كيف أصبحت لبنان نقطة الانهيار لهدنة الحرب مع إيران — إسرائيل تشن هجمات على لبنان

بعد أسابيع من التهديد بأن استمرار الهجمات الإسرائيلية على لبنان سيقوض السياق الدبلوماسي، شرعت إيران ليل الأحد في أول ضربات مباشرة تجاه إسرائيل منذ شهرين، ما أعاد طرح الشكوك حول فرص إبرام تسوية سلام بين واشنطن وطهران.

سعت إسرائيل والولايات المتحدة إلى فصل احتلال إسرائيل للجنوب اللبناني عن الحرب الأوسع ضد إيران، لكن طهران ظلّت تصرّ على أنها لن تقبل أي إطار سلام لا يشمل لبنان وحلفاءها الإقليميين.

بيروت: الخط الأحمر

أكدت ضربات الليلة الماضية هذه المعادلة. فقد جاءت الردود الإيرانية بعد غارة إسرائيلية على الضواحي الجنوبية للعاصمة بيروت، رغم تأكيدات سابقة من واشنطن بأن تل أبيب لن تستهدف بيروت ما دامت حزب الله يلتزم بعدم استهداف شمال إسرائيل. وأطلقت إيران صواريخ على أهداف في إسرائيل انتقاماً للغارات، فيما قالت الحرس الثوري الإيراني إن العملية كانت تحذيرية، محذّراً بأن تكرار الاعتداءات سيقابل بردّ أوسع يشمل أهدافاً أميريكية‑صهيونية في المنطقة.

ردّت إسرائيل بشن هجمات متعددة داخل إيران شملت أهدافاً بالعاصمة طهران، رغم تقارير تفيد بأن الرئيس الأميركي طلب من رئيس الوزراء الإسرائيلي عدم التصعيد. وردّت طهران بدفعة ثانية من الصواريخ صوب الأراضي الإسرائيلية، التي أفاد الدفاع الجوي الإسرائيلي بأنه اعترض معظمها، ولم ترد تقارير مؤكدة عن سقوط قتلى داخل إسرائيل.

ومع ذلك، رأى الرئيس الأميركي أن عليه التدخّل عبر وسائل التواصل الاجتماعي من أجل الدعوة إلى وقف إطلاق النار الفوري بين الطرفين، في منشور مقتضب انتقد إطلاق النيران.

الحرب تتسع: لبنان ساحة الاشتباك

انخرط لبنان فعلياً في الحرب الأميركية‑الإسرائيلية ضد إيران منذ الثاني من مارس، بعدما شنّ حزب الله، الحليف لطهران، هجمات على شمال إسرائيل رداً على اغتيال قادة إيرانيين وعلى ما اعتبره الحزب خروقات شبه يومية لاتفاق وقف النار الذي تم التوصل إليه في نوفمبر 2024. تشير أرقام وزارة الصحة اللبنانية إلى مقتل ما لا يقل عن 3,613 شخصاً وإصابة 11,072 آخرين منذ تجدد القتال في مارس، ونزوح أكثر من مليون مدني مع احتلال إسرائيل لما يقرب من خمس مساحة البلاد.

يقرأ  ساعر لوزير الخارجية الفرنسي: لا حاجة لماكرون لزيارة إسرائيل بعد الاعتراف بدولة فلسطين

على الرغم من وقفٍ تحت رعاية أميركية دخل حيز التنفيذ في 17 أبريل بهدف تهدئة القتال بين إسرائيل وحزب الله، استمرت الضربات الإسرائيلية خلال الأسابيع التالية، بما في ذلك ضربات على بيروت حيث تقول تل أبيب إنها تستهدف معاقل لحزب الله في الضواحي الجنوبية. وأعلنت مفاوضات جرت في واشنطن عن هدنة مشروطة جديدة، لكن قادة حزب الله رفضوها واعتبروها مسرحية، مؤكدين مواصلة ضرب شمال إسرائيل طالما استمرت القنابل في تساقطها على لبنان.

معادلة جديدة: من الدفاع بالوكلاء إلى المواجهة المباشرة

من أهم التطورات في هذا الصراع أن إيران تبدو الآن متخلّية عن المنطق الذي رسمت به سياستها الإقليمية لسنوات، وفق تحليل باحثين أمنيين غربيين. فقد اتبعت طهران لعقود استراتيجية «الدفاع المتقدّم» عبر الاستثمار في قدرات جماعات حليفة—من حزب الله إلى الحوثيين ومجموعات أخرى في العراق وسوريا—بهدف ردع إسرائيل دون الدخول في مواجهة دولة‑دولة مباشرة. لكن المشهد الحالي يوحي بتغيير جذري: بدلاً من الاقتصار على القتال عبر الوكلاء، باتت طهران تدخل المعركة بصفتها دولة تنفّذ ضربات مباشرة دفاعاً عن حلفائها.

