مادّة خام — وليست الذهب — تُمارس تأثيراً يفوق حجمها في مسار القتال بالسودان لأنها تُهرَّب لتمويل جهود الحرب لدى قوات الدعم السريغ. هذه المادة هي الصمغ العربى، بطل صامت وضروري في كثير من المنتجات حول العالم.
ما هو الصمغ العربي؟
الصمغ العربي هو راتنج يستخرج بعملية نضد شجرة الأكاسيا (Acacia senegal) المنتشرة في حزام يمتد عبر وسط أفريقيا. يُجفف الراتنج ويُطحن ليصبح مسحوقاً يُستخدم كمستحلب وكمادة رابطة في منتجات متعددة: المشروبات الغازية، البوظة، الحلويات، العلكة، المواد اللاصقة، الدهانات وبعض مستحضرات التجميل. يُدرج في قوائم المكونات تحت مسميات مثل «الصمغ العربي» أو «صمغ الأكاسيا» أو E414.
أهميته الاقتصادية والسياسية
تعتمد شركات عالمية كبرى على الصمغ العربي في صناعاتها؛ فقد استوردت هذه الشركات نحو 200 ألف طن في عام 2024، في سوق تُقدَّر قيمته بحوالي 300 مليون دولار. دلالة على أهميته: عندما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على السودان في تسعينيات القرن العشرين وصنفته دولة راعية للإرهاب، جرى استثناء الصمغ العربي من قيود التصدير.
دور السودان في تجارة الصمغ العربي
هناك نوعان رئيسيان من الصمغ: الحشاب، الأقوى والأكثر طلباً، والطلح، الأكثر فتاتاً والأقل طلباً. مناخ السودان ملائم لزراعة الحشاب، وهو النوع الأكثر طلباً عالمياً. قبل اندلاع الحرب في أبريل 2023، كان السودان المصدر الأكبر للصمغ العربي في العالم، ويتراوح نصيبه التسويقي بين 70 و80 في المئة من المعروض العالمي، رغم صعوبة الحصول على أرقام دقيقة للتصدير والإنتاج بسبب غموض سلسلة التوريد.
ما تغيّر منذ اندلاع الحرب
بعد أبريل 2023 تراجعت الأرقام الرسمية للصادرات السودانية بشكل حاد، لكن الطلب الدولي لم يتوقف؛ بدلاً من ذلك زادت صادرات الدول المجاورة، ما يشير إلى أن المحصول النقدي يُستغل لتمويل الحرب عبر شبكات تهريب معقدة. دراسات ميدانية تشير إلى أن معظم الصمغ السوداني يُهرّب الآن، مما يصعّب تتبعه وإثبات مصدره. يقوم تجار محليون بنقله عبر الحدود إلى تشاد أو جنوب السودان ودول أخرى لتفادي متطلبات إثبات خلوه من الصراع والالتفاف على الرسوم والضرائب المفروضة من الحكومة السودانية ومن قوات الدعم السريع التي تقاتل الجيش الحكومي. بمجرد تهريبه إلى بلد ثانٍ يُخلط مع إنتاج محلي ويعاد تسويقه على أنه من منشأ ذلك البلد.
الاستغلال والتمويل
الاستغلال الأكثر شراً يتمثّل في نهب الصمغ من قبل القوات المسلحة غير النظامية وفرض رسوم على حركة البضاعة؛ إذ سرعان ما أدركت هذه الأطراف القيمة النقدية للصمغ وبدأت تسيطر على طرق التهريب والمخزونات ومعابر الحدود، ما يتيح لها استخراج موارد مالية من كل مسار في السلسلة.
من يشتري هذا «الصمغ المرتبط بالنزاع»؟
أكبر مشتريي الصمغ الخام هم شركات أوروبية، تتصدرها مؤسسات فرنسية وألمانية. رغم ادعاءات بعض الشركات بأنها تطبق ضوابط تتبّع صارمة لضمان مصادر أخلاقية، فإن بحوث ميدانية أشارت إلى ثغرات كبيرة في الامتثال والقدرة على إثبات خلو البضاعة من علاقة بالنزاع. هذا يعني أن سلاسل التوريد تسمح، عمليا، بمرور مكونات استفاد منها طرف مسلح وأسهمت في استمرار القتال.
كيف يؤثر ذلك على السودانيين؟
مع اشتداد القتال ومحاولات فِرق متنازعة تعبئة موارد لتمويل حربها، يزداد الخطر على الفلاحين والناقّبين والعاملين في كامل سلسلة التوريد. الصمغ العربي مصدر رزق مهم لملايين السودانيين، لكنه صار تجارة غير آمنة. رغم تضاعف سعر طن الحشاب خلال الحرب، إلا أن الفاعلين المحليين المنتجين يحصلون على أقل نصيب ممكن، إذ تبتلع الوسطاء والجهات المسلحة الجزء الأكبر من العائدات، بينما يبقى المنتجون المحليون الأكثر فقراً والأعرض عرضة للخطر.