إعادة فتح جزئي لمعبر رفح هذا الأسبوع بين غزة ومصر سلّط الضوء مجدداً على مسألة إخراج عدد محدود من الجرحى والمرضى من القطاع المحاصر. ومع أن عمليات الإخلاء الطبيّة باتت ضرورية لإنقاذ أرواح، يؤكد المعنيون أن الأولوية الفعلية يجب أن تكون إعادة بناء منظومة الصحة في غزة التي تآكلت بتعمّد نتيجة الحرب التي تشنها إسرائيل ضد السكان في القطاع.
ناطق باسم وزارة الصحة في غزة، زاهر الوَحِيدي، وصف العملية بأنها «تدمير منهجي ومتعمد للبنية الصحية». ورسم محاور التحدي الخمسة الأساسية التي تواجه النظام الصحي بعد 28 شهراً من الحصار والضربات والقتل الجماعي: غياب عمليات الإجلاء المنتظمة، نقص التجهيزات الطبية، عجز في الأدوية، تدمير المنشآت وندرة الكوادر الطبية.
الوحيدي ناشد المجتمع الدولي وأي جهة «تستطيع مد يد العون» للضغط على إسرائيل لفتح معبر رفح بشكل كامل وللسماح بدخول المعدات والأدوية والفرق التخصصية التي تساند العاملين الصحيين. وخلافاً للغطاء الإعلامي الذي انحسر منذ سريان «الهدنة» المعلنة، تقول اختصاصية الصحة العامة يارا عاصي إن الاحتياجات لم تتغير: المشكلة لم تختفِ بل فقط خرجت من صدارة الأخبار، مما جعل قطاع الصحة ضحية انتباه قصير الأمد من المانحين والجهات الدولية.
نقص الأدوية والبنى التحتية
الخبراء يشيرون إلى أن انعدام الوصول للرعاية وحجم الدمار أوديا بحياة آلاف الفلسطينيين. قبل اندلاع الحرب في أكتوبر 2023 كان هناك 1,244 مريضاً بكلاوي في غزة؛ العدد تراجع حالياً إلى نحو 622، بحسب الوَحِيدي. وثمة حالات قُتلت مباشرة في هجمات، بينما قُتل مئات آخرون نتيجة انقطاع خدمات الغسيل الكلوي وعدم توفر الرعاية اللازمة. رغم الهدنة المؤقتة، استمر العجز الدوائي وتفاقم حتى وصل العجز العام في الأدوية إلى 52%، فيما يصل عجز أدوية الأمراض المزمنة إلى حوالي 62% — ما يعني أن أكثر من نصف المرضى المزمنين لا يحصلون على أدويتهم بانتظام، مع ما يترتب على ذلك من تدهور صحي ووفيات. عدد المصابين بأمراض مزمنة في غزة يُقدَّر بنحو 350,000 شخص.
إلى جانب الأدوية، تضررت البنية المادية للرعاية الصحية: وفق مكتب إعلام الحكومة في غزة، أُخرج 22 مستشفىً عن الخدمة وتضررت 211 سيارة إسعاف. وفي شمال القطاع لم تعد هناك مستشفيات عاملة، ما يضطر المرضى لقطع مسافات طويلة — وأحياناً سيراً على الأقدام — إلى مشافي محدودة الفاعلية في غزة المدينة مثل الشفاء والأهلي.
أهمية الإخلاءات الطبية وإعادة الإعمار الصحي
المؤيدون يؤكدون أن إعادة بناء النظام الصحي يجب أن تسير بالتوازي مع عمليات إجلاء المرضى الذين يحتاجون رعاية متخصّصة لا يتوفر علاجها داخل القطاع. جراح الصدمات محمد طاهر، الذي تطوع خلال الحرب، وصف الوضع بأنه كارثي: المستشفيات مدمرة، والكوادر الطبية قتلت أو اعتُقلت أو نزحت، والمرافق تفتقر إلى المعدات الجراحية، وحدات العناية المركزة، أجهزة الغسيل الكلوي، والأجهزة التشخيصية والأدوية من مضادات العدوى إلى المسكّنات وأدوية الأمراض المزمنة.
