة أو هرباً من واقع الحياة في غزة التي قُتل فيها أكثر من 70 ألف شخص منذ اندلاع الحرب، ودُمّرت معظم المباني، ما يعني أن إعادة الإعمار ستكون عملية تمتد لسنوات حتى لو توافرت عناصر التعاون.

يقول طلال أبو رُكبة، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر بغزة: «إسرائيل تهيئ ظروفاً لا تُحتمل في غزة، وتحرم الفلسطينيين من ضروريات الحياة. عندما يرفض الناس الرحيل ويبقون في وطنهم، يحبطون المشروع الإسرائيلي القائم على إقامة دولة على أرض “بلا شعب”». أعضاء يمين متشدد داخل الحكومة الإسرائيلية دعوا مراراً إلى إقامة مستوطنات غير قانونية في غزة وطرد الفلسطينيين.

البقاء رغم الأزمة الإنسانية

إصرار كبار السن على البقاء يأتي رغم أزمة إنسانية يغفل الكثيرون عنها. وجدت أبحاث منظمة العفو الدولية وهيليب إيج أن حصار المساعدات والأدوية ساهم في «أزمة صحية جسدية ونفسية». بعد نشر التقرير، قالت إيريكا جيفارا-روساس، المديرة العليا للبحث والدراسات والحملات في منظمة العفو، إن «احتياجات المسنين غالباً ما تُهمل خلال النزاعات المسلحة. في غزة، يعاني المسنون انهياراً صحياً وجسدياً ونفسياً غير مسبوق نتيجة الإلحاق المقصود بظروف معيشية تُقرَب قرب التدمير الجسدي للفلسطينيين».

وأظهرت المنظمتان أن 76% من كبار السن الذين أُجري معهم المقابلات يعيشون في خيام، وأن 84% قالوا إن ظروف المعيشة تؤثر سلباً على صحتهم وخصوصيتهم. كما أُجبر 68% منهم على وقف أو تقليل أدويتهم لنقص التوفر، وكاد نصفهم أن يضطر لتخطي الوجبات حتى يأكل الآخرون. يعاني كثيرون أيضاً من مشكلات نفسية؛ فأكثر من 77% أفادوا أن الحزن والقلق والوحدة أو الأرق قلّل من شهيتهم وأثر على رفاهيتهم.

تعب ووحدة

نظمية رضوان، البالغة من العمر 85 عاماً، مثال صارخ على هذا الواقع. فهي لا تستطيع الحصول على أدويتها، تعاني نقص وزن واعتلالاً صحياً، ومع ذلك ترفض مغادرة غزة. لديها تجربة سابقة من التهجير في نكبة 1948 مثل والدي كفاية: فُرِض عليها النزوح من القدس إلى دير البلح في وسط غزة بعد النكبة، ومع أنّ حياتها امتدت بين تهجير وحروب، تقول بصراحة: «عشت حياتي كلها تهجيراً وحروباً منذ النكبة. أنا في الخامسة والثمانين، متعبة ووحيدة ومريضة ومهجّرة، لكنني لن أغادر غزة أبداً. سأعيش متسولة ومشرّدة ولن أرحل عن غزة».

يقرأ  يُعتقد أن سائق ناسكار السابق غريغ بيفل من بين سبعة قتلى في تحطم طائرة بالولايات المتحدة

أضف تعليق