خلاصة الأحكام

الخلاصة أن الضربة الإيرانية المباشرة تبدو رسالة مفادها أن طهران ستفرض «خطوطاً حمراء» لحماية حلفائها، وأن أي مسعى أميركي للتفاوض على اتفاق شامل مع إيران يواجه عقبة كبرى ما لم يتضمّن ترتيبات تمنع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد لبنان والحلفاء الإقليميين لطهران. إيران ربطت الآن مصير أي اتفاق سلام بمصير حلفاها في المنطقة، وما إذا كانت هذه المقاربة ستؤدي إلى ضبط ميداني أو إلى مزيد من التصعيد لا يزال مفتوحاً. «رسالة طهران: معاً في الحرب، معاً في السلم»، هكذا أُضيفت الكلمات.

يرى نديم حوري، المدير التنفيذي لمبادرة الإصلاح العربي في لبنان، أن إيران تعمل على الحفاظ على استراتيجيتها التاريخية في «وحدة الجبهات» حفاظاً على شبكتها الإقليمية من الحلفاء.

يقرأ  كيف تبدو اقتحامات المستوطنين وترهيبهم في الضفة الغربيةأخبار الصراع الإسرائيلي الفلسطيني

«ولتحقيق ذلك، يجب عليها أن تُظهر قدرتها على ردع إسرائيل عن التحرك بشكل أحادي ضد لبنان»، قال حوري.

«خوف إيران أن تبدو عاجزة عن حماية حزب الله، وكلاؤها الأهم، قد يؤدي إلى تآكل وكلائها الإقليميين واحداً تلو الآخر.»

خطر محسوب أم خط فاصل جديد؟

يبدو التصعيد الأخير استراتيجياً وفي الوقت نفسه بياناً عن العزم، وفق خبراء.

«لا أعتقد أن إيران قد وضعت مشغلاً آلياً بحيث يقود كل احتكاك بين إسرائيل وحزب الله إلى تدخل إيراني مباشر»، قال أندرياس كريغ، أستاذ الأمن في كلية كينجز بلندن، لشبكة الجزيرة.

«لكن إيران رسمت حول لبنان خطاً أحمر أشد صلابة مما كان عليه سابقاً.»

ويجادل كريغ بأن طهران تحاول إعادة ترسيم حدود وقف الأعمال العدائية باستخدام قوة محكومة، لا بالتخلي عن الدبلوماسية بالكامل.

«هذا خط أحمر جديد، لكنه خط أحمر مرن»، أضاف. «إيران تريد الغموض. تريد لإسرائيل أن تعتقد أن أي تصعيد إضافي في لبنان قد يستدعي رد فعل إيراني مباشِر، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى هامش كافٍ لتجنب الانجرار إلى حرب شاملة وفق جدول إسرائيل.»

قال المحلل المقيم في بيروت علي رزق إن طهران ربما تراهن على حساب مفاده أن ترامب حريص على تجنب صراع أوسع والسعي نحو تسوية تفاوضية بدلاً من ذلك. «هناك الآن فرق واضح في الأولويات بين واشنطن وتل أبيب»، قال رزق للجزيرة.

«أعتقد أن ترامب قد يكون مستعداً إلى حد ما لاستيعاب بعض المصالح الإيرانية في لبنان إذا ما سمح ذلك بالتوصل إلى اتفاق يعالج قضاياه الأساسية، مثل الملف النووي ومضيق هرمز.»

صور في طهران لقائد الثورة الإسلاميّة الراحل آية الله روح الله الخميني (يسار) والقائد الأعلى الذي اغتيل—آية الله علي خامنئي، 8 يونيو 2026 [وكالة الأنباء]

يقرأ  نموذج التقييم ٥‑٣‑٢لاختبارات أقصر وأفضل

إنهاء الحرب أصبح أصعب بكثير الآن

حذر محللون من أنه إذا لم تستطع واشنطن منع إجراءات ترى طهران أنها مرفوضة، فقد تصل إيران إلى استنتاج مفاده أن الولايات المتحدة عاجزة عن توفير وقف شامل لإطلاق النار تسعى إليه.

«السؤال المحوري هو ما إذا كان ترامب مستعداً فعلاً للضغط على إسرائيل بطرق ملموسة»، قال حوري. «هل سيتخذ ترامب إجراءات عملية للضغط على إسرائيل أم سيكتفي بالموافقة ضمنياً؟»

أشار رزق إلى أن موقف ترامب صعب للغاية لكنه من المرجح أن يمارس ضغوطاً على إسرائيل لوقف التصعيد في لبنان.

«التضحية بالمفاوضات مع إيران لمجرد أن نتنياهو يقصف لبنان ستعرض ترامب أكثر من أي وقت مضى كببغاء إسرائيلي، وهو ما قد يضر به في انتخابات الكونغرس النصفية»، حذر. «لذلك ثمة احتمال قوي أن يبذل جهداً مضنياً لمنع التصعيد من إفشال المسار الدبلوماسي مع إيران.»

في الوقت الراهن، يرى الخبراء أن تجميداً مؤقتاً للأعمال القتالية لا يزال ممكناً، لكن تحقيق سلام دائم يبدو أكثر صعوبة.

«الناتج الأكثر احتمالاً هو نمط احتجاز عنيف: استمرار المحادثات، ومواصلة إيران وإسرائيل اختبار بعضهما البعض، وبقاء حزب الله نشطاً، ومحاولات الولايات المتحدة منع النظام من الانجراف إلى حملة أوسع»، قال كريغ.

أضف تعليق