طاهر يرى في الإخلاءات وسيلة لتخفيف الضغط عن نظام صحي منهار: إخراج المرضى الذين يتطلبون علاجات معقدة يحرر الموارد لتغطية الحالات الروتينية والطوارئ اليومية، ما يساعد في انتشال النظام الصحي وتمكين السكان من تلقي الرعاية الأساسية.
منظمة الصحة العالمية واصلت الدعوة إلى فتح مسارات إحالة طبية لا تكتفي برفح فقط بل تشمل القدس والضفة الغربية ومراكز حول العالم، مشددة على أن الهدف طويل الأمد هو إعادة بناء شبكة صحية قوية داخل غزة تقلّل اعتمادها على الإخلاءات.
«نزع الصحة» كسياسة ممنهجة
الملاحقات والاقتحامات المتكررة للمراكز الطبية تحت ذريعة زعم استخدامها مراكز قيادة، إضافة إلى تصوير جنود وهم يتلفون معدات طبية، تُعدّ لدى باحثين ودبلوماسيين دليلاً على أن استهداف القطاع الصحي كان منظماً ومقصوداً. اختصاصية الصحة العامة يارا عاصي اعتبرت أن استهداف المنظومة الصحية جزء من خلق شروط معيشية تقود إلى تآكل المجتمع — وهو أحد الأصول التي تصنفها اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1948 كأحد أفعال الإبادة حين تُفْعَل بصورة مقصودة لإحداث هلاك جزئي أو كلي لمجموعة.
يقول باحثون إن إغلاق آخر عيادة أو مستشفى يؤدي إلى نزوح السكان من أحيائهم لأن الناس لا يستطيعون العيش من دون رعاية صحية؛ لذا فإن تعطيل الخدمات الصحية يتحول إلى أداة تطهير مدني وإعاقة العودة وإعادة البناء. وزارة الصحة رأت أن المستشفيات كانت «صمام الأمان» للسكان: طالما بقيت المستشفيات عاملة، بقي الناس في أرضهم، وعند اقتحامها أو إغلاقها تزايدت موجات النزوح.
محاولات تريّس وإشارات تعافٍ
رغم الدمار الهائل، تسعى وزارة الصحة والفرق المحلية لاستئناف تقديم خدمات أساسية. تُجرى حملات تطعيم، تُفتَح عيادات جديدة، وتتوسع الخدمات في المستشفيات القليلة العاملة. ومن إنجازات زاهدة تحت الظروف الراهنة استئناف عمليات قلب مفتوح في مستشفى القدس، وإعادة تفعيل خدمات الولادة في 19 مركزاً صحياً في أنحاء القطاع — خطوات متواضعة لكنها رمزية في مسعى إعادة ترميم منظومة الرعاية.
الكوادر الصحية الفلسطينية تُصوَّر كمثال على الصمود المهني والإنساني؛ كثيرون من العاملين الصحيين استمروا في التقديم بالرغم من فقدان زملاء لهم وتهديدات دائمة على حياتهم. هذا الالتزام المهني يشكّل لبنة في أي خطة لإعادة بناء قطاع صحي قادر على التصدي للاحتياجات الحادة والمزمِنة على حد سواء.
خلاصة موجزة
إجلاء عدد محدود من المرضى عبر رفح مهم ولا بد منه، لكن الحل المستدام يمر عبر إعادة بناء منظومة صحية متكاملة في غزة: استعادة المنشآت، تزويدها بالأجهزة والأدوية، حماية الكوادر وإعادة فتح مسارات إحالة دولية. من دون ذلك، ستستمر دائرة المعاناة، وسيبقى تعافي القطاع وصمود السكان رهينة لسياسات وممارسات تهدّد القدرة على العيش الكريم وحق الوصول إلى الصحة.